تميم عليان
القاهرة - الأناضول
يفكر المصريون، الذين تقع أعمالهم في منطقة وسط القاهرة، أو الذين يضطرون للعبور بطريق كورنيش النيل قرب ميدان التحرير هناك، مرتين، قبل النزول صباحًا أو قبل العودة من العمل عصرًا ومساءً؛ خوفًا من أن تصيبهم إحدى قطع الحجارة الطائشة أو قنابل الغاز، في ظل الاشتباكات اليومية التي تشهدها المنطقة منذ شهرين.
وتتركز الاشتباكات في المنطقة الواقعة بين جسر قصر النيل المؤدي لميدان التحرير وحتى مدخل الطريق المؤدي للسفارة الأمريكية بالقاهرة، وهي منطقة حساسة أمنيًّا تضم فندقين عالميين، تم اقتحام أحدهما وتحطيم واجهة الآخر بالاشتباكات، بجانب السفارتين البريطانية والأمريكية.
كما أنها حيوية مروريًّا يؤدي إغلاقها إلى شلل مروري بمعظم أجزاء العاصمة.
وتعود بداية الاشتباكات بهذه المنطقة إلى عشية الذكرى الثانية لثورة 25 يناير/كانون الثاني 2011، مع تصدي قوات الأمن لمتظاهرين هناك، ومسيرة احتجاجية كانت متجهة لمقر غرفة البرلمان الثانية القريب واضطرت للمرور من ذلك الطريق، بعد أن صارت معظم شوارع المنطقة مسدودة بحواجز خرسانية ضخمة للحيلولة بين المتظاهرين والوصول إلى مباني البرلمان ومجلس الوزراء ووزارة الداخلية والسفارة الأمريكية التي استهدفتها كلها احتجاجات سابقة.
تصدي قوات الأمن آنذاك لتلك المسيرة وقطع طريقها فتح بابًا لم يغلق من حينها، فبدأت اشتباكات متقطعة، صارت يومية مؤخرًا، وتغير طرفها المدني من متظاهرين وناشطين سياسيين أغلبهم شباب، إلى صبية صغار وفتيان لا تعرف لهم مطالب سياسية واضحة.
تبلغ الاشتباكات ذروتها ليلاً، حيث يستخدم المتظاهرون الحجارة والزجاجات الحارقة، ويشعلون إطارات السيارات بل وسيارات الشرطة أيضا في كثير من الأحيان، ويطلقون عيارات الخرطوش (طلقات نارية تحتوي على كرات صغيرة من البلي)، ويحطمون واجهات الفنادق والمتاجر، فيما اعتادت قوات الأمن الرد بالحجارة والغاز المسيل للدموع، قبل أن تتغير الصورة أخيرًا.
سقط قتيلان بين صفوف المحتجين خلال مواجهات السبت الماضي، وظهرت مقاطع فيديو لاستخدام الأمن بنادق الخرطوش ضدهم، لكن الاحتجاجات لم تتوقف، ما أثار تساؤلات حول فعالية التعامل الأمني مع المظاهرات.
فبين شكوى المواطنين من غياب هيبة الدولة، واتهام الشرطة بالعنف المفرط الذي يؤجج المظاهرات، يعد مشهد الاشتباكات اليومية والكر والفر بين المتظاهرين والأمن، أحد أهم معالم الأزمة السياسية التي تعيشها مصر، والتي يتفق عدد كبير من الخبراء والمراقبين على أن طرق التعامل معها يجب أن تختلف، خاصة بعد أن أثبت النهج الأمني عدم جدواه حيالها.
يقول الخبير الأمني المصري اللواء متقاعد فؤاد علام، لـ "الأناضول"، إن الأمر "يحتاج إلى منظومة متكاملة لمعالجته فيما يجب أن يكون التعامل الأمني مع تلك الاحتجاجات آخر الحلول".
"هنالك المحور الاقتصادي الذي كلما زادت معاناة الناس فيه زادت معها المشكلة، والمحور الاجتماعي الذي يشير إلى أنه كلما تفاقم العنف الاجتماعي تزايدت معه الاضطرابات والعنف المصاحب لها"، هكذا يوضح علام لافتا إلى أن "الجانب الأمني آخر محور نفكر فيه وتطوير أدائه من أيسر الأمور"، بحسب رأيه.
وينتقد علام أيضا تعامل القوى السياسية مع الأزمة و"استغلاها مما يؤدي إلى تفاقم الوضع"، على حد قوله.
ويرفض الخبراء المطالبات بتولي الجيش المسؤولية الأمنية بالقاهرة، كوسيلة لتهدئة الأوضاع الأمنية فيها، أسوة بما حدث في مدينة بورسعيد، الاستراتيجية الواقعة على المدخل الشمالي لقناة السويس، حيث توقفت الاشتباكات هناك مؤخرا بعد انسحاب قوات الشرطة واستبدالها بقوات من الجيش، محذرين أن ذلك سيؤدي إلى تدهور الأوضاع، لا تحسنها.
وشهدت بورسعيد أحداث عنف احتجاجي أسفرت عن سقوط قتلى وجرحى بعد الحكم الأول في القضية المعروفة إعلاميًّا بـ"استاد بورسعيد" يوم 26 يناير/كانون الثاني بإعدام 21 متهمًا من بين 72 آخرين متهمين بقتل 74 من مشجعي النادي الأهلي المصري (ألتراس) في فبراير/ شباط 2012.
وأسفرت أحداث العنف الاحتجاجي عن مقتل نحو 40 من أبناء المدينة في مواجهات وقعت أمام عدد من المنشآت الشرطية بالمدينة الواقعة على البحر المتوسط.
من جانبه، يرى عادل سليمان، رئيس المركز الدولي للدراسات المستقبلية والاستراتيجية، أن نزول الجيش، حتى لو كانت مهمته تأمينية، سيضر بالجميع وأولهم الجيش نفسه، في حال احتك المتظاهرون به، وأنه يجب إبعاد الجيش تماما عن المشهد.
ويضيف سليمان لـ "الأناضول" أن "الشرطة هي جزء من المشكلة، من حيث المبدأ الوظيفي، وعقلية جهاز الشرطة بالإضافة إلى مدى مهنيته وكفاءة قدراته على التعامل مع المواجهات".
ويشكك الخبير الاستراتيجي المصري في أن "مجندي قوات الأمن المركزي (مكافحة الشغب) حصلوا على القدر الكافي من التدريب والتأهيل للتعامل مع المظاهرات والاحتجاجات".
ويشير سليمان إلى ما يعتبره "غياب أجهزة الدولة الإدارية والحكومية من المشهد فيما يخص توضيح الحقائق والتعامل مع الوضع الحالي، مما زاد من ارتباك المواطن وتفاقم المشكلة".