محمد الكفراوي
تصوير: محمد صابر
الكويت- الأناضول
في وقت ظن فيه الكثيرون أن المشهد السياسي الكويتي يتجه نحو الهدوء، لاسيما بعد تراجع حضور المعارضة خلال الفترة الماضية، جاء الحكم على المعارض البارز مسلم البراك الاثنين الماضي بالسجن 5 سنوات بتهمة "المساس بالذات الأميرية"، ليعيد إلى المعارضة بريقها، ويزيد من تعقيد المشهد.
فالحكم على البراك، وما تبعه من أحداث حتى الآن، أبرزها اقتحام القوت الخاصة لديوانه صباح أمس والاشتباكات بين الشرطة والمؤيدين له الذي حاولوا اقتحام أحد أقسام الشرطة، كان الشغل الشاغل للشارع الكويتي، سواء "الأزرق" منه، وهو اللون المرتبط بالموالاة، أو "البرتقالي"، وهو لون المعارضة.
وبينما رأى البعض، وفي مقدمتهم أعضاء في مجلس الأمة الحالي (البرلمان) موالين للنظام، أن مرور يومين دون أن تتمكن وزارة الداخلية من اعتقال "البراك" يعد "دليلا علي فشل وتراخي الداخلية"، ذهب آخرون إلي أن التعامل الأمني مع القضية واقتحام منزل "البراك"، هو "أمر لن تقف تداعياته عند حد الخروج في مسيرات منددة؛ لأن هذا الفعل غير المعتاد في مجتمع قبلي محافظ، يعد دليلا على استمرار نهج الداخلية في الضرب بالقانون عرض الحائط، وهو ما يترك اثرا كبيرا في نفوس المنتمين للمعارضة، والذين يرون أن السلطة تتعامل بانتقائية شديدة مع معارضيها مقارنة بمواقفها من آخرين يحسبون عليها".
وبحسب أستاذ العلوم السياسية، مدير وحدة الدراسات الأمريكية بجامعة الكويت، الدكتور فيصل بوصليب، فإن "الحراك السياسي كان قد بدأ في التراجع والركود؛ لذا كان بحاجة إلى حدث يشحن الأجواء مجددا، فجاء الحكم بسجن البراك ليعيد الحياة إلى الحراك الاحتجاجي".
و"إذا كانت ردة الفعل المرتبطة بالحكم وقتية وفقا لطبيعة المجتمع، وهو أمر لا يخفى علي السلطة بطبيعة الحال"، كما يرى بوصليب، "إلا أن التداعيات التى سيخلفها يمكن أن تستمر حتى بعد انتهاء مرحلة الحراك ذاتها، وأبرزها وجود قناعة بشأن تعامل السلطة بانتقائية في تطبيق القوانين علي البعض وغض الطرف عنها مع آخرين، وهذا خطر علي الأمن الوطني الكويتي".
ومضى قائلا إن "هناك تزايد في السخط الشعبي وفجوة بين فئات المجتمع وبين النظام الحاكم.. وينبغي علي السلطة أن تسأل نفسها عن سبب تزايد أعداد القضايا التى يتهم فيها مواطنون بالمساس بالذات الأميرية (أمير الكويت صباح الأحمد الجابر الصباح) والانتقادات الموجهة أيضا غلى الأسرة الحاكمة، وهو ما يعني إنهيار الثقة بين الشعب والنظام أو بين شرائح من الشعب وبين مؤسسات الدولة المختلفة".
ورأى بوصليب أن "الشعب الكويتي، الذى فقد جزءا كبيرا من ثقته في المؤسسة التشريعية بعد قضايا الفساد الأخيرة، لا يتحمل فقدان الثقة أيضا في مؤسسة القضاء، فبالحكم على البراك بالسجن 5 سنوات، وهو الحد الأقصي لعقوبة المساس بالذات الأميرية، جعل البعض يرى أن الحكم يغلب عليه الطابع السياسي، ويمثل محاولة للضغط علي الحراك".
وأضاف أن "حبس سياسي بحجم البراك، الذى ينتمي لقبيلة ذات ثقل، لن يحل المشكلة، وإنما سيزيد من تعقيدات المشهد السياسي خلال المرحلة المقبلة، وهو ما يدفع للقول بأن الكويت لن يحقق منفعة من الحكم على البراك.. الأمر هنا لا يتعلق بتطبيق القوانين بقدر ما يحتم وجود موائمة سياسية".
هو الآخر، رأى أستاذ العلوم السياسية بجامعة الكويت شفيق الغبرا أن الحكم على البراك "أوجد ردود أفعال كبيرة، ولن يعالج المشكلة التى تعيشها البلاد؛ فمواجهة التعبير عن الرأى بالسجن يدخلنا في مشكلة أكبر تزيد من تعقيد المشاكل الحقيقة التى نعاني منها، والمرتبطة بمستقبل الكويت، والبحث عن شكل الاصلاحات السياسية المطلوبة".
وتابع الغبرا أن "الكويت، ومعها بقية الدول التى لجأت لمعالجة الرأى بالسجن، ستجد نفسها أمام حقيقة واحدة مفادها أن القمع ليس حلا، وأن مجاراة الرأى بالرأى وترك المجتمع ليكون هو الحكم الحقيقي في مثل تلك القضايا أفضل بكثير من اعتماد الأساليب الحالية التى تعمق المشكلة وتوجد حالة من الانقسام والكراهية ليست في صالح النظام".
وأضاف أن "ردة الفعل المرتبطة بالحكم، والتى خرجت من شرائح شعبية مختلفة، تحتم أن نتعامل مع الأمر بأقصي درجة من الحكمة، حرصا علي استقرار الكويت وامكانية التحول نحو مرحلة أكثر إيجابية، وهو أمر يتطلب التعامل بقدر أكبر من التسامح تجاه التعبير عن الرأي في المجتمع وفتح مساحة للتفاهم".
وختم الغبرا بأن "الوضع الحالي يتطلب أيضا ضرورة وجود طرح مغاير يأتى من النظام الحاكم ويدفع باتجاه الاصلاحات السياسية عبر خارطة طريق للمرحلة المقبلة، إنطلاقا من أن البقاء بالوضع الحالي لن يحقق الاستقرار بعد أن انتقل الصراع من صراع بين الحكومة ومجلس الأمة (البرلمان) إلي صراع بين الحكومة وقطاعات أساسية من الشارع".