يوسف ضياء الدين
الجزائر ـ الأناضول
"الربيع الجزائري" تميز بعاصفة جانبت أسوار النظام لكنها ضربت بقوة واجهته السياسية المتمثلة في قادة أحزاب محسوبة على السلطة تعصف بها رياح التغيير حاليًا.
وتعرف أكبر الأحزاب الجزائرية في الفترة الأخيرة موجة تغييرات أطاحت بعدة قيادات فيما يجري التحضير لإسقاط آخرين، مع بداية العد التنازلي لانتخابات الرئاسة المقررة مطلع 2014.
وفاجأ رئيس الوزراء السابق أحمد أويحيى مناضلي حزبه "التجمع الوطني الديمقراطي" ثاني أكبر أحزاب البلاد وحتى المراقبين بإعلان انسحابه من قيادة هذا الحزب الذي يوصف من قبل المراقبين بأنه أهم واجهة سياسية للنظام الحاكم في البلاد.
ورغم أن أويحيى برر انسحابه بتجنيب حزبه أزمة داخلية طاحنة بعد اتساع رقعة المعارضين المطالبين بعزله إلا أن المراقبين ووسائل الإعلام المحلية يؤكدون أن الرجل "صمد أمام أزمات أخطر من هذه سابقًا سواء كرئيس للحكومة أو في حزبه الذي يقوده منذ 12 سنة".
ومن بين التحليلات الرائجة بقوة في الوسط السياسي تلك التي تؤكد أن أحمد أويحيى الذي يعد أحد المقربين من مراكز صنع القرار في البلاد فهم أنه غير مرغوب فيه خلال هذه المرحلة، وبالتالي انسحب في صمت، ومن الممكن أن يعود كمرشح في انتخابات الرئاسة المقررة مطلع العام القادم.
من جهته تبدو أيام عبد العزيز بلخادم الأمين العام لحزب "جبهة التحرير الوطني" الحاكم في البلاد معدودة حيث ينتظر أن يعلن استقالته خلال اجتماع للجنة المركزية أعلى هيئة قيادية بالحزب نهاية الشهر الجاري.
واتسعت رقعة المعارضين لبقاء بلخادم لتشمل هذه المرة وزراء في الحكومة مقربين منه نصحوه في رسالة بالانسحاب وتجنيب الحزب الدخول في صراعات عميقة تؤثر على موقعه كقوة سياسية أولى في البلاد.
ويوصف حزبا "التجمع الوطني الديمقراطي" و"جبهة التحرير الوطني" اللذان يحوزان أغلب مقاعد الحكومة وجميع هيئات البلاد بأنهما الواجهة السياسية للنظام الحاكم منذ استقلال الجزائر عام 1962
ويتجه بوجرة سلطاني رئيس حزب "حركة مجتمع السلم" أكبر الأحزاب الإسلامية في البلاد والعضو في الحكومة سابقًا إلى المصير ذاته حيث تؤكد مصادر قيادية أن المؤتمر القادم لهذا الحزب الذي يمثل تيار الإخوان المسلمين في الجزائر والمقرر خلال شهر مارس/ آذار القادم سيشهد انتخاب خليفة لسلطاني.
وكان سلطاني الذي يقود حركة مجتمع السلم ـإخوان الجزائرـ للفترة الثانية على التوالي قد أعلن عدة مرات أنه لن يترشح خلال المؤتمر الخامس للحركة لفترة جديدة.
وتقول مصادر مطلعة لمراسل الأناضول بالجزائر أن الصراع على خلافة سلطاني سيكون بين نائبه الحالي عبد الرزاق مقري أحد القيادات التي تبنت نهج المعارضة داخل الحركة منذ سنوات طويلة، وأحد الرافضين بقوة لسياسة الحركة السابقة التي كانت قائمة على المشاركة في الحكومة.
والشخصية الثانية المرشحة للتنافس بقوة على رئاسة الحركة خلال المؤتمر القادم هو رئيس مجلس الشورى الوطني الحالي للحركة الشيخ عبد الرحمان سعيدي الذي سبق له وأن كان منافسا لسلطاني خلال المؤتمر الثالث للحركة عام 2003 وخسر رئاسة الحركة بفارق 10 أصوات فقط عن منافسه أبو جرة سلطاني.
وكانت هذه الأحزاب الثلاثة تشكل في السابق ما سمي بالتحالف الرئاسي الذي يدعم الرئيس عبد العزيز بوتفليقة منذ العام 2004.
وسبق هذا الحراك في كبرى الأحزاب الجزائرية إعلان حسين آيت أحمد أقدم معارض جزائري وأحد رموز ثورة التحرير انسحابه من قيادة حزب جبهة القوى الإشتراكية اليساري وقبله سعيد سعدي الذي استقال من قيادة التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية العلماني مؤخرا.
وفسر المحلل السياسي أحمد عظيمي هذه التغييرات في قيادة كبرى الأحزاب الجزائرية أنه "يأتي على خلفية التحضير لانتخابات الرئاسة المقررة مطلع العام القادم وبداية الصراعات في السلطة وخارجها حول خليفة بوتفليقة أو التمديد له".
وقال عظيمي في تصريحات صحفية سابقة إن "النظام الحاكم يريد عودة الهدوء إلى الأحزاب التي تدعمه من أجل الإستعانة بها في دعم المرشح الذي سيختاره لدخول سباق الرئاسة".
وتزامن هذا الحراك السياسي مع اقتراب بوتفليقة (75 عامًا) من إكمال ولايته الرئاسية الثالثة، حيث بدأ ولايته الأولى عام 1999، ثم أعيد انتخابه في 2004 لولاية رئاسية ثانية، وفي العام 2009 بدأ ولايته الثالثة التي تنتهي مطلع العام 2014.
وأعلن بوتفليقة في تصريحات إعلامية مؤخرًا أن مسار الإصلاحات ''سيتوج بمراجعة الدستور بقصد تكريس الثوابت الوطنية والديمقراطية ودولة الحق والقانون كأساس للعقد الوطني الذي يوحد أبناء الأمة الجزائرية المستقلة ذات السيادة''.
وأطلق بوتفليقة مع اندلاع موجة الربيع العربي منذ عامين حزمة إصلاحات شملت قوانين الجمعيات، والأحزاب، والانتخابات والإعلام إلى جانب إلغاء حالة الطوارئ في البلاد.
وشكلت الجزائر استثناء في موجة الربيع العربي الذي أسقط عدة أنظمة في المنطقة حيث يوجد شبه إجماع داخلي أن الأزمة الأمنية التي مرت بها البلاد منذ مطلع تسعينيات القرن الماضي بعد وصول الإسلاميين للسطلة ورفض الجيش لهم هي أهم سبب في عدم حدوث ثورة شعبية ضد النظام، في إطار موجة الربيع العربي.