هناء صلاح
غزة - الأناضول
ثكنات وأبراج عسكرية إسرائيلية للمراقبة، تعلوها مناطيد للرصد والمراقبة، ومدرعات يترجل منها جنودها على طول الحدود الشمالية الشرقية بين قطاع غزة وإسرائيل، في مشهد يبدو لناظره أن تلك المنطقة المتهاوية في خاصرة غزة الشمالية قد تحولت إلى "حقول للقتل" بعد أن ارتوت بدماء أعداد من شهداء سقطوا في معظمهم مزارعين برصاص تلك الآلة الإسرائيلية المتمركزة هناك.
في قطاع غزة، حيث الهدنة الفلسطينية-الإسرائيلية تترنح "بلا ضمانات"، يخاف سكان المناطق الحدودية أو ما يعرف بـ"المنطقة العازلة" أن تعلن السقوط اليوم أو غدٍ أو بعد غد في موعد قد لا يكون فيه المزارع الغزي في الشمال محظوظاً في حصاد زرعه وثمره.
هناك تقف على مساحةٍ متوسطةٍ بين منطقتين متناقضتين، ترى المستعمرات الاستيطانية تلاصق حدود السياج الحدودي من جهة، ومساكن فلسطينية تبعد كثيراً عن خط الهدنة بأمر من الرصاص الاسرائيلي من جهة أخرى، وبينهما مسافة تقاوم المزروعات فيها، لتسد رمق المحاصرين داخل دائرة من الصمت والعزلة.
أحمد الأدهم وغيره من مزارعي المناطق الحدودية أبدوا مخاوفهم الكبيرة من إعادة الزراعة في تلك المناطق التي أعلن الجانب الاسرائيلي التراجع عنها بموجب الهدنة المعلنة بين الطرفين الفلسطيني والاسرائيلي بعد حرب "الأيام الثمانية" في نوفمبر/ تشرين ثاني الماضي.
فتلك الأراضي التي هجروها عنوةً لمدة 12 عاماً تحتاج الى "إعادة تأهيل تتطلب امكانيات مادية كبيرة، لا يقدر المزارعون على توفيرها، إضافة الى افتقار تلك المناطق لمصادر المياه، نتيجة هدم الآبار أو تدميرها جزئياً".
وكان الجيش الاسرائيلي قد أقام ما يسمي بـ"المنطقة العازلة" على مسافة 1500م من حدود السياج الفاصل بين قطاع غزة وإسرائيل، وشكلت تلك المنطقة ما نسبته 15% من مساحة قطاع غزة، و35% من مجمل الأراضي الزراعية في قطاع غزة.
ويقع في نطاق المنطقة 14 قرية منتشرة على طول تلك الحدود، تتكبد الكثير من الأضرار اقتصادياً واجتماعياً وديموغرافياً.
وفي وقت ما بعد الهدنة أصبح وضع تلك المناطق محيراً للخبراء ومؤسسات العمل الزراعي، حيث يذكر محمد البكري مدير اتحاد لجان العمل الزراعي في غزة في حديثه لمراسلة وكالة الأناضول للأنباء بأنه "لا يوجد تحديد واضح للمنطقة العازلة بعد الهدنة".
ويضيف:" لم نحصل على اتفاقيات موقعة، أو ضمانات دولية فيما يتعلق بوضع المنطقة العازلة، وما يتعلق بالانسحاب منها كان كلاماً اعلامياً ".
ويتساءل :" اذا كان هناك انسحاب فعلي فلماذا يتم استهداف المزارعين هناك؟" قبل أن يضيف: "هناك انتهاك مستمر للتهدئة في المناطق الحدودية، حيث قتل وأصيب عدد من المزارعين أثناء محاولاتهم الزراعة في أراضيهم هناك".
ويلفت إلى أن "بعض المزارعين حاولوا زراعة أراضيهم في المناطق الحدودية الجنوبية، إلا أن الجرافات الاسرائيلية قامت بتجريف ما زرعوه من القمح والشعير في قرية "خزاعة" فور اقتراب موعد الحصاد".
وتعتبر أراضي المنطقة العازلة من أجود أنواع الأراضي الزراعية المؤهلة بالدرجة الأولى للزراعة التصديرية المعروفة ومن أهمها زراعة البرتقال.
وبدأ الجيش الإسرائيلي إنشاء تلك المنطقة منذ العام 2000 م وفرضت كواقع على المزارعين منذ العام 2005 م مع بدء الانسحاب من المستوطنات الاسرائيلية المتواجدة في قطاع غزة .
وكانت وزارة الزراعة في الحكومة المقالة بغزة، قد أطلقت حملة :"معاً لتنمية المنطقة العازلة" في الخامس من شهر مارس/ آذار الحالي، تعمل من خلالها على تحديد الاحتياجات الرئيسية للمنطقة، لتطلق بعدها مجموعة من البرامج التي تستهدف تحقيق التنمية المستدامة .
وذكر د.نبيل أبو شمالة مدير عام السياسات والتخطيط في وزارة الزراعة في غزة بأن "هذه الحملة تأتي بالتنسيق مع كافة المنظمات الدولية والأهلية العاملة في القطاع الزراعي في قطاع غزة، لافتاً إلى أن تنفيذ المشاريع سيكون بالتنسيق الكامل بين تلك المؤسسات لتحقيق تنمية حقيقية شاملة ومستدامة".
ونوه إلى أن الوزارة بصدد الإعلان عن نتائج أول قاعدة بيانات اقتصادية واجتماعية شاملة، جرى العمل عليها لمدة 6 شهور متواصلة، هدفت الى احصاء الاراضي الزراعية والسكان في المنطقة العازلة.
وفي السياق ذاته تحدث البكري عن حاجة المؤسسات الأهلية للتمويل اللازم لتنفيذ البرامج الطارئة التي تحمل بعدها التنموي و ليس الاغاثي لإحياء تلك المناطق.
وفيما يتعلق بدخول تلك المناطق ذكر البكري بأن المؤسسات الدولية تأخذ التنسيق من الصليب الأحمر الدولي الذي بدوره يتواصل مع الجانب الاسرائيلي للسماح لطواقم تلك المؤسسات الوصول الى تلك المناطق.
وذكر أنه "على الرغم من ذلك تم اطلاق النار على وفد من الاتحاد الأوروبي خلال تواجده في تلك المنطقة بعد حرب نوفمبر/تشرين ثاني من العام الماضي، مشيراً أن ذلك يأتي لإجبار الأطراف الدولية على عدم القيام بمشاريع في تلك المنطقة.
ويؤكد كثير من المزارعين أن "ما تتحدث به وسائل الإعلام عن انسحاب من المنطقة العازلة، غير دقيق، وأنهم لا زالوا يخشون من اطلاق النار عليهم"، وهو الأمر الذي يتخوف منه المزارع يوسف الأدهم، ويقول "لا أثق بالجانب المصري".
وعلى مقربة من أحمد يقف والده ويعرب هو الآخر عن تخوفه من الإستهداف الإسرائيلي لهم قائلاً:"هذا البئر بحاجة الى اصلاح ونحن لا نقدر على تكاليف ذلك، و هذه الأرض لم أدخلها منذ 12 عاماً، كل شيء فيها ميت".
وتكلف المنطقة العازلة الاقتصاد الفلسطيني بما يقارب 50.2 مليون دولار كدخل مفقود سنوياً نتيجة تعطل إنتاج 75 ألف طن من الإنتاج الزراعي، وحوالي 26 مليون دولار كدخل سنوي مفقود نتيجة تعطل إنتاج 700 ألف طن من الثروة السمكية.
ولا تقتصر المنطقة العازلة على البر فقط بل وتشمل حظراً بحرياً، فرض الاحتلال بموجبه قيداً على الصيادين من الوصول مسافة 20 ميلا من المياه الاقليمية الممنوحة للفلسطينيين بموجب القانون الدولي.
وفي هذا السياق ذكر البكري "أنه بعد الحرب الأخيرة حاول الصيادون الدخول مسافة 8 أميال فتم اطلاق النار عليهم، فتراجعوا الى مسافة 6 اميال فقط" .
و أضاف "أن تلك المسافة ليست آمنةً أيضاً على الصيادين حيث لا زالت الطرادات الاسرائيلية تقوم بإطلاق النار على الصيادين وتقوم باعتقالهم لساعات في عرض البحر قبل أن تفرج عنهم".