إيمان نصار
تصوير: قيس أبو سمرة
قصرة (نابلس) - الأناضول
قد يبدو الأمر مضحكًا أو غير مهم للكثيرين، لكنّه بالنسبة لـ"أبو العبد" و"أبو محمد" أمر مهم ومقلق وغاية في الخطر، فكيف بهما وقد طعنا في العمر أن يصلا اليوم إلى أرضيهما في أقصى بلدة "قصرة" شمالي الضفة الغربية المحتلة بعد أن بات حماريهما رهن "الاعتقال القسري" من جانب المستوطنين.
الحاج صابر عبد الرحيم، الذي قضى سنين عمره الثمانين بين الحرية طفلاً والاحتلال كهلاً، ترعرع وكبر مع قريته الصغيرة "قصرة"، كان اسمه مطويًا عن الإعلام والصحافة إلى أن فقد في شباط/فبراير الماضي حماره الأبيض الذي لا يزال "معتقلا" لليوم في مستوطنة "ايش كودش" القريبة من بلدته.
ويؤرّخ الحاج صابر الملقب بـ"أبا محمد" لأيام اعتقال حماره بنحو سنة مرت عليه كأنها عمره كله، كما يقول.
ويواصل حديثه عن حماره باعتزاز: "إنه رفيقي الوفي الذي تحملني سنوات طوال، وحمل عني تعبي واسترحت به، وأعانني على سقيا أرضي".
"أبو محمد" اعتاد أن يتوجّه إلى أرضه التي يفلحها بعد كل صلاة فجر، راكبًا حماره الأبيض مع قليل مما قد يتحمله ذاك الحمار من أمتاع ومياه لري شجيرات من الزيتون كما جاء في روايته لـ"الأناضول".
"وذات يوم من عام مضى، وفي أرض تحاذي أناس لم يعرفوا للجار حقًا، أو للضيف كرمًا من المستوطنين الصهاينة، استفاق أبومحمد- وفق روايته- على جارٍ غريب يسكن في تلك المستوطنة يحل وثاق ونيس حلِه وترحاله من وسط حقل الزيتون، ويذهب به مقيدًا إلى اعتقال غير مفهوم ولا واضح حيث هو الآن مع حمار آخر قد اعتقل في عام سبقه".
لم يتوقف ما تعرض له الحاج "أبو محمد" على يد المستوطنين عند خطف واعتقال حماره، بل طال الأمر أرضه بأشجاره التي زرعها في محاولة كما يقول "لاقتلاعه من أرضه وإبعاده عنها على أيدي المستوطنين القاطنين في مستوطنة أيش كودش، شمالي الضفة.
أبو محمد لم توقفه محاولات المستوطنين ولم يمنعه "اعتقال" وسيله تنقله من رؤية أرضه وإصلاح زرعها، بل بات "مصممًا" منذ ذاك اليوم على الذهاب إليها يوميًّا منطلقًا من المسجد بعد أن يصلي الفجر "مبتهلاً لله أن يرد إليه حماره الأبيض".
هناك.. أيضاً.. وفي"قصرة" عينها، كان "أبو العبد" 58 عامًا، يجلس يتأمل ربيع فلسطين وهو يشقشق حنونًا أحمر في مارس/آذار عله يعود إليه برفيقه البني اللون الذي تركه يعاني من وحدة أرضه، بعد أن حلّ به المرض ونال من قلبه التعبَ..
أبو العبد الذي كان يحكي هو الآخر قصته لـ"الأناضول" اشتكى من "اعتداءات أصبحت تُمارس بحقهم يوميًا على أيدي مستوطنين إسرائيليين".
ويقول إن المستوطنين "حرموه من الوصول حتى سيرًا على الأقدام إلى أرضه بعد أن خطفوا حماره البني اللون، قبل نحو عامين، ليصبح حماره وحمار "أبو محمد" أسرى جددًا في سجون الاستيطان الإسرائيلي"، على حد قوله.
رئيس المجلس المحلي لقرية "قصرة" عبد العظيم الوالي بدوره يقول للأناضول: "جاء طاقم صحفي من القناة الثانية الإسرائيلية قبل أيام من أجل إعداد تقرير حول القرية والاعتداءات التي تتعرض لها يوميًا على أيدي المستوطنين، فأخبرناهم بالظلم الواقع علينا".
وبينما كان "والي القرية" كما يلقبه أهلها، يحكي حكاية قريته أمام الإعلام الإسرائيلي، لم ينس أمر الحاجين "أبو العبد" و"أبومحمد" صاحبي قضية "الحمارين"، فأخذ من عدسة الكاميرا منبرًا ليشكو "سجانين يأبوا حتى اللحظة الإفراج عن حمارين ليس ذنبهما سوى أنهما من سكان أرض فلسطينية".
الوالي عرض "صفقة" من أجل تحرير "الحمارين المعتقلين"، وأخبر المستوطنين أو "إدارة سجن الحمير" - كما أسماهم - عبر القناة الثانية أن "يطلقوا الحمارين في منطقة فاصلة بين المستوطنة حيث معقل اعتقالهما، وقريتهما قُصرة، وأن يتركا لهما (للحمارين) حق الاختيار، فإذا اختارا أن يعودا لمعقل أسرهما فليذهبا، وإن قررا العودة إلى موطنهما فليفرجوا عنهما حالاً دون أي محاكمات قسرية".
وإلى أن يجدّ جديد في هذا الأمر، ما زال "أبو محمد" ورفيقه "أبو العبد" مصممين على "عودة حماريهما إلى قريتهما". ومازال في مستوطنة "ايش كودش"، يقبع رفيقا دربهما "رهن الاعتقال".