أحمد زكريا
القاهرة- الأناضول
يبدأ يومه في الصباح الباكر، يجهّز أدوات الصيد في مكان سكنه بالمركب الصغير الذي لا يبرحه، ليبدأ بعد ذلك رحلته الطويلة في صيد الأسماك بقلب نهر النيل بمصر، الذي يعد من أطول أنهار العالم.
إنه محمود حسين صاحب الـ39 عامًا، الذي يعمل صيادًا في قلب النيل، ويتخذ هو وزوجته وأطفاله الأربعة من قارب صيده الصغير مسكنًا لهم في الوقت ذاته.
وفي قارب آخر يلازم قارب حسين تعيش أخته "أم حسين" التي ليس لها مصدر رزق أيضـًا سوى العمل بالصيد، ومحمود هو العائل لها ولطفليها، كما يعول في الوقت نفسه والدته التي بها يكتمل الضلع الثالث للعائلة الكبيرة ذات المسكن الصغير في "القارب".
حسين الذي يعيش على ما يجود به النيل عليه فيبيع جزءًا منه ويأكل وأسرته الكبيرة الجزء الآخر، يروى لمراسل وكالة الأناضول للأنباء قصته قائلاً "لا أريد سوى حياة بسيطة تقوم على توفير الطعام والشراب الجيدين لأبنائي".
وأشار إلى أنه لو وجد فرصة عمل أخرى غير الصيد لما تردد في امتهانها لأن عمله الحالي لا يكفي احتياجات أسرته.
وأوضح حسين أن الرعاية الصحية "غير متوفرة" له ولمن مثله، فهو لا يستطيع أن يعالج والدته لأنه لا يمكنه أن يترك النيل بسبب العمل طوال الوقت في الصيد حتى يجد قوت يومه.
أما والدة محمود التي تعمل معه وترافقه في رحلته منذ الصباح على مركبه الصغير، تاركين بقية أسرته في القارب الآخر، فقالت لمراسل الأناضول إنهم لا يعرفون غير الحياة في المركب حيث يطهون طعامهم، ويغتسلون، وينامون في القارب، والصيد بالنسبة لهم هو كل شيء فهم لا يعرفون شيئًا سواه.
وفي حديثها لـ"الأناضول"، أشارت أخت محمود التي تساعد زوجته في الأعمال "المنزلية" بالمركب إلى أن حلمها يتلخص في "دخول الأطفال الصغار المدارس"، فهي لا تطيق أن ترى 6 أطفال لا يستطيعون دخول المدارس بسبب عدم القدرة على دفع المصروفات المدرسية، على حد تعبيرها.
ورغم أن السينما المصرية قد ناقشت قصة لصياد شبيهة بقصة حسين في فيلم حمل اسم "المراكبي"، لكن القضية لم تُحل حتى الآن بعد مرور حوالي 17 عامًا على طرحها على المستوى الفني.
إلا أن الدستور المصري الجديد الذي طرحت مسودته "المبدئية" للنقاش منذ أيام، تضمن مادة حول حق المواطن المصري في سكن ملائم، فيما قد يعد حلاً نسبيًا لمشكلة حسين.
وتنص تلك المادة على أن "السكن الملائم حق لكل مواطن، وتصدر الدولة التشريعات اللازمة لتحقيق هذا الحق وتتبنى الدولة خطة وطنية للإسكان تقوم على العدالة الاجتماعية، وتلتزم الدولة بتوفير الحق في السكن الملائم للمواطنين الأكثر احتياجًا".
يشار إلى أن المركز المصري لحقوق السكن قد نشر تقريرًا في مارس/ آذار من العام الجاري، حول سياسات الحكومات المتوالية منذ سبعينيات القرن العشرين وحتى ثورة 25 يناير/ كانون الثاني 2011 جاء فيه أن 15.5 مليون مصري يعيشون في العشوائيات، في حين أن هناك 5.8 مليون وحدة سكنية شاغرة لم تُستخدم من قبل.
وأضاف التقرير أن 18% من الأسر المصرية تعيش في غرفة واحدة وتشترك أكثر من عائلة في دورة مياه واحدة، على الناحية الأخرى يوجد ربع مليون أسرة تملك ثلاث وحدات سكنية خاصة، ومليون عائلة تملك وحدتين، و8 ملايين تملك وحدة واحدة، وأكثر من ثلاثة ملايين أسرة مصرية لا تملك وحدة سكنية.
وفي تصريحات خاصة لمراسل الأناضول، قالت أماني أبو الفضل، عضو اللجنة التأسيسية للدستور الجديد، إن "الدستور كفل للمواطن الحق في السكن الملائم حتى لا يأتي بعد ذلك حاكم ويطغى على حق المواطن، وهذا شأن الدستور في كل نصوصه".
وأوضحت أن الدولة في الوقت ذاته لا تستطيع حل مشاكل كل المواطنين وخاصة في ظل الوضع الحالي بعد الثورة وتحديات الاقتصاد والصحة وغيرهما، مشيرة إلى أن الدولة إن لم تلتزم بتنفيذ الحقوق الدستورية يمكن مقاضاتها دستوريـًا.
وعن سكان المراكب الصغيرة، تساءلت أبو الفضل: "هل هؤلاء موجودون فعلاً في ظل وجود جمعيات خيرية ومنظمات مجتمع مدني وفاعلي خير؟"
ولفتت إلى أن المسؤولية في هذا الأمر تعود إلى الدولة والمجتمع والمواطن الذي يجب أن يحاول توصيل صوته، كما أن الإعلام - على حد قولها - له دور مهم في إبراز مشاكل هؤلاء الأشخاص.