تامر صمادي
عمان– الأناضول
بصوتٍ غالبه البكاء، صرخ الشاب محمد الدرعاوي، وهو سوري فرّ إلى مدينة الرمثا الأردنية المتاخمة للحدود مع سوريا قائلا "درعا تموت".
خوف وقلق كانا واضحَين على وجه الدرعاوي البالغ من العمر29 عامًا، وهو واحد من بين عشرات آلاف السوريين الذين فروا إلى الأردن؛ هربًا من القتل أو الاعتقال والتعذيب على يد النظام السوري كما يقول.
ويروي هذا الشاب فصولًا من رحلة اللجوء المحفوفة بالمخاطر، فالدخول مرغمًا في حقول الألغام المنتشرة على الحدود، ما هو إلا صورة من فصول الحكاية التي بدأ يتجرع مراراتها قبل بضعة شهور.
وبينما يحاول العودة بذاكرته إلى الوراء، يجثو الدرعاوي على ركبتيه، مشيرًا إلى طفله الصغير "لحظات مريرة عشناها حينما اختطفت عصابات الأسد ولدي قبل أن يفرج عنه لاحقًا، وعندما تعرضت زوجتي للقنص على الحدود.. أعز أصدقائي تطاير جسده إلى أشلاء وهو يحاول الهرب من موت محتّم عبر شريط الألغام!".
ويقول متحسرًا إن "الشبيحة التابعين للنظام السوري يحرقون الصيدليات ومحال المواد الغذائية. هناك في درعا مساعٍ لتجويع الناس وقتلهم بدم بارد".
بينما يحاول صالح الشرع (40 سنة) الاتصال بعائلته المحاصرة في منطقة درعا البلد، يستذكر اللحظات الأخيرة التي عاشها هناك طيلة عام ونيف.
ويقول لـ"وكالة الأناضول للأنباء" التي التقته على بوابة الحدود الفاصلة بين الأردن والجارة السورية: "شاركت في جميع التظاهرات التي كانت تخرج من المسجد العمري، حينها كان الأمن السوري يطلق النار على المواطنين العزل وفي كل الاتجاهات".
ويرفع الشرع كفيه إلى السماء أملًا في "تفريج الكرب عن أبناء شعبه"، بعد أن فرَّ وعائلته من منطقة درعا باتجاه القرى الأردنية القريبة من الحدود.
ويقول إن القناصة الموالين للنظام "يقتلون الأطفال والنساء في الشوارع، ويضربون خزانات الماء المركونة على أسطح المنازل، كما يحرقون أفران الخبز.. درعا وقراها يراد لها الموت بعد أن أطلقت شرارة الثورة".
ويؤكد منتصر الحمصي، الذي لجأ إلى الأردن هاربًا من حي الخالدية بحمص، أن 20 من أقربائه قتلوا برصاص القناصة في الشارع العام، بعد أن حاولوا كسر الحصار عن حيهم من خلال تقديم الخبز للسكان.
ويصرخ الشاب علي الحموي (30 سنة)، أحد الفارين إلى الحدود، بأن منازل النشطاء في حماة "تتعرض للقصف بقذائف الدبابات.. أسقف المنازل تهوي على رؤوس ساكنيها".
ويضيف: "في درعا تُحرق المنازل وتُنتهك الأعراض، أما حمص فقد تحولت إلى غزة جديدة. الفارّون إلى الأردن وتركيا يموتون على الطرقات".
ويروي هذا اللاجئ الناقم على نظام بلده ما أسماها قصص "الموت البطيء" التي يعيشها المحاصرون في حماة التي يتحدر منها. ويقول إن "أحياء كثيرة في المدينة التي قدمت فاتورة الدم مرتين، قطع عنها الماء والكهرباء وحتى الدواء".
وتقدم رحمة العمري، أم لثلاثة أطفال وإحدى الذين نجحوا بالفرار، شهادة بأن "اثنين من أقاربها قتلا برصاص الأمن السوري، عندما حاولا العبور إلى الأردن قادمين من درعا".
فيما يستذكر منتصر الزعبي (35 سنة) الأيام التي عاشها مع رفاقه في الحقول هربًا من مطاردات الأمن، ويؤكد: "الملاحقون يموتون من شدة البرد ونقص الطعام".
يقول الشاب طلال (27 سنة)، ذو السحنة السمراء واللحية الكثة، الذي فرّ من بلدة الكرك التابعة لدرعا: "تحولت بلدتي مع مرور الوقت إلى مكان غير آمن. لم نعد نجرؤ على إرسال الأطفال إلى المدارس، فالعديد منهم تعرضوا للقتل والاغتصاب على أيدي الأمن والشبيحة".
ولا يبدو الحصول على العلاج ومداواة الجرحى بالأمر المتاح. وتحكي قصص لاجئين سوريين المعاناة التي يكابدونها بحثًا عن العلاج من إصابات تعرضوا لها على أيدي قوات الجيش النظامي، حيث ينقل هؤلاء إلى الجانب الأردني من الحدود محمولين على الأكتاف، فينجو بعضهم ويتوفي آخرون ليدفنوا بمدينة الرمثا.
ووفقا لشهادة طلال: "في درعا أربعة مستشفيات، ثلاثة منها حكومية تم تحويلها إلى ثكنات عسكرية لملاحقة الجرحى ومصادرة جثث الشهداء".
ومنذ أن اندلعت الاحتجاجات السورية في 15 مارس/آذار من العام الماضي، ينظر المسؤولون السوريون إلى درعا باعتبارها مصدر قلق أمني كونها أطلقت الشرارة الأولى التي فجّرت الثورة ضد ما يقول المحتجون إنه ديكتاتورية أكثر من 40عامًا من الحكم المطلق لعائلة الأسد.
وفي المقابل، يقول نظام بشار الأسد إن المحتجين مدفوعون من جماعات "إرهابية" هدفها نشر الفوضى في البلاد.
ويؤكد الأردن أن حوالى 120 ألف سوري دخلوا المملكة منذ اندلاع الأحداث في سورية، ومعظم هؤلاء يقيمون مع أقاربهم في مدن شمال المملكة.