إسطنبول/ الأناضول/ خديجة الزغيمي
تستمر معاناة الشعب السوري، دون أن يبدو لها نهاية في الأفق القريب، وتمتد يد التدمير لتقتل البشر وتدمر الحجر، ولا ينجو منها حتى من نجا بحياته، إذ يبقى على وجه الأرض، ولكنه يكون في أحيان كثيرة كالميت، جراء ما مر به من ظروف قاسية، تركت أثارها المدمرة في نفسه، وفي ثقته بالمستقبل.
وفي حين تُبذل جهود للتعامل مع الاحتياجات المادية والجسدية للشعب السوري، سواء من بقي منه في الداخل، أو من لجأ إلى دول الجوار، تكاد الجهود الهادفة لتقديم الدعم النفسي تكون معدومة.
وقد لاحظ منظمو قافلة "حياة" لدعم الشعب السوري هذا النقص، فقرروا أن تضم القافلة فريقا لتقديم الدعم النفسي للنازحين داخل سوريا.
ويهدف برنامج الدعم النفسي في قافلة حياة، كما أخبرنا "عبد الرحمن عياش"، منسق العلاقات العامة للقافلة، لتقديم الدعم النفسي للسوريين، وللأطفال بشكل خاص، داخل وخارج سوريا. ويخطط منظمو القافلة لتطبيق برنامج للدعم النفسي في أحد أماكن تواجد اللاجئين لمدة 6 أشهر، ومن ثم في حال نجاح الفكرة، يتم تطبيق البرنامج في عدة أماكن داخل سوريا.
طبقت الخطوة الأولى من هذا البرنامج، في مخيم "قاح" للنازحين، الذي يقع في محافظة "إدلب"، بالقرب من الحدود التركية، وقام فيه فريق مكون من 6 أفراد بتقديم الدعم النفسي لقاطني المخيم، والذي يتكون معظمهم من النساء والأطفال، كما نجحوا في تدريب فريق من المتطوعات ليكمل المهمة بعد مغادرة فريق القافلة.
غرس الأمل
حكت لنا قائدة فريق الدعم النفسي لقافلة حياة، د. فيروز عمر، المستشارة النفسية والتربوية، ورئيسة جمعية قلب كبير للإرشاد النفسي والتربوي، عن هذه التجربة الأولى من نوعها. حيث عمل الفريق، في مخيم قاح لمدة 5 أيام، بالتعاون مع منظومة وطن. وتكون الفريق من3 أخصائيين نفسيين وتربويين، هما بالإضافة لدكتورة فيروز، "سها حامد"، و"إيمان نبيل"، و3 مساعدين.
كان للفريق ثلاثة أهداف رئيسية؛ أولها التفريغ النفسي عبر عدد من الأنشطة، حيث إن لم يقم الأشخاص الذين تعرضوا للصدمات بالتفريغ النفسي، يكونون أكثر عرضة لتبني مسارات سلبية كالاكتئاب والانسحاب والعنف، في حين يتيح لهم التفريغ النفسي التكيف بشكل صحي مع الصدمة. والهدف الثاني كان عدم التوقف عند حدود التفريغ النفسي، والعمل على تغيير منظومة إدراك المنكوبين للأزمة، لأن رد فعل من يتعرضون للكوارث يختلف حسب إدراكهم لتلك الكوارث، فركز الفريق مثلا على إقناع أهالي المخيم، أن الكارثة التي تعرضوا لها قد تكون أضاعت الماضي، لكنها لم تُضع المستقبل. أما الهدف الثالث فكان تكوين فريق من المتطوعين يقوم بإكمال مهمة الدعم النفسي بعد مغادرة فريق القافلة.
وعمل الفريق على تحقيق هذه الأهداف عبر عدة أنشطة، وعبر جدول يومي مكثف لاستثمار الفترة القصيرة التي قضوها في المخيم. كان البرنامج يبدأ، كما شرحته لنا د. فيروز، صباحا مع الأطفال في مدرسة جيل الحرية التي تديرها منظومة وطن. حيث تعامل الفريق مع حوالي 700 طفل ومراهق، وأجرى معهم شكل من أشكال التفريغ النفسي عن طريق الرسم والتفاعل والحوار، بالإضافة إلى غرس بعض القيم والمعاني والأفكار والمهارات، مثل مهارة التفكير التفاؤلي، والإبداع في حل المشكلات التي تواجههم في المخيم، والاستمتاع بحياتهم بالإمكانيات البسيطة المتاحة، والتعاون.
وفي فترة العصر كان فريق الدعم النفسي يمر على الخيام لتقديم الاستشارات النفسية الفردية، وإجراء جلسات الدعم النفسي الجمعي، التي كانت تحدث بشكل تلقائي، حيث كانت نساء المخيم يدعون عضوات الفريق إلى خيمهن لشرب الشاي والتعارف، ومن ثم يتم توجيه الحوار نحو التفريغ النفسي وتغيير منظومة الأفكار.
والفترة المسائية كانت مخصصة لتدريب فريق المتطوعات، الذين تم اختيارهن بالتعاون مع منظومة وطن، على كيفية غرس القيم، وكيفية الاستماع، وكيفية نشر التفكير الإيجابي، وكيفية حل مشكلات المخيم التربوية بالإمكانيات القليلة المتوفرة، وكيف يصبحون أصحاب مبادرات وأفكار تجعل الحياة في المخيم أفضل.
خطوات نحو التغيير
وعرضت د. فيروز بعض النماذج التي تعامل معها فريق الدعم النفسي، منها سيدة فقدت جميع أهلها الذين يبلغ عددهم 22 شخصا، ولم تنجو معها سوى ابنتها فقط، وكان على الفريق أن يقنعها أن من نجا معها هو المستقبل متمثلا في ابنتها، وأن عليها أن تهتم بها وبتربيتها، وعندما تكبر وتتزوج ستصبح لها أسرة جديدة.
كما ركز فريق الدعم النفسي على إقناع سكان المخيم أن بإمكانهم التأقلم مع الحياة في المخيم رغم صعوبتها، وأنهم قادرون على تطويرها، وأن الأمر يحتاج إلى مبادرة سكان المخيم، وليس انتظار الحل من الخارج. وهذا يصب في تغيير إدراك الناس لكي يبدأوا في التفكير بأن تجاوزهم للأزمة مرتبط بما يمكنهم هم القيام به، أكثر من ارتباطه بحلول منتظرة من الخارج. بالإضافة لذلك، بدأت النساء في اكتشاف المهارات التي تعلمنها خلال الأزمة، والقوة التي اكتشفن أنهن يتمتعن بها.
وقد بدأت عضوات الفريق الجديد، المكون من المتطوعات من أهالي المخيم، في طرح مبادراتهن الخاصة. فإحدى المتطوعات اقترحت على سبيل المثال إنشاء مركز ثقافي. وأخرى اقترحت تنظيم دورات في التمريض ورعاية الأطفال، وثالثة اقترحت إنشاء صالون تجتمع فيه السيدات ساعة يوميا للاستماع لدرس ديني أو محاضرة مفيدة أو المناقشة في أمور حياتهن.
وتنبع هذه الاقتراحات، كما تقول د. فيروز، من كون المخيم مكانا معزولا تماما عن الحياة، بلا كهرباء ولا ماء ولا دراسة جامعية، ولا عمل، وبالتالي يتواجد لدى سكانه وقت فراغ طويل، يضيع في الحسرة والإحباط، ومن هنا فكر الفريق المتطوع في استثمار وقت الفراغ هذا من خلال مثل هذه المبادرات.
وتروي د. فيروز لنا المشهد الختامي الذي انتهى به آخر أيام مهمة فريق الدعم النفسي لقافلة حياة، حيث أجرت المتطوعات العشرين، بحضور فريق القافلة انتخابات فيما بينهن، في إحدى الخيام، على ضوء الشمعة الذي لا يتواجد غيره في ظلام ليل المخيم، واختاروا رئيسة للفريق، ومجلس إدارة من خمسة من المتطوعات.
ومن أجل أن يتمكن فريق المتطوعات الذي أصبح بمثابة وحدة الدعم النفسي للمخيم من آداء مهمته في مساعدة أهالي المخيم، وفرت قافلة حياة له بعض احتياجاته، مثل الكتب اللازمة لإنشاء مكتبة، وشاحن بالطاقة الشمسية لتشغيل الأجهزة التي تحتاج إلى كهرباء
دعوة لاستمرار التجربة
وأشارت د. فيروز إلى شيوع التصور بأن الجهود الإغاثية العينية هي الأكثر أهمية، في حين أنه في حالة عدم وجود دعم نفسي وتربوي، فإن جهود الإغاثة العينية تذهب هدرا، حيث تقوم بإطعام شخص ميت. بينما عندما يتم نقل الشخص من طريقة التفكير السلبي إلى طريقة التفكير الإيجابي، ومن الاعتمادية إلى الذاتية، يصبح الشخص جزءا من الحل بدلا من أن يكون جزءا من المشكلة.
وعبرت د. فيروز عن أسفها لعدم مأسسة جهود الدعم النفسي في الكوارث، التي لا تزال جهودا فردية، وأشارت إلى أن بعض المؤسسات تدعم جهود الدعم النفسي بشكل مؤقت، ولكن لا يوجد عمل مؤسسي منتظم.
ودعت د. فيروز إلى أن تتولى جهة ما تبني فكرة الدعم النفسي المنتظم لمناطق الكوارث في العالم العربي، وتستفيد من أصحاب التجارب في هذا المجال. وعبرت عن أملها في أن تصبح قافلة حياة إحدى هذه الجهات، خاصة بعد أن تعهد منظموها بالمحافظة على استمرار التجربة.
news_share_descriptionsubscription_contact
