نور أبو عيشة
غزة-الأناضول
على عتبة المستقبل، تلقى الشابة "وفاء" نظرة يائسة على الحياة، في غرفة ضيقة تضمها وإخوتها الخمسة، ذكورًا وإناثًا، بلا فواصل أو حدود.
وفاء–وهو اسم مستعار- عمرها (22 عامًا)، تسكن في منطقة جباليا شمال قطاع غزة، ولا تزال في السنةِ الثانية من الدراسة الجامعية، وتحصيلها العلمي "متواضع".
لم تكن قدراتها العقلية يومًا سببًا في تأخرها الدراسي، لكنه اضطرارها للسكن في غرفة واحدة مع خمسة من إخوتها الإناث والذكور، بعد أن هدم الجيش الإسرائيلي منزل شقيقها خلال حرب غزة (ديسمبر/كانون الأول 2008-يناير/كانون الثاني 2009)، وقدومه للسكن-مع أسرته-في بيت والده.
تقول وفاء لــ"وكالة الأناضول للأنباء" :" تصوروا كيف يكون أصوات ستة أفراد في غرفة واحدة؟ هل يبقي مجال للتفكير أو التركيز؟".
أما أحمد عبد الرحمن (23 عامًا)، والذي يقطن في حي العطاطرة شمال قطاع غزة، فقد سئم تكدّسه وإخوته الشباب الثلاثة في غرفة واحدة.
وقال أحمد: "أربع سنوات على هذه الحال، والحال يتطور دومًا للأسوأ، حتى عمل براتب جيد لم أجد".
وأوضح أحمد أنه يفكر بالهجرة إلى ليبيا للعمل كما فعل صديقه، فهو يسمع بأن الراتب هناك جيد، وأن تربة ليبيا خصبة لبناء المستقبل.
في وقت سابق، أثبتت دراسة أعدها مؤخرا مركز هيئة خدمات الأصدقاء الأمريكية "كويكرز" بالتعاون مع مركز دراسات التنمية في جامعة بيرزيت بالضفة الغربية، أن أزمة السكن في قطاع غزة مشكلة كبيرة؛ وذلك باعتبار أن الكثافة السكانية في القطاع تعتبر الأعلى في العالم.
وكانت الدراسة تهتم بالشكل الأساسي بتأثير ازدحام السكن في المنازل المتضررة جراء الحرب الإسرائيلية الأخيرة على قطاع غزة (2008-2009)، على أوضاع حياة الشباب في الأحياء السكنية.
وأظهرت هذه الدراسة أن ازدحام السكن وتقلص المساحات المخصصة للدراسة وعمل الواجبات المدرسية أدى إلى انخفاض وتراجع في مستوى التحصيل التعليمي للشباب؛ مما أدى إلى ارتفاع معدلات انقطاع الشباب عن الدراسة.
وأوضحت أن حجم الإشغال للغرفة في منطقتي البحث وصل في المتوسط إلى 6.34 فرد لكل غرفة.
وأشارت الدراسة إلى أن 12% من الأسر التي أقيمت عليها الدراسة فيها شباب لا يزالون يقيمون مع أهلهم في بيوت مشتركة، وأن 33% من الأسر لا يشعرون بالأمن على الأفراد والممتلكات في الفترة الحالية.
وأكدت الدراسة أن 39% من المشاركين في الدراسة فكروا بالبحث عن أماكن أخرى للعيش فيها، بما فيها الهجرة إلى الخارج.
ولفتت إلى أن 59% من مجتمع الدراسة لا يوجد لديهم غرف خاصة بالإناث، وأن 17% لا يوجد لديهم غرف خاصة بالوالدين، وأن 55% لا يوجد لديهم غرف خاصة بالذكور، وأن 83% لا يوجد لديهم غرف خاصة بالأطفال.
وقالت المدير العام لهيئة خدمات الأصدقاء الأمريكية "كويكرز" آمال السبعاوي لـ"الأناضول": "إن هذا البحث تابع لمشروع بعنوان (الشباب يبني بيئة آمنة)، يهدف لإيجاد حلول عملية ايجابية للآثار التي تركتها الحرب الإسرائيلية الأخيرة على أوضاع الشباب في القطاع".
وعن الحلول التي قدمها المشروع حتى الآن في غزة قالت إنه قدم مساعدات مادية لــ 18أسرة لتحسين أسقف المنازل وزيادة عدد الغرف المنزلية، بالإضافة إلى إضافة مرافق صحية أو إعادة تصميم وتأهيل المنزل.
وأكدت السبعاوي أن تخفيف معاناة الأسر الفلسطينية في القطاع، وتحسين أوضاعهم الاجتماعية والسكنية هو أسمى أهداف هذا المشروع.
وأثنت السبعاوي على مشاركة المؤسسات المجتمعية في هذا المشروع كمؤسسة الإغاثة الإسلامية ووبيرزيت.
من جانب آخر، يقول المختص في علم الاجتماع، درداح الشاعر، لـ"الأناضول": إن ازدحام السكن تسبب حالة من الضيق والتأزم النفسي، بحيث أثبتت دراسات أن معظم المشاكل الأسرية تنتج عن الاحتكاك المباشر بين أفراد الأسرة وبسبب ضيق مساحة المنزل".
كما أشار الشاعر إلى أن ازدحام السكن يضعف قدرة الفرد على الحفظ، ويشتت الانتباه، ويسبب التوتر النفسي.
وعلى صعيد الجهود الحكومية، قال الوكيل المساعد لوزارة الأشغال والإسكان في غزة، ناجي سرحان، إن الحكومة قامت بترميم 90% من المباني المهدمة جزئيًا، والتي وصل مجموعها إلى 50 ألف مبنى.
وذكر لوكالة "الأناضول" أن الحكومة في قطاع غزة نفذت –ولا تزال- حوالي 9مشاريع إسكان جديدة، تضم 26 ألف وحدة سكنية.
وعن تمويل هذه المشاريع قال إنه تتم بتمويل ذاتي وخارجي، وأن جزءًا مهمًا من الدعم يأتي من تركيا، مشيرًا إلى أن الهلال الأحمر التركي وعد الجانب الفلسطيني بتمويل مشروع إسكاني بعنوان "الفاتح".
وأضاف:"هناك وعود من مؤسسة "تيكا" التركية الحكومية، ومؤسسة الإغاثة الإنسانية التركية (IHH)، وكذلك يأتي تمويل جزء من المشاريع من مؤسسات ودول صديقة".
نأ/إب/حم