غزة/مصطفى حبوش/الأناضول
في قطاع غزة حيث طال الحصار ما استطاع من الحجر والبشر، لجأ بعض السكان إلى البحث عن لقمة العيش بين ثنايا الحديد، متحملاً دماء هذا الصلب على عوز الحياة القاهر.
تحت أشعة الشمس الحارقة، يتصبب الشاب محمد البطش (24 عاماً) عرقاً، وتُجرح يداه فتنزفان دماً، وهو يحاول تعديل أطنان من قضبان الحديد التي يتم انتزاعها من ركام منازل دمرتها الحرب الإسرائيلية الأخيرة على القطاع، صيف العام الماضي.
ويصل البطش إلى ذروة احتماله لاحتراق كفيه بحرارة الحديد الملتهبة جراء أشعة شمس الظهيرة، وتمزق جلده بفعل النتوءات الحادة لذلك المعدن الصدئ، الذي يعمل على تعديل انثناءته بآلة يدوية بسيطة، قبل أن يجبره الألم على ترك العمل والإسراع ليضمد جراحه بقماشة تلوثت بمزيج من الدماء الجافة والتراب.
ولا تتوقف استراحة الشاب كثيراً، فبمجرد أن يتوقف نزيف كفيه دون أن يغيب ألمهما، يجففهما ويعود لعمله، حيث تنتظره كومة عملاقة من المعدن، تضم آلاف قضبان الحديد الذي عليه تعديلها برفقة زميل له يشترك معه في ذات الوجع.
ويعمل المئات من العمال في قطاع غزة، منذ انتهاء الحرب الإسرائيلية الأخيرة في 26 أغسطس/آب 2014 (استمرت 51 يوماً)، في استخراج حديد البناء من آلاف المنازل المدمرة، وإعادة تعديله، ليتم استخدامه مجدداً في أعمال مرتبطة بالبناء.
وقبل شروق الشمس، يبدأ البطش رحلة "الأشغال الشاقة"، كما يصفها، في منطقة تقع على الأطراف الشرقية لحي التفاح، شرقي مدينة غزة، يتوزع فيها ركام سبعة منازل مدمرة، وحولها تجثم كرات عملاقة غير منتظمة من قضبان الحديد.
وما إن يهيئ آلة تعديل انثناءات الحديد اليدوية، حتى يبدأ بانتزاع أحد القضبان المتشابكة من كومة قريبة، بصعوبة بالغة، ويضعه داخل مجرى مخصص في تلك الآلة ليسحبه زميله من الطرف الآخر، بينما هو يحرك ذراع ماكينته ليضغط على إحدى مناطق اعوجاج قضيب الحديد، ويعدلها لينتقل إلى انثناء آخر، وهكذا إلى أن يتم تعديل كامل القضيب.
ولا يمكن لجسد البطش أن ينجو من الكدمات والتمزق والجروح، بفعل نتوءات الحديد الحادة، فبعد دقائق من بداية يوم عمله تبدأ خيوط من الدماء الحارة تمتزج بالصدأ الذي يصبغ كفيه، فيمسحها بملابسه أو قطعة قماش ممزقة يضعها في جيبه.
وبعد ساعات من العمل المتواصل ومع حلول ساعات الظهر، تتحول أكوام الحديد إلى كرات ملتهبة بفعل حرارة شمس الصيف الحارقة، فيصبح إمساك العامل بتلك القضبان التي تكاد تنصهر، نوعاً من أقسى صنوف العذاب، كما يقول البطش، فهو مجبر على حرق كفيه، وأجزاء من ذراعيه ببشاعة، وزيادة جروحه وتشويهها، دون أن يبدي أي نوع من "التذمر".
ولا تشكل تلك الحروق، والجروح، والكدمات، والدماء، سبباً مهماً يدفعه للتوقف عن عمله، فيكتفي بإطلاق صراخت ألم خافتة.
وإن لم تستطع جروح وحروق البطش إيقافه عن العمل، فإن "ضربة" شمس أصابته قبل شهر، كادت أن تودي بحياته، حيث أجبرته على أن يلازم فراشه لنحو أسبوعين، ولكنها لم تدفعه لترك هذه المهنة القاسية، فهي مصدر رزقه الوحيد، على حد قوله.
وما ان تغرب الشمس حتى يكون هذا الشاب قد انتهى من تعديل نحو نصف طن من الحديد، برفقة زميله، لتنتهي رحلة عمله هنا، ويعود إلى منزله، وقد أُنهك جسده، وأُشبع جروحاً، فيخلد إلى النوم، ويستيقظ قبل شروق شمس اليوم التالي ليبدأ عجلة العمل من جديد.
ويحصل البطش على أجر يومي يتراوح ما بين (40 إلى 50 شيقل) (الدولار يعادل 3.9 شيقل)، لا يكاد يكفي لتوفير أدنى احتياجات أسرته المكونة من زوجته وطفليه.
وفي ورشة قريبة، فريق آخر يستخرج قضباناً حديدية من ركام المنازل المدمرة، باستخدام أدوات بسيطة، تقتصر على مطرقة ضخمة، ومقص يدوي.
وبينما كان يستغرق العامل محمد السكني (27 عاما) في تحطيم أحد الأعمدة الخرسانية، ليستخرج قضبان الحديد منه، كادت كومة من حجارة المنزل المدمر أن تدفنه تحتها قبل أن ينتبه لانهيارها في اللحظات الأخيرة ويبتعد مسرعاً.
وكما البطش، فإن مثل هذا الحادث الذي كاد أن يودي بحياته، لن يدفعه للاستغناء عن مصدر رزقه الوحيد، فبعد سقوط كومة الحجارة التي أثارت موجة غبار كثيفة، عاد لتحطيم ذات العامود بمطرقته حتى تمكن بعد نحو نصف ساعة من استخراج قضبان الحديد منه.
وما إن انتهى من نقل تلك القضبان لكومة حديد قريبة من موقع عمله، حتى انتقل لتحطيم كتلة خرسانية ضخمة أخرى، رغم احتباس الدماء في كفيه وتحولهما إلى اللون الأزرق القاتم بفعل الاستخدام المتواصل والسريع للمطرقة.
ويبدأ السكني ورفاقه، يومهم أيضاً، قبل شروق الشمس، ولا يعودون إلا بعد إتمام 12 ساعة من العمل المتواصل، يحصلون في نهايتها على أجر يبلغ (40 شيقلاً).
ولا يفصل ساعات عملهم تلك، إلا استراحة لتناول الطعام، تستمر لنحو ساعة، يجلسون خلالها على أكوام الحجارة، ويتبادلون أطراف الحديث، فهذا يخبرهم عن حلمه ببناء منزل وزواج يصعب تحقيقه، وذلك يروي حكايته مع والدته المريضة، وحاجيات بيته التي لا تنتهي، وآخر يحكي مواقف جميلة لأطفاله الأشقياء ويتمنى أن يصطحبهم في نزهة لكنه يتوقف مستذكراً الفقر الذي يعيشه.
وفي مايو آيار/الماضي، قال البنك الدولي، إن اقتصاد قطاع غزة كان ضمن أسوأ الحالات العالمية، إذ سجل أعلى معدل بطالة في العالم بنسبة 43% ترتفع لما يقرب من 70% بين الفئة العمرية من 20 إلى 24 عاماً.
news_share_descriptionsubscription_contact
