شمال عقراوي
العراق ـ الأناضول
بعدما أدركت "سنور جبار" 17 سنة، والمتزوجة منذ 3 أشهر، أن لا أمل في شفائها من حروق طالت 96 بالمائة من جسدها، قررت الاعتراف للمحققين في منطقة "كرميان" القريبة من مدينة كركوك بشمال العراق، بحقيقة إصابتها.
إصابة "سنور" لم تكن حادثًا غير مقصود كما ادعت أول الأمر، وانما هي نفسها من سكبت "الكيروسين" على جسدها وأحرقته للخلاص من حياتها في كنف زوج لم يتردد في تقييد يديها ورجليها ووضعها حبيسة في غرفة لوحدها ليومين كاملين دون طعام وماء قبل أن تقدم على الانتحار مباشرة.
"كنير حاجي" 24 سنة، أم لطفلين كانت تسكن ببلدة "كويسنجق" شرق مدينة أربيل شمال العراق، سكبت هي الأخرى "الكيروسين" على جسدها وأشعلت فيه النار هروبًا من مشاكل الزواج بعدما أحكمت غلق باب الغرفة لتفارق الحياة قبل أن يتمكن أحد من كسر الباب والدخول للغرفة.
وفي حادثة مماثلة، أقدمت امرأة ثالثة في الرابعة والعشرين من العمر على الانتحار غرب مدينة "دهوك" شمال العراق بعدما أشعلت النار في جسدها بسبب مشاكل الزواج.
حالات الانتحار المشار لها إلى جانب حالات عديدة أخرى من الانتحار بين النساء وقعت خلال شهر فبراير/ شباط 2013، وتفيد الإحصائيات بأن "مئات من حالات الانتحار تقع سنويًا بين نساء العراق، فضلاً عن المئات من الانتهاكات الأخرى التي تسجل بحقهنّ.
وتقول الناشطة ورئيسة منظمة "وارفين" المهتمة بحقوق المرأة في العراق، "لنجه عبد الله"، في حديث مع مراسل الأناضول، "إن المؤلم في الموضوع هو تجاهل المحققين، وأن القوانين السارية لا تذهب طويلاً في تعقبٍ جادٍ لأسباب الانتحار".
ففي محافظات أربيل، والسليمانية، ودهوك بإقليم كردستان العراق، حيث يعيش قرابة أربعة ملايين ونصف من السكان، سجلت وزارة الداخلية 5000 شكوى من قبل نساء أفدنّ بتعرضهنّ للعنف خلال عام 2012، كما تم رصد مقتل 89 امرأة في قضايا الشرف في العام نفسه.
ووفق إحصائية صادرة من مديرية شرطة محافظة كركوك شمال العراق فإن (535) امرأة قتلن خلال عام (2012) لأسباب مختلفة.
الصمت الحكومي العراقي إزاء الانتهاكات التي تمارس بحق النساء، دفع بإحدى المنظمات غير الحكومية المحلية الى إجراء استطلاع للرأي شمل 15 مدينة عراقية للبحث عن حقيقة نسب العنف الذي تتعرض له النساء.
وفي استطلاع أجرته منظمة "وارفين"، ومقرها مدينة أربيل، بالتعاون مع المنظمة الأمريكية للتنمية USAID وفي إطار برنامج العدالة في متناول الجميع، فقد كشف أن العنف الموجه ضد النساء في العراق يتراوح معدله بين 60 - 70 بالمائة.
وفي هذا السياق، تقول رئيسة منظمة وارفين لنجه عبد الله إن "عدم الاهتمام الحكومي في العراق بقضية الانتهاكات ضد النساء، شكل دافعًا لنا للبحث عن سبيل لكشف حجم الانتهاكات التي تتمثل في العنف النفسي والجسدي والاقتصادي والاجتماعي والجنسي".
وعلى الرغم من أن نتائج الاستطلاع الذي أجرته منظمتها إلا أنها تؤكد أن "معدلات العنف ضد المرأة في العراق أكبر من نتائج الاستطلاع لأن الكثير من النساء لا يردن البوح بحقيقة ما يتعرضن له"
ولفتت عبد الله إلى أن "معدلات العنف ضد النساء في العراق آخذة في الارتفاع منذ سنوات بسبب الحروب المتواصلة التي يشهدها، وحالة عدم الاهتمام الجاد للسلطات بوضع معالجات حقيقية للظاهرة التي باتت متجذرة في المجتمع".
وأضافت مديرة منظمة وارفين قائلة "إنه وبالرغم من أن العراق بلد متعدد القوميات والمذاهب والأديان، إلا أن اضطهاد المرأة وتعنيفها هو واحد وكأنه لغة مشتركة بين الجميع".
بدورها، قالت شهرزاد عباس، المسؤولة في منظمة "تمكين المرأة" بالعراق: "إن الحراك النسوي في العراق يعود تاريخه إلى نحو 60 عامًا، وهو وقت رأت أنه كان مناسبًا لأن يحقق وضعًا جيدًا على صعيد تحقيق المرأة لكافة حقوقها" لكنها أكدت أن"وضع المرأة العراقية الآن سيئ للغاية".
وقالت في حديث لمراسل الأناضول: "إن العنف يجري تحت أنظار المنظمات المحلية والدولية التي لا تستطيع عمل الكثير كونها تخضع لضغوط السلطات".
وأعربت عباس عن رأيها أن "اضطهاد المرأة سيخلف عوامل سلبية على مجمل أفراد أسرتها إلى جانب التأثير الشخصي عليها، معربة في الوقت ذاته عن أسفها إزاء ما تتعرض له المرأة العراقية من انتهاكات وتعديات على حقوقها أكثر من الرجل".
ورداً على سؤال حول ما إذا كانت هناك خصوصية للعنف ضد المرأة في العراق مقارنة مع بلدان المنطقة، قالت المسؤولة في منظمة تمكين المرأة، إن "سيطرة الأحزاب الدينية وزيادة نفوذها في العراق ودول المنطقة بعد ما يسمى بالربيع العربي زاد من معدلات العنف ضد المرأة".
وأضافت "الأحزاب المسيطرة على الحكم في العراق هي أحزاب دينية متطرفة حتى لو لم تعلن ذلك، والدليل على ذلك ليس لدينا في العراق سوى وزيرة واحدة لا تقف إلى جانب المرأة وحقوقها، فهي تطالب بالحد من حقوق المرأة والسماح بزواج الرجل بأكثر من واحدة".
وفي إقليم كردستان بشمال العراق، تقول وزارة الداخلية "إنها افتتحت 16 مركزًا للشرطة في العام 2012 خاص باستقبال شكاوي النساء المعنفات وذلك في إطار برنامج مدعوم من الأمم المتحدة لمواجهة العنف ضد المرأة في الإقليم، والذي سيمتد تطبيقه لمدة أربعة أعوام.
وفي هذا الصدد، تقول كورده عمر، مدير عام مديرية التصدي للعنف ضد المرأة في وزارة الداخلية "إن مديريتها فعلت الكثير خلال 2012 على صعيد الحد من العنف ضد النساء، وذلك من خلال تنظيم المئات من ورش العمل، واستحداث خطوط هاتفية ساخنة لتلقي بلاغات الانتهاكات".
إلا أن منظمة الدعم القانوني للنساء، وهي منظمة غير حكومية مقرها شمال العراق، تقول، في تقرير دوري لها أعدته بالتعاون مع منظمة الصندوق الوطني للديمقراطية NED الأمريكية، "إن البرلمان في إقليم "كردستان" كان قد أصدر قانونًا باسم قانون مناهضة العنف الأسري برقم 8 في عام 2011، وسمى 13 نوعًا من التصرفات إزاء النساء عنفًا، وأناط تنفيذ القانون بمجلس القضاء ووزارات الداخلية والشؤون الاجتماعية والصحة في الإقليم، إلا أنه وبعد مرور عام ونصف العام على صدور القانون لم تقم الحكومة بتنفيذه كما ينبغي وتبدي إهمالا في تنفيذه".
وتنص الفقرة الأولى من المادة الثالثة من قانون مناهضة العنف الأسري على تأسيس محكمة مختصة للنظر في قضايا العنف ضد النساء، الأمر الذي لم تفعله الحكومة وقامت فقط بتسمية أربعة من القضاة للنظر في تلك القضايا في مدن الإقليم.
وفي هذا الشأن، تؤكد مديرة منظمة "وارفين" لنجة عبد الله أن الحكومة في الإقليم لم تفعل بالقانون، وتقول إن "تطبيقه بحاجة إلى استحداث محكمة خاصة وكادر لإدارة المحكمة".
وأعربت عن اعتقادها أن "الإرادة السياسية غير متوفرة لتطبيق القانون، وأن البرلمان أصدر ذلك القانون فقط لإرضاء المنظمات المحلية والدولية المعنية بحقوق الإنسان وبشكل خاص حقوق المرأة، دون أن تقتنع به".
news_share_descriptionsubscription_contact
