Leila Thabti
07 مارس 2016•تحديث: 07 مارس 2016
تونس – نادية الشاهد – الاناضول
تبنّي تنظيم "داعش" الإرهابي للجهاد واقحامه في خطاباته يشوه كثيرا حقيقة هذا المفهوم وينزع عنه ظهيره الشعبي الذي كان حاضرا بقوة عندما كان الأمر يتعلق بالجهاد ضد المحتل مثلما كان الحال في الجزائر ضد المحتل الفرنسي وفي فلسطين ضد الاحتلال الإسرائيلي.. تلك هي خلاصة محاضرة ألقاها في تونس جيل كيبيل، المفكر الفرنسي المخضرم المعني بالقضايا الإسلامية والشرق أوسطية.
وبحسب رؤية المفكر الغربي الشهير، فإن داعش، في خضمّ مساعيها للبحث عن التعبئة أو الحشد الجماهيري المفقود، لتحقيق أهداف مرسومة غالبا ما لا تعكس تطلّعات وانتظارات الشعوب، فإنّها تمثل حاليا "الجيل الثالث" من الجهادية المعاصرة الذي يلجأ إلى جميع الوسائل المتاحة له - سواء كانت تقنية أو تنظيمية أو حتى نفسية، وبصرف النظر عما اذا كانت تتفق مع صحيح الاسلام ام لا - بهدف توسيع دائرة أتباعه.
واستعرض كيبيل، الكاتب الفرنسي صاحب العديد من المؤلّفات حول ظهور "الجهادية"، في محاضرة ألقاها في قرطاج، إحدى الضواحي الشمالية للعاصمة التونسية، بدعوة من مركز بحثي، جملة التحوّلات الجذرية الطارئة على هذا المفهوم، مستعرضا نشأته وتطوره.
وبالنسبة للخبير، فإنّ الحركة "الجهادية" الراهنة، في نسختها المشوّهة والتي يتبنّاها تنظيم "داعش" الإرهابي، تعتبر ثمرة لتطوّر فكر إيديولوجي، لافتا إلى وجود 3 أجيال لـ "الجهادية" المعاصرة، وذلك منذ القرن الـ 20، يتبنّى كلّ جيل خطابا وأهدافا ومقاربة خاصة به.
الجيل الثالث رأى النور في 2005، أي عقب تفكّك تنظيم "القاعدة" في أفغانستان وفشله في حشد الجماهير. كيبيل أوضح في هذا الصدد أنّ هذا الجيل يسعى اليوم إلى إعادة ترتيب أولوياته من خلال تحديد أعدائه وأسلوب عمله، والنجاح في نفس النقطة أو المرحلة التي فشلت فيها "القاعدة"، ألا وهي "التعبئة".
أهداف، يضيف الخبير الفرنسي، إنّ المجنّدين العاملين لحساب "داعش" يعملون على تحقيقها اعتمادا على أساليب دعائية مدوية، تستند بدورها إلى تقنيات التواصل الحديثة.
وخلافا للنموذج التنظيمي من الأعلى إلى الأسفل المعتمد من قبل جهاديي الجيل الثاني (ممثّلين في تنظيم "القاعدة")، فإنّ الجيل الثالث ينتظم ضمن شبكات تمنح الأفضلية للموارد البشرية، ما يعني أنّ الإدارة تتم بطريقة أفقية، بحسب كيبيل، والذي لفت إلى أنّ "هذه الجهادية الجديدة لا تخضع لتسلسل هرمي صارم، وأنّ أتباعها كانوا أكثر من مجرّد منفّذين لقرارات صادرة من الأعلى، وإنما تتبنى رؤية أكثر شمولية".
مقاربة جديدة لحركة كانت، في الجيل الأول منها، موجّهة للدفاع عن القضايا المشروعة للعالم العربي والإسلامي، وهذا المنحى مكّنها من الحصول على التعبئة الجماهيرية والدعم الشعبي اللازمين، وهو ما تجسّد غداة الحرب العالمية الثانية، حين "استخدمت اثنتان من الحركات العسكرية والسياسية المرجعية الجهادية بشكل مغاير تماما"، وفقا لكيبيل.
المحلل الفرنسي أوضح مفصلا في هذا السياق أن حرب الجزائر ضدّ الإستعمار الفرنسي، والتي كانت حربا "مناهضة للاستعمار وللإمبريالية" كانت تستخدم مفردات الجهاد بالأساس، حتى أن صحيفة "الحركة الوطنية لجبهة التحرير الوطني" استعملت مصطلح "المجاهدين" في إشارة إلى الثائرين على الإحتلال.
القطب الثاني يشكّله الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، والذي يعتبر صراعا ضدّ "الإمبريالية والصهيونية"، مدعوما من طرف معظم البلدان والجماهير العربية، والذي تضمّن، حتى قبل ظهور حركة حماس، "منحى جهاديا" واضحا ، لقي دعما وتأييدا كبيرا من قبل العرب والمسلمين لعدالة قضيته ونبل اهدافها المتمثلة في التحرر.
وحتى سبعينيات القرن الماضي، لم يكن لمفهوم "الجهاد" أي معنى في إطار النظام الدولي كان منشغلا حينذاك باثنين من الأحداث الكبرى، وهما إعلان قيام جمهورية إيران الإسلامية في فبراير/ شباط 1979، من قبل آية الله الخميني، والغزو الروسي لأفغانستان في الـ 24 من ديسمبر/ كانون الأول من العام نفسه.
حدثان قال كيبيل إنهما كانا من "الإشكالات العظمى التي واجهتها الولايات المتحدة الأمريكية وحلفاءها"، وهذا ما دفعهما، بالتعاون مع بعض البلدان العربية، إلى "إحياء مفهوم الجهاد، لكن هذه المرة كعامل محدّد وذي أهمية محورية في العلاقات الدولية لاول مرة".
وكان إعلان الجهاد في أفغانستان بالنسبة للولايات المتحدة وسيلة لـ "تسديد الضربة القاضية إلى الاتحاد السوفيتي، فكان أن وقّع الجهاد في أفغانستان نهاية الحرب الباردة، على الرغم من أنه لم يكن العامل الوحيد المطروح، وإنما كان ضمن لائحة من العوامل الأخرى".
وعقب رحيل الجيش الأحمر من أفغانستان، عاد المقاتلون "الجهاديون"، إلى بلدانهم الأصلية، حاملين معهم فكرا لم يتمكّنوا من التخلّص منه بمجرّد عبور الحدود عائدين نحو أوطانهم محمّلين بقدرات تنظيمية ولوجستية ومهارات عسكرية.
ووفقا للمختص الفرنسي، فإنّ الجرعة المبالغ فيها من العنف الذي أظهره جهاديو ذلك الجيل من العائدين، تسبب في رفضهم من قبل شعوبهم، وبالتالي فشلهم في حشد الجماهير والحصول على تأييدها.
فشل دفع بـ "الجهاديين" المتواجدين في أفغانستان، وخصوصا كلا من أسامة بن لادن وأيمن الظواهري، إلى تناول أسبابه وانتهى بنشر الأخير، بين عامي 1998 و1999، لوثيقة مرجعية، على شبكة الأنترنيت، وضعت كخارطة طريق بالنسبة للجيل الثاني من الجهاديين، وركّزت على تغيير الأهداف من خلال استبدال العدو القريب بالبعيد، في إشارة إلى الولايات المتحدة الأمريكية.
وكان هذا الخيار يرمي إلى تعبئة أكبر عدد من الأنصار، غير أنه سرعان ما أثبت فشله، رغم الدويّ الإعلامي الهائل الذي رافق أحداث 11 سبتمبر/ أيلول 2001 والتي استهدفت الولايات المتحدة الأمريكية. فقد كانت هالة إعلامية ضخمة سرعان ما ذوت دون أن تخلّف الحشد الجماهيري المرجو، وفقا للخبير.
وبدات إثر ذلك الفشل الشعبي مرحلة ثالثة من الجهاد في معناه السياسي المعاصر أشار كيبيل إلى أنها بدأت منذ كانون الأول 2004، مع إطلاق أبو مصعب السوري، عبر الإنترنت، لدعوته إلى ما أسماه بـ"المقاومة الإسلامية العالمية"، أي نموذج الطور الجهادي الثالث المتواجد حاليا والذي تمثله داعش.