إسطنبول / محمد شيخ يوسف / الأناضول
لو نظمت مسابقة عالمية عن فنون التلون والتخفي السياسي، لحصل تنظيم "ب ي د / بي كا كا" الإرهابي على الجائزة الأولى بلا منازع، فهو يرتدي عباءة وحدة البلاد، ويخفي تحتها إزار الانفصال وتمزيق سوريا، في مسرحية يكتفي فيها النظام بدور الكومبارس.
هذا التلون والتخفي ظهر جليا وواضحا للعيان في التطورات الحاصلة بمنطقة عفرين شمال سوريا، فتحت شعار "الوحدة الوطنية"، يدعو التنظيم الإرهابي النظام ليحمي حدود الدولة، والأخير يسرع لاهثا ليكمل أدواره في كافة المسرحيات التي لعبها مع "ب ي د / بي كا كا"، ويكتفي كالعادة بدوره الهامشي، غافلا عن مساعي التنظيم الإرهابي في السنوات السابقة، لترسيخ الأمر الواقع، وتشكيل إدارات ذاتية تؤسس للانفصال.
"ب ي د" الذي يحمل فكرا انفصاليا استقاه من تنظيم "بي كا كا" الإرهابي، يستلهم من زعيمه الإرهابي المعتقل عبد الله أوجلان، ويتلقى منه ومن قيادات التنظيم الإرهابي التعليمات، حيث تم تشكيل الحزب أساسا وفق التعليمات القادمة من "جبل قنديل"، وذلك عام 2003.
وفجأة ودون سابق إنذار، وبعد انطلاق الحراك الشعبي الثوري في سوريا قبل سبع سنوات، ظهر الحزب في المناطق ذات الأغلبية الكردية، يعلن أجندته تارة، ويخفيها تارة أخرى، محاولا استغلال الحراك الشعبي السوري والكردي الوطني، ضد نظام الأسد، ليزج بأعلامه، وصور الإرهابي أوجلان، حتى بات نسخة عن النظام بفرض وضع صور هذا الإرهابي في كل مكان.
وما أن قدم "ب ي د" الإرهابي لواء الطاعة للنظام والتعاون معه، من أجل التنسيق في مكافحة الحراك الشعبي، حتى كانت أولى مطالبه من النظام، صلاحيات إدارة ذاتية، وكان له ذلك، ليبدأ بالهجوم على المعارضة السورية، والميل باتجاه النظام، وتقديمه حلولا تضمنت كلها حكما ذاتيا، في محاولة لتهيئة الأوضاع من أجل تقسيم البلاد لاحقا.
وليس أكبر دليل على ما ينهج إليه "ب ي د" الإرهابي إلا نظامه الداخلي، الذي يغير أسماء المناطق والبلدات، مرورا بالحديث عن سوريا ديمقراطية تعددية لا مركزية سياسية، وانتهاء بمبدأ الكونفدرالية المجتمعية الديمقراطية، دون المساس بالحدود السياسية، ضمن اتحاد شرق أوسطي كونفدرالي، يتجاوز المناطق الكردية في سوريا، ليشمل المناطق ذات التواجد الكردي في دول الجوار.
ويعيد ما سبق السؤال عن مدى قدرة النظام على رؤية هذه الأجندة الانفصالية لدى هذا التنظيم، والتعامي عنها، فهو إما شريك معه في التقسيم، أو مجرد ألعوبة بيد الآخرين، لنراه يتباكى على السيادة الوطنية في عفرين، وينسى الأمر الواقع المفروض على المناطق الأخرى شمال شرق البلاد، والمخططات التي يتولى تنفيذها "ب ي د / بي كا كا" الإرهابي.
ويأتي الجواب دوما من الأفعال لا الأقوال، ففي عام 2011، وفور إعلان تشكيل المجلس الوطني السوري في تركيا، أقدم "ب ي د" بشن هجوم عليه، كما سعى لعرقلة تشكيل المجلس الوطني الكردي، ثم بدأ بالتحضير لانتخابات تتعلق بما أطلق عليه اسم "مجلس الشعب الكردي"، وفي نفس العام بدأ الحزب بعملية انتخاب هذا المجلس.
وبعد إعلان المجلس الوطني الكردي بنفس العام، ورفضه شروط "ب ي د" للانضمام إليه، بدأ الأخير بشن هجوم عنيف عليه، وأصدر بيانا شن فيه هجوما على النظام والمعارضة وتركيا، وطرح مشروعه لحل القضية الكردية في سوريا، وفق فهم وطرح "بي كا كا" بالاعتماد على نموذج "الإدارة الذاتية الديمقراطية" التي تعني في جوهرها بناء ذاتيا للمجتمع، بعيدا عن هيمنة مؤسسة الدولة، وتأثيراتها وفق مبادئ الحرية والمساواة والعدالة، واعتبر أن هذا النموذج هو النموذج الأمثل القادر على حل كل مشاكل سوريا.
ولم يكتف "ب ي د" بممارسة سياسات تشابه ممارسه النظام، من نظام حكم مشابه، والتجنيد الإجباري للأطفال، والزج بهم في قتاله المزعوم، بل طالت ممارساته الأحزاب السياسية والأكراد، بل أغلق العام الماضي مكاتب لأحزاب سياسية كردية، منضوية ضمن المجلس الكردي، واعتقل نحو 20 من القيادات والناشطين، قسم كبير منهم مصيره مجهول، بحسب ما أعلن المجلس الكردي في أيار / مايو من العام الماضي.
الخطوات التي سبقت من قبل "ب ي د / بي كا كا" من تشكيلات أنشأها ردا على المعارضة السورية، والتيارات السياسية الكردية، أعقبها الإعلان بشكل رسمي عن تشكيل "ي ب ك" في بيان رسمي، نشرته وكالة تابعة لتنظيم "بي كا كا" الإرهابي في 19 تموز / يوليو 2012، ليبدأ عملية تطبيق مخططه الانفصالي، وتفتيت سوريا، ويعلن استيلاءه على المناطق الكردية، بدءا من عين العرب، وباقي المناطق الأخرى تباعا، وإنشاء مقاطعاته المتخيلة.
وزاد التنظيم الإرهابي من التمهيد لسلطته المزعومة، بسن القوانين والتشريعات عبر ما يسمى "مجلس شعب غربي كردستان"، وإعطاء إشارات بضرورة إعلان "الإدارة الذاتية" في المناطق الكردية، بعد مضي سنة على تسلم سلطة هذه المناطق من النظام السوري، ولاكتساب الشرعية أعلن في 2013 البدء بالمرحلة الثانية من "الإدارة الذاتية الديمقراطية" بتشكيل هيئة تشريعية مكلفة بتشكيل الهيئة الإدارية الانتقالية للمنطقة.
وبالتزامن مع إعلان المعارضة السورية تشكيل الحكومة الانتقالية التابعة للائتلاف الوطني المعارض في 2013، أعلن "الاتحاد الديمقراطي" تشكيل مجلس عام "للإدارة الذاتية"، وبعد فترة، أعلن تأسيس ما يسمى "مجلس سوريا الديمقراطية" في 2015، وانتخب رئاسة مشتركة تضم هيثم مناع عن حركة "قمح"، وإلهام أحمد عن "ب ي د"، في محاولة مستمرة دائمة للتخفي بغطاء المشروعية، لتنفيذ مخططه الذي تعامى عنه النظام.
واللافت للنظر أن هذا المشروع الانفصالي في كل خطوة له، كانت تتزامن مع أحداث هامة للمعارضة، فإعلان تشكيل "مجلس سوريا الديمقراطية" تزامن مع انعقاد مؤتمر الرياض للمعارضة السورية، الذي أقر فيه "الهيئة العليا للمفاوضات" واستبعد منه مشاركة "ب ي د" لأجندته المختلفة عن المعارضة، ولأن مناع لم تتم دعوته لمؤتمر الرياض دخل مع "ب ي د" في التحالف، لكن سرعان ما انفض هيثم مناع عن المجلس، بعد أن أعلن الأخير الفيدرالية في 2016.
ونتيجة لكل تلك الممارسات، كان من الطبيعي صدور أكثر من 482 تقرير إدانة بحق ممارسات "ب ي د / بي كا كا" من قبل منظمات دولية معروفة من مثل: منظمة العفو الدولية، وهيومن رايتس ووتش، ومنظمات حقوقية سورية ودولية، من بينها منظمات كردية وآشورية، بحسب المعارضة السورية، وشملت الممارسات اعتقالا تعسفيا وتشريدا وقتلا ونهبا وسرقة وهدم البيوت، فضلا عن خروج عشرات التظاهرات من الأكراد ضد ممارسات التنظيم المسلح.
والمفارقة المضحكة من كل ما سبق، أن كل من دخل في عمل مشترك مع "ب ي د" الإرهابي، تخلى عنه نتيجة سياساته التي افتضحت، فافتقد أي مشروعية محلية أو إقليمية أو دولية، فلم يسلم منه أبناء جلدته، فتخلوا عنه، ومشاريعه الانفصالية تؤثر على شعوب المنطقة جميعا، فتسبب بنفور أطراف كثيرة منه، ليستبعد من المؤتمرات الدولية، وتبقى أمريكا وحيدة في دعم هذا التنظيم الإرهابي، والذي يستمر في تلونه كالحرباء، ويصدقه نظام يدعي حرصه على السيادة الوطنية، وهو مفتقد لها.
وخلاصة القول، من يقمع بهذه الطريقة، وبغطاء الحرب على الإرهاب يدمر مدنا وبلدات، في محافظة الرقة ودير الزور، ويطرد ويشرد أهلها ويمنع عودتهم، ويرسم حدودا متخيلة، لا يمكن أن يجد حليفا له سوى من النظام، فهي علاقة متناقضة، ومسرحية سيئة الأداء، يتبادلون فيه القبعات والمشاريع، رغم أن كل شيء واضح تحت ضوء الشمش.
وفي ضوء ما سبق يتضح جليا أن التنظيم الإرهابي، يسعى بكل وضوح، وتحت مسميات الديمقراطية، وادعاءات الحقوق والحريات، ورفعه رايات وحدة التراب السوري، وحديثه مؤخرا عن السيادة الوطنية وحماية الحدود، إلى تنفيذ مشروع انفصالي خطير جدا، ويصب كل ذلك في اتجاه تقسيم سوريا، بل ويهدف إلى اللعب بمقدرات شعوب المنطقة كلها، متجاوزا الحدود السورية.
news_share_descriptionsubscription_contact
