القاهرة / حسين محمود / الأناضول
عشرات الحرائق شهدتها أنحاء مختلفة من مصر خلال الشهر الجاري؛ وأثارت شكوكًا لدى الرأي العام، خاصة أن معدل تكرار هذه الحرائق بدا مرتفعًا على نحو لافت، كما طالت مناطق حيوية في القاهرة، وأكثر من محافظة.
الأمر أثار، أيضًا، استغراب وشكوك وسائل الإعلام المصرية، والتي خرجت بعناوين معبرة عن ذلك؛ ومن بينها "صحيفة الوفد" (حزبية)، التي كتبت تقريرا بعنوان: "مصر بتولع.. 7 حرائق في 12 ساعة"، بينما عنونت صحيفة "اليوم السابع" (خاصة) تقريرا لها بـ"10 حرائق فى 24 ساعة!! إيه اللى بيحصل (ماذا يجري) فى البلد؟"، وأمس الجمعة، وصفت صحيفة "أخبار اليوم"، شبه الحكومية، الشهر الجاري، الذي شهد كوارث عدة، بينها حرائق وتحطم طائرة، بـ"مايو الأسود في تاريخ مصر".
وفي أحاديث منفصلة مع "الأناضول" اعتبر خبراء سياسيون مصريون أن تعدد الحرائق على هذا النحو يعد في الأساس مؤشرًا على "إخفاق حكومي" في مواجهة الأزمة مبكرًا، مهما تعددت الأسباب حولها سواء من أرجعها لـ"التضخيم الإعلامي"، أو من اعتبرها "عملاً تخريبيًا أو إرهابيًا"، أو من رأى أن حرارة الجو المرتفعة سببًا فيها، مشيرين لوجود "أزمة ثقة" بين الشعب والحكومة.
ومن أشهر هذه الحرائق حريق منطقة الرويعي التجارية (بوسط القاهرة) في 9 مايو/أيار، وحريق منطقة الغورية التجارية المجاورة في 11 مايو/أيار، وحريق في المنطقة الصناعية بمدينة دمياط الجديدة (شمال)، والذي طال عدة مصانع. وأسفرت هذه الحرائق عن خسائر كبيرة بلغت مئات الملايين من الجنيهات؛ حيث اندلعت في مناطق تجارية وصناعية.
"حسن نافعة"، أستاذ العلوم السياسية في جامعة القاهرة، علق على هذه القضية، قائلاً إن "تعدد الحرائق بهذا الشكل اللافت رآه البعض ظاهرة طبيعة نتيجة ارتفاع درجة الحرارة خلال فصل الصيف، والبعض الآخر رأى أن أسبابه تخريبية أو إرهابية، وفي النهاية يبقى فقد الثقة بين الحكومة والشعب بيئة حاضنة للشائعات، بينما تعد هذه الحرائق مؤشرا على إخفاق حكومي واضح".
وكانت تقارير محلية مصرية مؤيدة ومعارضة للنظام، اطلع عليها مراسل "الأناضول"، نقلت عن مصادر مختلفة، إدعاءات من مؤيدي ومعارضي نظام الرئيس الحالي، "عبد الفتاح السيسي" حول أسباب هذه الحرائق؛ فهناك من اتهم "جماعة الإخوان" بالوقوف ورائها لـ"إفشال" الحكومة، بينما اتهم أخرون نظام "السيسي"، بالوقوف ورائها، حتى أن البعض أطلق وسما على موقع التواصل الاجتماعي بعنوان"#السيسي_يحرق_مصر"، ولم يقدم أيا من الطرفين أية أدلة مُعتبرة على اتهاماته.
"نافعة" علق على هذه الاتهامات المتبادلة، قائلا: "هناك استقطاب سياسي قائم يسمح بانتشار ادعاءات كثيرة، وفي النهاية تتحمل الحكومة نتائج إخفاقاتها، وعليها أن تعجل بحل تلك الأزمة سريعًا".
"يسري عزباوي"، عضو وحدة الرأي العام في "مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية" برَّأ الإعلام المحلي من تهمة تضخيم هذه الحرائق عبر متابعته الدقيقة للظاهرة، صباحًا ومساءً.
وقال لـ"الأناضول" إن "الإعلام يمارس دوره، وما حدث من حرائق هو مسؤولية الحكومة".
وأضاف موضحًا "أحد وظائف الإعلام الرئيسية هي إبراز الأحداث، وعدد كبير من الناس اعتبر أنباء هذه الحرائق وانتشارها مؤشرًا على عدم قدرة الحكومة علي مواجهة تلك الأزمات".
وتابع: "الإعلام لم يضخم، لكنه تابع فقط بإيجابية ما يحدث عبر الرصد؛ وبالتالي لا يُعاتب هو، بل تُسأل الحكومة عن عدم القدرة عن مواجهة ذلك كما يري المواطنون".
الكاتب المصري، "عبد الله السناوي"، أيضا، وجه انتقادات للحكومة بسبب موجة الحرائق، قائلا: "التهوين من الحرائق المتتالية في الرويعي والغورية ودمياط الجديدة ومناطق أخرى استخفاف بتداعياتها على مستويات الثقة العامة وهيبة الدولة".
وقال في مقال نشرته صحيفة "الشروق" المصرية (خاصة) يوم 13 مايو/أيار: "عندما تخفق إجراءات السلامة والأمان والرقابة في خفض فاتورة أية حرائق؛ فإننا أمام دولة تفتقد الحد الأدنى من الجدية والكفاءة والقدرة على مواجهة الأزمات، وعندما يقال إن الحرائق لا تتجاوز المعدل الصيفي الطبيعي؛ فهو تبرير للإخفاق، وتحلل من أية مسؤولية، وانتظار لكوارث أخرى".
واعتبر أن موجة الحرائق، وعجز الحكومة عن وقفها، أسفر عن 3 أنواع من الخسائر؛ اجتماعية واقتصادية وسياسية.
وقال: "بحساب الخسائر الاقتصادية تتبدى بالأرقام أحجامها الفادحة".
وأضاف: "بحساب الخسائر الاجتماعية فإن مئات الأسر شردت وفقدت موارد رزقها وفقدت ثقتها فى دولتها إلى حد اتهامها بالضلوع فى الحرائق لصالح جماعات متنفذة تطلب الاستيلاء على مواقع محلاتها الإستراتيجية، وبحساب الخسائر السياسية فإن الاتهام ذاته، رغم عدم معقوليته بأي منطق، يكشف عمق فجوات الإحباط العام، وتراجع أية رهانات على الحاضر، ويومئ لانفجارات اجتماعية محتملة".
"سعد الدين ابراهيم"، أستاذ علم الاجتماع السياسي، في الجامعة الأمريكية بالقاهرة، قال لـ"الأناضول" إنه بغض النظر عن أسباب هذه الحرائق، فإنها: "في كل الحالات تنتقص من مصداقية وفاعلية النظام، وأحد المسامير التي تُدق في عرش نظام السيسي".
ويتفق معه "سعيد صادق"، أستاذ علم الاجتماعي السياسي في نفس الجامعة، قائلا لـ"الأناضول": "أيا كانت أسباب تلك الحرائق؛ فهي في النهاية تحرج النظام الذي من المفترض أن يسيطر على كل شيء، وتدخل حكومته في إخفاق جديد".
وأضاف: "الحوادث التي تكاد تقترب من 40 خلال أيام، لا شك ممنهجة، ومهما تم اتهام المعارضة أو الإخوان، أو أجزاء من النظام، إلا أنها ستبقي بلا دليل، وتعبير أن شعبية السيسي مستمرة في التراجع".
ونفت "جماعة الإخوان" في بيانات وتصريحات مؤخرًا علاقتها بحوادث الحرائق التي تشهدها مصر، وحملتها لنظام "السيسي"، بينما قال السفير "حسام القاويش"، المتحدث باسم مجلس الوزراء، إن النيابة العامة تحقق في الحرائق المنتشرة مؤخرًا، وهي الوحيدة المنوطة بكشف المتسبب، مشيرًا إلى أن النيابة لم تشر حتى الآن لوجود تعمد وراء تلك الحرائق المتعددة.
وفي تصريحات متلفزة أشار "القاويش" إلى أن هناك لجنة من الوزارة تتابع تحقيقات النيابة حول أسباب الحرائق، ومن يقف خلفها، مشدداً على أن النتائج ستعلن قريباً، وفور التوصل لأدلة حقيقية.
news_share_descriptionsubscription_contact
