إسطنبول/ الأناضول
- أمام تراجع جيش النيجر على الحدود، "داعش" يرتكب مذبحة كبرى بالمنطقة رغم مقاومة الأهاليعكست المجزرة التي ارتكبت في النيجر السبت الماضي وراح ضحيتها 100 شخص، حالة الهشاشة الأمنية في منطقة الحدود مع مالي وبوركينا فاسو، كما لفتت إلى توجه الجماعات الإرهابية في 2021 نحو فرض ممارسات أكثر دموية ضد أي مقاومة للسكان المحليين لسلطتهم.
ويتزامن هذا التطور الأمني الخطير، مع إعلان نتائج الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية، في 2 يناير/كانون الثاني الجاري، التي حلّ فيها وزير الداخلية محمد بازوم، مرشح الحزب الحاكم، في المرتبة الأولى (نحو 40 بالمئة)، وصعد معه إلى الجولة الثانية الرئيس السابق محمد عثمان (نحو 17 بالمئة)، بحسب نتائج أولية.
ولم يترشح الرئيس محمد يوسوفو لهذه الانتخابات ليس فقط لأن الدستور لا يسمح له بالترشح لولاية ثالثة، بل أيضا لاعترافه ضمنيا بإخفاق حكومته في التصدي للتنظيمات الإرهابية، عندما قال إنه "لا يمكن تحقيق أي شيء دون الأمن".
** داعش ينتقم من مقاومة الأهالي
تكشف شهادات سكان محليين بمنطقة تيلابيري الشاسعة غربي النيجر، تناقلتها وسائل إعلام غربية، أن عشرات المسلحين على متن 100 دراجة نارية هاجموا بشكل متزامن قريتي "زارومادارية" و"تكوما بانغو"، اللتان لا يفصلهما عن بعضهما سوى 7 كلم، وتقعان على بعد 120 كلم شمال العاصمة نيامي.
وقتل في الهجوم 70 شخصا في زارومادارية و30 في تكوما بانغو، بينما جرح 25 آخرون، بحسب ألمو حسن، رئيس بلدية "تونديكيويندي"، التي تدير القريتين.
ويرجع السكان سبب المذبحة التي تعد من بين الأكثر دموية في البلاد، إلى 15 ديسمبر/كانون الأول المنصرم، عندما قدم 3 مسلحين إلى المنطقة لجمع الأموال من القرويين، الذين سئموا العيش كرهائن لدى هذه المجموعات المتطرفة، فقتلوا اثنين منهم.
ولم تتبن أي مجموعة مسلحة مسؤولية المذبحة، لكن صحيفة "نيويورك تايمز" الأمريكية، رجحت أن يكون تنظيم "داعش في الصحراء الكبرى" الإرهابي، وراءها، لأن عناصره سيطروا مؤخرًا على تيلابيري بالحدود الثلاثة (غرب).
** تراجع متزايد لجيش النيجر
يقول متابعون إن جهود النيجر لاحتواء "داعش في الصحراء الكبرى"، باءت بالفشل، حيث تنسحب قوات الأمن بشكل متزايد من منطقة الحدود الثلاثة سهلة الاختراق.
وتخوض النيجر، التي تعد من أفقر الدول الإفريقية، حربا على جبهتين، الأولى من الجهة الغربية في مواجهة "داعش في الصحراء الكبرى"، وتنظيم القاعدة ممثلا في "جماعة نصرة الإسلام والمسلمين".
والثانية من الجهة الجنوبية الشرقية بالقرب من بحيرة تشاد في مواجهة "جماعة بوكوحرام" في شمال شرق نيجيريا، وأيضا تنظيم "داعش في غرب إفريقيا".
فقبل عام تلقى جيش النيجر هزيمتين "كارثيتين" في الجبهة الغربية، حيث قتل 71 جنديا وضابطا في هجوم على معسكر "إيناتس" نهاية 2019، ومع بداية 2020، خسر 89 رجلا في هجوم ثان لمسلحين على معسكر "شينغودار".
وآخر هجوم تعرض له جيش النيجر، وقع في 21 ديسمبر المنصرم بتيلابيري، عندما قتل 7 جنود في كمين يُعتقد أن "داعش في الصحراء الكبرى" يقف وراءه.
وفي الجبهة الشرقية للنيجر، تبنت بوكوحرام هجوما على قرية تومور بالقرب من الحدود مع نيجيريا، في 12 ديسمبر الماضي، خلف مقتل 34 قرويا.
وأدى تراجع جيش النيجر أمام ضربات الجماعات المسلحة شرقا وغربا، إلى نزوح قرابة نصف مليون مواطن، منهم 160 ألف بالمنطقة الغربية، في بلد لا يتجاوز عدد سكانه 23 مليونا، 40 بالمئة منهم في فقر مدقع.
** تحالفات دولية محدودة النتائج
ورغم أن النيجر سمحت بإقامة أكبر قاعدة أمريكية جوية للطائرات بدون طيار في منطقة الساحل على أراضيها، إلا أن ذلك لم يحقق النصر على التنظيمات الإرهابية التي وضعتها بين كفي كماشة.
كما أن فرنسا تملك قواعد عسكرية بالنيجر، التي استقلت عنها في 1960، ولم يمنع ذلك من ازدياد الهجمات الإرهابية على البلاد، رغم قيادتها لتحالف مجموعة الخمسة (النيجر ومالي وموريتانيا وبوركينا فاسو وتشاد)، في مواجهة داعش الصحراء الكبرى، والقاعدة (جماعة نصرة الإسلام والمسلمين).
النيجر، اشتركت أيضا في تحالف آخر من خمس دول لقتال بوكوحرام في منطقة بحيرة تشاد، تحت اسم "القوّة الإفريقية المشتركة"، التي تضم كلا من الكاميرون ونيجيريا وتشاد وبنين.
ناهيك عن تحالف دول الميدان الذي تقوده الجزائر، والذي يضم إلى جانب النيجر كلا من مالي وموريتانيا وبوركينا فاسو، والذي يهدف إلى تنسيق الجهود الأمنية والعسكرية في قتال الجماعات الإرهابية كلٌ داخل أراضيه، على عكس التحالفات الأخرى.
إلا أن كل هذه التحالفات العسكرية والأمنية لم تمنع الجماعات الإرهابية وعلى رأسها "داعش الصحراء الكبرى" و"بوكوحرام" من توجيه ضربات خلفت آلاف القتلى ومئات الآلاف من النازحين منذ 2010.
حيث قتل 4 آلاف شخص في كل من النيجر ومالي وبوركينا فاسو في 2019 فقط، وتحولت منطقة الحدود الثلاث إلى مركز الثقل الرئيسي لتنظيم "داعش" الإرهابي في العالم، بعد هزيمته في العراق وسوريا وليبيا.
ولا يستبعد أن يحاول "داعش" تأسيس إمارة له في منطقة الحدود الثلاثة، إن لم تتمكن دول المنطقة بدعم دولي من إفشال هذا المخطط.
** نحو انتقال سلمي للسلطة
وفي بلد شهد 4 انقلابات عسكرية، آخرها في 2010، يمثل الانتقال السلمي للسلطة حدثا بارزا يجب التوقف عنده، خاصة وأن البلاد تواجه تهديدا أمنيا قد يؤدي إلى إسقاط الدولة وليس النظام السياسي فقط.
فعدم تعديل الرئيس يوسوفو للدستور من أجل الترشح لولاية رئاسية ثالثة، شكل خطوة هامة نحو عدم تعريض البلاد لأزمة سياسية، كما حدث في 2010، حينما حاول الرئيس محمد تونغا (1999-2010)، تعديل الدستور للترشح لولاية رئاسية ثالثة، قبل أن يطيح به انقلاب عسكري.
ومن المفارقة أن يترشح الرئيس السابق محمد عثمان (1993-1996)، والذي أُطيح به في انقلاب عسكري، إلى هذه الرئاسيات ويتمكن من الصعود للدور الثاني، بدعم من زعيم المعارضة هاما أمادو، الذي حل ثانيا في رئاسيات 2016.
لكن المرشح الأقرب للفوز بكرسي الرئاسة ليس سوى محمد بازوم، القيادي في "حزب النيجر من أجل الديمقراطية والاشتراكية" الحاكم، ووزير الداخلية.
وبازوم، يتحدر من قبيلة أولاد سليمان العربية، التي لا تمثل سوى نحو 1 بالمئة من سكان النيجر، ولها امتدادات في جنوب ليبيا خاصة في مدينة سبها، وأيضا في بلدة هراوة، شرق مدينة سرت الساحلية (شمال)، وأيضا في تشاد ومالي.
وفاز بازوم في الجولة الأولى التي جرت في 27 ديسمبر الماضي، على أن تجري الجولة الثانية في 20 فبراير/شباط المقبل.
ويمثل نجاح الانتخابات الرئاسية فرصة لإعادة توحيد البلاد بمختلف أعراقها وقبائلها في مواجهة تنظيمات إرهابية، تحاول الإطاحة بالنيجر ودول الساحل الإفريقي على امتدادها الواسع في الصحراء الكبرى.
news_share_descriptionsubscription_contact
