الرباط / الأناضول
** محمد الهاشمي، أستاذ العلوم السياسية بكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بالرباط:تسبب مقال بعنوان "قراءة في وثيقة المبادئ والسياسات العامة لحركة حماس" بتعليق مؤسسة "كونراد أديناور" الألمانية شراكتها مع مركز دراسات وأبحاث العلوم الاجتماعية المغربي ناشر المقال ووقف تمويله.
وقال محمد الهاشمي، أستاذ العلوم السياسية بكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية (حكومية) بالرباط للأناضول، إن إنهاء الشراكة مع المركز الألماني جاء بعد الانتقال من العمل وفق منطق تقاطع المصالح والرؤى إلى منطق الإملاءات.

وفي 2 نوفمبر/ تشرين الثاني الجاري أعلن مركز دراسات وأبحاث العلوم الاجتماعية (غير حكومي) إنهاء الشراكة مع مؤسسة "كونراد أديناور"، شريكها الرئيس في مشروع المؤتمر الدولي حول دراسات شمال إفريقيا.
و"كونراد أديناور" مؤسسة حزبية سياسية ألمانية، مرتبطة بحزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي.
والمركز المغربي مؤسسة بحثية تأسست في 23 يونيو/ تموز 2002، ويديره وزير التعليم الأسبق عبد الله ساعف.
ويتحدث المقال عن مكانة حركة "حماس" شعبيا عقب فوزها في آخر انتخابات تشريعية في فلسطين المحتلة عام 2006.
كما يعتبر أن عملية "طوفان الأقصى" التي شنتها "حماس" وفصائل فلسطينية على مستوطنات ومواقع عسكرية إسرائيلية في 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2023 أعادت القضية الفلسطينية إلى الأجندة الدولية مجددا.
وفي 7 أكتوبر هاجمت "حماس" قواعد عسكرية ومستوطنات بمحاذاة قطاع غزة، فقتلت وأسرت إسرائيليين؛ ردا على "جرائم الاحتلال الإسرائيلي اليومية بحق الشعب الفلسطيني ومقدساته، ولاسيما المسجد الأقصى".
وتطرق المقال إلى 7 محاور: "نشأة حركة حماس، ووثيقة المبادئ والسياسات العامة لها، وتعريف هويتها وطبيعتها، وكذلك طبيعة الصراع مع إسرائيل: هل هو ديني أم سياسي أم الاثنان معا؟ والبعد الإنساني للقضية الفلسطينية، والموقف من مشاريع التسوية واتفاقيات السلام، ومرجعية الحركة في العلاقة مع مكونات الصف الفلسطيني".
وقال الهاشمي إن المركز الألماني "اقترح تعليق الشراكة أو سحب المقال أو التدخل بتغيير خلاصته، وهو ما اعتبرناه خطا أحمر".
وأضاف أن "الشراكة كانت قائمة على الاحترام المتبادل، ولم يحدث أبدا أن تم التدخل في الأجندة أو كانت هناك إملاءات، حيث كان العمل بشكل فيه تقاطعات، ومصلحة متبادلة".
واستدرك: "لكن الذي حدث هذه المرة هو أننا انتقلنا من الاشتغال وفق منطق تقاطع المصالح والرؤى إلى منطق الإملاءات، رغم أن الأمر يتعلق بمقال عادي جدا، منشور على موقع مركز الدراسات والأبحاث للعلوم الاجتماعية يقدم قراءة عادية وبسيطة".
وتابع: "بعد نشر المقال، اتصل بنا المسؤولون عن المؤسسة الألمانية وأبدوا قلقهم وانزعاجهم من نشره، فقام المركز المغربي بفحصه وتبين له بأنه يستجيب لكل المعايير الدولية المتعلقة بالبحث العلمي، وتم إخبار المركز بأنه لا يمكن سحب المقال".
وبحسب الهاشمي، فإنه "بعد أن طلب المركز المغربي من نظيره الألماني احترام خلاصات المقال، رفض الأخير، واقترح إما تعليق الشراكة أو سحب المقال أو التدخل في تغيير خلاصته".
وأبرز الهاشمي أن المركز "قرر وضع حد لهذه الشراكة، لأنه يرفض منطق الإملاءات والتحكم في الأجندة".
ولفت إلى أن المركز "تمكن في النهاية من إيجاد بديل، وهو شريك وطني، ولكن الإشكالية المتعلقة بالشركاء الوطنيين هي أنها شراكات غير مستدامة، ولا تمتد على المدى البعيد".
ولم يصدر عن مؤسسة "كونراد أديناور" أي تعقيب على ما قاله الباحث الرئيسي بمركز دراسات وأبحاث العلوم الاجتماعية المغربي.
وأشار الهاشمي إلى أن "مراكز البحث الغربية تسعى لإنتاج سردية خاصة بالقضايا ذات الأولوية في المنطقة العربية مثل القضية الفلسطينية، من خلال شراكات مع الجامعات ومراكز البحث من مختلف دول العالم".
وأضاف أن "مراكز البحث الغربية تتحكم بشكل أو بآخر في أجندة البحث بالمنطقة العربية عبر شراكات لأنها تشتغل وفق منطق المصلحة العليا للغرب".
وأوضح أن "العنصر الأول والأساس الذي لا يمكن دونه إنجاز بحث علمي نابع من تربة الدول العربية والمنطقة هو وجود إرادة سياسية، من أجل جعل من البحث العلمي أداة لإنتاج الحقيقة إزاء مختلف القضايا ذات الأولوية، منها القضية الفلسطينية".
ولفت إلى أنه" دون إرادة سياسية لا يمكن النجاح في المقومات الأخرى، لأن الإرادة السياسية تعني رصد ميزانيات، مع وجود تصور وضع أجندة خاصة بالبحث العلمي، وقدرة على إنتاج مفاهيم يمكن أن تجد لنفسها مكانا في واقعنا، ومفاهيم التي تؤثر في طريقة نظر الناس ووعيهم بمختلف القضايا التي تهم المنطقة وعلى رأسها طبعا القضية الفلسطينية".
وأرجع الهاشمي ضعف الإنتاج بمراكز البحث بالدول العربية، إلى ثلاث إشكاليات كبرى وهي أجندة البحث والتمويل والمفاهيم.
وأشار إلى أن "الإشكالية الأولى المتعلقة بوضع أجندة البحث العلمي، والاستقلالية على مستوى وضع هذه الأجندة، والطريقة التي يتم بها الاشتغال في مراكز البحث بشكل عام لا تسمح لمراكز الأبحاث العربية بوضع أولوياتها على رأس أجندة البحث العلمي على المستوى الدولي".
وأضاف: "الإشكالية الثانية تتعلق بالتمويل، فمن يتحكم فيه هو صاحب الأجندة في النهاية، فالتمويل إشكالية كبرى بالمنطقة العربية، على اعتبار أن الدول الغربية تعتبر أن البحث العلمي بشكل عام هو جزء من الآليات الناعمة، عكس دول المنطقة".
وتابع: "التمويل مرتبط بوضع الأجندة، فالذي يضع الأجندة هو الذي يتحكم في التمويل، والذي يمول هو الذي يتحكم في وضع الأجندة".
والإشكالية الثالثة "تتعلق بالمفاهيم التي تعتمد عليها مراكز البحث، هو جهاز مفاهيمي في معظمه مرتبط بدراسات أنجزت من طرف مراكز أبحاث وجامعات غربية بشكل عام".
أوضح الهاشمي أن "مراكز البحث الغربية تسعى لإنجاز أو إنتاج سردية خاصة بالقضايا ذات الأولوية في المنطقة العربية، من خلال شراكات مع الجامعات ومراكز البحث من مختلف الدول".
ولفت إلى أن "الجميع في النهاية يعمل وفق منطق يحتكم إلى تشخيص المصلحة العليا في دولة معينة، مثلا الولايات المتحدة الأمريكية رغم الاختلافات الموجودة بين مختلف مراكز البحث الموجودة، فهي كلها تعمل وفق منظور يخدم المصلحة العليا لهذه الدولة".
ومضى: "نفس الأمر ينطبق على الدول الأوروبية بشكل عام، خاصة ألمانيا وفرنسا وبريطانيا، والتي تتوفر على مراكز بحث ضخمة، سواء تابعة للجامعات أو خاصة، وتتحكم بشكل أو بآخر في أجندة البحث بالمنطقة العربية عبر شراكات البحث".
وبخصوص دعم مراكز البحث الغربية لإسرائيل، أوضح الهاشمي أن "معظم الدول الغربية تعتبر أن دعم اسرائيل جزء أساسي من تحقيق الأمن وخدمة المصلحة العليا لهذه الدول، خاصة الولايات المتحدة وحلفاءها مثل ألمانيا وفرنسا".
وبخصوص دعم القضية الفلسطينية علميا وأكاديميا، يرى الهاشمي أن "أول تحدي بالنسبة للمراكز العربية الإسلامية مرتبط بالتمويل".
وأوضح أن "التحكم في أجندة البحث على مستوى مركز معين، يقتضي التوفر على الأدوات المالية واللوجستية الضرورية، من أجل الدفاع عن العناصر السردية التي تخدم القضية".
وأشار إلى "ضرورة انخراط مختلف مكونات البحث العلمي، من باحثين ومراكز البحث والجامعات، وتدخل مختلف الفاعلين وعلى رأسهم الدولة".
وتابع: "لا يمكن للبحث العلمي أن يتطور دون وجود استراتيجية دولة تقوم على أساس مجموعة من الأسس من بينها البحث العلمي".
وأضاف أن "الحلقة المفقودة في منطقتنا بخصوص اتخاذ القرار هو البحث العلمي، وأغلب السياسات المعتمدة لا تزال تفتقد إلى المعرفة العلمية حول الواقع الذي يسعى إليها السياسي أو الفاعل العمومي".
ورأى أنه "دون التحكم في آليات التمويل والأجندة والمفاهيم الأساسية، لا يمكن إنتاج مفاهيم نابعة من واقع المنطقة العربية".
ويشهد المغرب يوميا مظاهرات ووقفات في عدة مدن بدعوات من مؤسسات غير حكومية منددة بالإبادة الجماعية التي ترتكبها إسرائيل في قطاع غزة وداعمة "للمقاومة" الفلسطينية.
يأتي ذلك في وقت ترتكب فيه إسرائيل وبدعم أمريكي وغربي منذ 7 أكتوبر 2023 إبادة جماعية بغزة، خلفت نحو 149 ألف قتيل وجريح فلسطينيين، معظمهم أطفال ونساء، وما يزيد على 10 آلاف مفقود، وسط دمار هائل ومجاعة قتلت عشرات الأطفال والمسنين، في إحدى أسوأ الكوارث الإنسانية بالعالم.
وتواصل إسرائيل مجازرها متجاهلة قرار مجلس الأمن الدولي بإنهائها فورا، وأوامر محكمة العدل الدولية باتخاذ تدابير لمنع أعمال الإبادة الجماعية وتحسين الوضع الإنساني الكارثي بغزة.
news_share_descriptionsubscription_contact
