الرباط / الأناضول
الخبير المالي والاقتصادي الدولي عمرو زكرياء للأناضول:
يرى الخبير المالي والاقتصادي الدولي، عمرو زكرياء، أن 3 قطاعات أمريكية استفادت من الحرب على إيران مقابل تضرر المواطن الأمريكي.
وفي مقابلة مع الأناضول يعتبر زكرياء، أن هذه القطاعات "هي الطاقة والدفاع والتكنولوجيا مما ساهم في ضخ استثمارات كبيرة داخل الاقتصاد الأمريكي، إضافة إلى خلق وظائف جديدة، وهو ما ساعد المستهلك الأمريكي على الاستمرار في الإنفاق والاستهلاك رغم ارتفاع أسعار الطاقة عالميا وحتى داخل الولايات المتحدة نفسها".
واستدرك قائلا:" استفادت شركات الطاقة والدفاع والتكنولوجيا من الحرب مقابل عدم استفادة الأمريكيين - حقيقة غريبة- ممكن اعتبارها نوع من الانفصام في شخصية الاقتصاد الأمريكي".
وارتفع التضخم الأمريكي إلى 3.8 بالمئة خلال أبريل/ نيسان الماضي، عند أعلى مستوى منذ 3 سنوات، كما تراجعت ثقة المستهلك إلى مستويات قياسية بلغت 47.6 بالمئة، ومقابل ذلك استقرت معدل البطالة في حدود 4.4 في المئة، وارتفعت أرباح لبعض القطاعات بالمئة مثل شركات النفط والدفاع والذكاء الاصطناعي".
كما توقع صندوق النقد الدولي ارتفاع النمو الأمريكي إلى 2.4 بالمئة في عام 2026، والتضخم 2 بالمئة مع تباطؤ نمو التوظيف، وتسجيل البطالة 4 بالمئة.
واعتبر الصندوق، في تقرير له صادر أبريل الماضي، أن "المخاطر قصيرة الأجل على النمو والبطالة متوازنة، لكن ارتفاع أسعار الطاقة يشكل مخاطر تضخمية أكبر".
وتوقع أيضا أن يبقى عجز الموازنة العامة في حدود 7-7.5 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي، مع تجاوز الدين 140 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2031.
ومن المتوقع، بحسب الصندوق، أن يستقر معدل التعريفة الجمركية الفعلي المطبق على الواردات إلى الولايات المتحدة عند 7-8.5 بالمئة بعد دخول التغييرات الأخيرة على سلطة التعريفات حيز التنفيذ.
ويقول زكرياء إن "الاقتصاد الأمريكي ربما يكون الاقتصاد الوحيد الذي استفاد بشكل كبير جدا من هذه الحرب لسببين".
ويضيف: "السبب الأول هو أن عدة قطاعات حيوية في هذا الاقتصاد استفادت بشكل كبير، مثل قطاع الطاقة".
ويشير إلى أنه "منذ عام 2016 غيرت الولايات المتحدة عقيدتها تجاه الطاقة، ففي السابق كانت تعتمد على أمن الطاقة، وهي العقيدة التي تبنتها منذ بداية السبعينيات، لكن مع الولاية الأولى الرئيس دونالد ترامب الأولى تغيرت هذه العقيدة من أمن الطاقة إلى الهيمنة على الطاقة".
ويلفت زكرياء، إلى أن "السبب الرئيسي الذي دفع الولايات المتحدة إلى هذا التغيير هو أن الإنتاج الأمريكي من النفط والغاز تضاعف بدرجة كبيرة جدا بفضل التكنولوجيا، خصوصا النفط الصخري".
ويعتبر أنه "خلال السنوات العشر الماضية واصلت الإدارات الأمريكية المختلفة تعزيز قدرة الولايات المتحدة على إنتاج الطاقة بشقيها: الغاز والنفط، حتى أصبحت اليوم أكبر منتج وأحد أكبر المصدرين للطاقة في العالم".
وتبعا لذلك يرى زكرياء، أن "اعتماد الولايات المتحدة كاقتصاد على واردات الطاقة من الخليج أصبح قليلا جدا، لذلك، ما يحدث في مضيق هرمز لا يؤثر عليها بالشكل نفسه الذي يؤثر به على اقتصادات أخرى".
ويشهد مضيق هرمز وبحر العرب صراعا بحريا وأزمة أمنية متصاعدة بين إيران من جهة والولايات المتحدة وحلفائها من جهة أخرى.
وإثر تعثر مفاوضاتها مع إيران، تفرض الولايات المتحدة منذ 13 أبريل الماضي حصارا على الموانئ الإيرانية، بما فيها الموجودة على مضيق هرمز الحيوي لإمدادات الطاقة العالمية.
وردت إيران بمنع مرور السفن في المضيق إلا بتنسيق معها، وسط مخاوف من احتمال انهيار الهدنة السارية منذ 8 أبريل، إذا لم يتم إبرام اتفاق لإنهاء الحرب، التي رفعت أسعار الطاقة ومستويات التضخم.
وفي 28 فبراير/ شباط الماضي، بدأت الولايات المتحدة وإسرائيل حربا على إيران، ما خلفّ أكثر من ثلاثة آلاف قتيل، حسب طهران التي شنت هجمات قتلت أمريكيين وإسرائيليين.
كما نفذت إيران هجمات ضد ما قالت إنها قواعد ومصالح أمريكية بدول عربية، لكن بعضها أسفر عن ضحايا مدنيين وأضر بمنشآت مدنية، وهو ما أدانته الدول المستهدفة.
أعلن مكتب إحصاءات العمل الأمريكي ارتفاع معدل التضخم في الولايات المتحدة إلى 3.8 بالمئة خلال أبريل الماضي على أساس سنوي، مسجلا أعلى مستوى منذ 3 سنوات.
وقال المكتب في بيان له، إن هذه النسبة "التي تعد الأعلى منذ مايو/ أيار 2023، جاءت مدفوعة بارتفاع أسعار الطاقة التي زادت 17.9 بالمئة، والبنزين بنسبة 28.4 بالمئة، بسبب تداعيات الحرب التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران.
ويقول زكرياء إن "ارتفاع أسعار الطاقة في الولايات المتحدة يؤثر دائما على الاستهلاك وعلى جيب المستهلك الأمريكي، الذي يمثل شريحة مهمة جدا داعمة للاقتصاد الأمريكي".
ويعتبر أن "استفادة شركات الطاقة والدفاع والتكنولوجيا من الحرب مقابل عدم استفادة المواطنين الأمريكيين من بعض هذه المكاسب حقيقة غريبة وعجيبة ويمكن اعتبارها نوع من الانفصام في شخصية الاقتصاد الأمريكي".
ويوضح زكرياء، أن هناك "انفصالا واضحا بين ما يجري في الأسواق المالية وبين ما يجري في الاقتصاد الحقيقي الذي يؤثر على المواطن الأمريكي العادي حيث يعاني المواطن الأمريكي تحت ضغط الفواتير وارتفاع أسعار البنزين بشكل كبير جدا".
ويشير إلى أن "أسعار البنزين تؤثر بشكل مباشر على المزاج الاقتصادي للمواطن، لأن الاقتصاد الأمريكي يعتمد بدرجة كبيرة على المستهلك".
وارتفع سعر غالون البنزين بالولايات المتحدة خلال الأيام الماضية، لأكثر من 4.5 دولارات عند أعلى مستوى منذ 2022، في ظل ارتفاع أسعار الطاقة العالمي بسبب تضرر الإمدادات مع استمرار إغلاق مضيق "هرمز".
وتقول الرابطة الأمريكية للسيارات في بيانات إحصائية، أن "متوسط سعر الغالون (3.78 لترات) من البنزين ارتفع من 2.98 دولار قبل بداية الحرب على إيران إلى 4.54 دولارات، بارتفاع بنحو 52 بالمئة، وهو الأعلى منذ عام 2022.
ويشير زكرياء، إلى أن الاقتصاد الأمريكي "يخلق وظائف بشكل كبير"، معتبرا أن "نسبة البطالة في حدود 4 بالمئة نسبة متدنية تاريخيا".
ويعتبر أن "الأسهم الأمريكية، وهي من أهم العوامل الداعمة لما يسمى بعامل الثروة، تجعل المستهلك الأمريكي أو الأسرة الأمريكية يشعران بأن لديهما ملاءة مالية جيدة".
ويشير زكرياء، إلى أن "سوق الأسهم الأمريكية، وخاصة مؤشر (S&P 500) سجل منذ بداية السنة ارتفاعا".
ويوضح أنه "بالنظر إلى هذه المؤشرات يمكن القول إن الاقتصاد الأمريكي استفاد أكثر مما خسر نتيجة الحرب على إيران".
وبالإضافة إلى قطاع النفط الذي شهد تطورا يعتبر زكرياء، أن "قطاع الدفاع والتسليح، بدأ ينتعش بشكل كبير منذ الحرب الروسية الأوكرانية، والآن يسجل مستويات وأرباحا كبيرة جدا، وهذا بدوره يدعم الاقتصاد الأمريكي".
ويلفت إلى أن "أسعار العقارات في ارتفاع أو على الأقل تحافظ على مستوياتها".
ويشير زكرياء، إلى أن "هناك بعض القطاعات التي استفادت بشكل غير مباشر، وأبرزها قطاع إعادة توطين المصانع أو ما يمكن وصفه بالهجرة العكسية للمصانع من الصين وآسيا عموما إلى داخل الولايات المتحدة، مما قد نتج عن ذلك استثمارات ضخمة، كما أدى إلى خلق عدد كبير من الوظائف".
ويتوقع أن "تستمر هذه الوتيرة بقوة، لأن هذه الحرب، وقبلها الحرب الروسية الأوكرانية، سلطت الضوء بشكل كبير جدا على مخاطر الاعتماد على سلاسل الإمداد الموجودة خارج الدولة المنتجة".
وخلص بالقول: "بشكل عام، فإن المستفيد الأكبر هم اللاعبون الكبار والمحافظ الاستثمارية الضخمة الموجودة في الأسواق المالية، بينما المواطن الأمريكي العادي يجد نفسه يعاني من ارتفاع الأسعار وتكاليف المعيشة بشكل واضح".
news_share_descriptionsubscription_contact


