عمان / ليث الجنيدي / الأناضول
** أستاذ العلوم السياسية في الجامعة الهاشمية (حكومية) جمال الشلبي:اتسمت التصريحات بين الحليفين الأردني والأمريكي بـ"التناقض" تجاه الهجوم الذي تعرض له موقع متقدم على حدود المملكة مع سوريا، وأسفر عن مقتل عدد من جنود الولايات المتحدة، إضافة إلى ما تبعه من تداعيات، فعمّان تحاول التعامل مع الحدث بوصفه "عارضا"، فيما يظهر سعي واشنطن لزجها داخل المعترك.
فبعد الهجوم الذي تعرض له موقع للولايات المتحدة على حدود الأردن مع سوريا، وأسفر عن مقتل وإصابة جنود أمريكيين، نهاية يناير/ كانون الثاني الماضي، تناقضت التصريحات بين الحليفين بشأن موقع تلك القاعدة.
واشنطن أعلنت أن الهجوم على قواتها كان شمال شرق الأردن، لينفي الأخير ذلك، ويؤكد أنه وقع في نقطة "متقدمة" على الحدود مع سوريا.
وفي رد الولايات المتحدة على الحادثة عبر غارات استهدفت "مليشيات" موالية لإيران داخل العراق وسوريا، قالت وسائل إعلام أمريكية إن سلاح الجو الأردني شارك فيها، قبل أن تنفي المملكة صحة ذلك.
ويرى محللون من خلال تلك التصريحات أنه بينما تحاول عمّان النأي بنفسها عن صراع هي أساسا ليست طرفا فيه، يظهر سعي واشنطن لزجها داخل المعترك.
على المستويين السياسي والأمني، فإن الأردن يدرك أهمية وحساسية موقعه الجغرافي، ويخشى تداعيات توسع الأزمات والأحداث في دول الطوق، لكنّ مراقبين لما يجري، يعتقدون أن تيارات أمريكية تسعى لأن تكون المملكة ضمن معادلة التوترات بالمنطقة؛ لأهداف ربما تكون الغاية منها توسيع دائرة الاشتباك مع طهران.
وتعليقا على ذلك، اعتبر محللون سياسيون، تحدثت لهم الأناضول، أن الأردن ما زال قادرا على "المناورة الدبلوماسية والسياسية"، ويستطيع النأي بنفسه عن صراع هو أساسا ليس طرفا فيه.
** واشنطن لا تهتم للحلفاء
جمال الشلبي، أستاذ العلوم السياسية في الجامعة الهاشمية (حكومية)، قال "إن الهجوم على القاعدة الأمريكية يمثل اختبارا حقيقياً لقدرة الأردن الدبلوماسية على الخروج من هذه الأزمة الخطرة بين القوة العالمية الأولى في العالم الولايات المتحدة، والقوة الإقليمية الصاعدة إيران، واللتين تأخذان مواقف متباينة من الحرب الإسرائيلية الشعواء على حركة المقاومة الفلسطينية حماس وغزة وشعبها منذ 4 أشهر".
وأضاف الشلبي في حديثه للأناضول: "صاحب القرار السياسي بالأردن يتحرك ضمن واقع معقد وخطر".
ورأى في توضيحه لذلك "هناك علاقة استراتيجية متينة بين عمان، وواشنطن المنحازة لإسرائيل التي تزعزع المنطقة بسبب حربها على غزة".
وتابع: "هناك حقيقة ثانية، وهي أن العلاقة الأردنية الإيرانية تشوبها الكثير من سمات التردد، والشك، والجمود بسبب التأثيرات الأمريكية من جهة، ودول الخليج العربي من جهة ثانية".
واستدرك: "لا أحد يستطيع الادعاء بأن لدى الأردن رغبة ما في دخول صراع مع أحد أو إبراز انحيازه لطرف إزاء آخر في هذه المنطقة الملتهبة أصلاً؛ بسبب تخمة الحروب التي تعيشها منذ أمد بعيد وأحدثها الحرب الإسرائيلية السابعة ضد قطاع غزة".
وتوقع الشلبي أن "الولايات المتحدة وإسرائيل تريدان عبر حادثة القاعدة الأمريكية دفع الأردن ليكون رأس حربة لهما في مواجهة إيران وحلفائها في العراق وسوريا، وربما أيضاً في اليمن".
وشدد في السياق ذاته على أنه "أمر لا يمكن أن يقبل به الأردن؛ لأنه يمثل خطراً كبيراً على أمنه القومي، وعلى علاقاته مع دول الجوار التي تربطه به علاقات العروبة والمصالح".
وفيما يخص التصريحات بشأن الهجوم على القاعدة الأمريكية وما تبعته من تداعيات، اعتبر الأكاديمي الأردني أنها "تعكس مدى الضغط الذي تتعرض له الدبلوماسية الأردنية من جانب الولايات المتحدة، والتي قامت بإحراج الأردن بالقول على لسان الرئيس الأمريكي جو بايدن إن الهجوم وقع داخل المملكة، في حين تقول البيانات الرسمية للأردن عكس ذلك".
ولفت إلى أن "موقف مساعدة وزير الخارجية الأمريكية في تصريح لها بأن الهجوم كان المقصود منه السيادة الأردنية، جاء ليعكس رغبة بلادها في أن تقوم عمان بما يجب لحماية سيادتها وليس الدفاع عن القاعدة الأمريكية وساكنيها".
وأردف: "التناقض في التصريحات عاد بعد قيام الجيش الأمريكي بهجوم انتقامي ضد ما يعتبره مواقع لجماعات مدعومة من إيران في العراق وسوريا، والحديث عن مشاركة فاعلة من سلاح الجو الأردني، وهو الأمر الذي نفته قيادة الجيش الأردني رسمياً".
وأكد الشلبي أن "كل هذه التناقضات تشي بأن تقييم الأحداث بين الحليفين الأردني والأمريكي ليست واحدة، وأن المملكة ما زالت قادرة على المناورة الدبلوماسية والسياسية؛ لكي تخرج من أزمة الصراع الأمريكي الإيراني عبر بوابة القاعدة الأمريكية بأقل الخسائر، وهو بأن لا تكون وقودا ورمادا لهاتين الدولتين ومصالحهما الذاتية".
وزاد: "لا أحد من أطراف أزمة القاعدة الأمريكية في الأردن، وهي الولايات المتحدة، وإيران، والأردن، والعراق، وسوريا، لديه رغبة في توسيع دائرة الحرب في غزة، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، وتحقيق رغبة رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو الذي يريدها للخروج من أزمته الشخصية الخاصة مع القضاء والمحاكم الإسرائيلية".
واعتبر الشلبي أن "أهم الدروس التي يمكن الاستفادة منها في هذا التناقض بتقييم حدث القاعدة الأمريكية في الأردن بين الجانب الأردني والأمريكي، أن واشنطن لا يهمها حلفاؤها، سواء في الأردن أو حتى في العراق عندما أعلنوا أنهم نسقوا مع الحكومة العراقية قبل الهجوم".
وفي تناقض مع بيان سابق، قالت الولايات المتحدة، الاثنين، إنها لم تبلغ الحكومة العراقية قبل تنفيذ الضربات الجوية الأسبوع الماضي التي استهدفت المليشيات المدعومة من إيران في البلاد.
إلا أن متحدث مجلس الأمن القومي جون كيربي قال الجمعة الماضية: "لقد أبلغنا الحكومة العراقية قبل وقوع الضربات"، قبل أن يعتذر بعد أيام عن تصريحاته ويقول إنه أدلى بها بناء على معلومات وصلته في الساعات الأولى للهجوم.
الشلبي قال إن هذا التناقض "يعني خلق حالة من الصراع السياسي والاجتماعي داخل دول حلفائها؛ وهذا يعني ضرورة إعادة النظر في علاقات الدول الصغرى والوسطى مثل الأردن مع الدول الكبرى مثل الولايات المتحدة؛ إذا كان مفهوم التحالف غير قائم على المصالح للجميع في أزمنة السلام كما هي الحال في أزمنة الحرب".
وإن لم يتحقق ذلك، فإنه "سيفقد المفهوم معناه، ويصبح التحالف مجرد تبعية مطلقة أو تحالفات متسلسلة من تحالف درجة ممتازة إلى تحالف درجة متوسطة إلى تحالف درجة عادية وأقل من عادية، وهذا ما تنظر له الولايات المتحدة مع حلفائها العرب بعكس نظرة التحالف مع إسرائيل"، وفق الشلبي.
** الأردن يذهب للحلول السياسية والدبلوماسية
وزير الإعلام الأسبق سميح المعايطة، قال للأناضول: "إن الأردن يدير قضاياه بحكمة، ويحاول الذهاب إلى الحلول السياسية والدبلوماسية، ومنها مثلا قضية تهريب المخدرات والأسلحة عبر الحدود السورية".
وخلال السنوات الماضية، شهد الأردن مئات محاولات التسلل والتهريب، خاصة من سوريا (شمال) والعراق (شرق) نتيجة تردّي الأوضاع الأمنية في البلدين الجارين.
وزاد المعايطة: "كما يعمل الأردن على عدم توسيع نطاق أي قضية واحتوائها بالحد الأدنى من التباين، ولهذا يبقي الأبواب مفتوحة مع إيران في أي ملف، مع ممارسته كامل حقه في الدفاع عن مصالحه".
ولمدة عقدين، قُطعت العلاقات بين عمان وطهران بعد دعم الأردن للعراق في حربه ضد إيران في ثمانينيات القرن الماضي.
وعقب قرار السعودية قطع علاقتها مع إيران في يناير 2016، تضامن الأردن مع جارته الجنوبية (السعودية) واستدعى سفيره من طهران في أبريل/ نيسان من العام نفسه "للتشاور" ولم يعد بعدها، فيما احتفظ بتمثيل دبلوماسي بدرجة قائم بالأعمال.
ورأى المعايطة أنه "في ملف صراع النفوذ الإيراني الأمريكي، لا يذهب الأردن إلى مربع الاندماج مع الموقف الأمريكي".
واستدرك: "لكن خلال استهداف الجنود الأمريكان في سوريا قرب الحدود مع المملكة، كان بعض الإعلام مصرّا على أن ساحة الاستهداف كان الأردن".
واعتبر في السياق ذاته أنه "رغم النفي الرسمي الأردني، كان هناك إصرار تفسيره أن ما تم استهدافه هو الأردن وأرضه، وأنه جزء من العملية وعليه واجب الرد".
وختم الوزير الأسبق حديثه بالقول: "أعتقد أن هناك أطرافا تريد للأردن أن ينخرط في مواجهات عسكرية مباشرة مع إيران ومليشياتها، واستنزاف الأردن في هذا المسار، وليس بالضرورة أن تكون جهات من ذات التوجه، لكنها الرغبة في أخذ المملكة إلى معركة عسكرية طويلة الأمد لأغراض سياسية".
news_share_descriptionsubscription_contact
