طرابلس / جهاد نصر / الأناضول
إعلان خليفة حفتر قائد القوات المدعومة من مجلس النواب في طبرق (شرق)، الأسبوع الماضي، قرب إطلاق عملية عسكرية لاقتحام مدينة درنة (شرق)، يطرح تساؤلات حول مدى جدية حفتر هذه المرة، خصوصا أنه منذ 2014 وهو يطلق التهديدات نفسها، في حين اكتفى على الأرض بمحاصرتها وقصفها برا وجوا.
ففي الأول من أبريل / نيسان الجاري، أعلن حفتر قرب "تحرير" درنة من سيطرة تحالف كتائب إسلامية يدعى "مجلس شورى مجاهدي درنة"، الذي تعتبره سلطات شرق البلاد تنظيما إرهابيا ذا صلة بتنظيم "القاعدة في بلاد المغرب"، وهو الأمر الذي ينفيه المجلس.
وشورى مجاهدي درنة، تشكل في 12 ديسمبر / كانون الأول 2014 لمواجهة قوات عملية الكرامة، التي أطلقها حفتر في مايو / أيار 2014، والتي دشنت آنذاك عملية عسكرية قالت إنها "لتطهير المدينة من المتطرفين"، وهي تحاصر المدينة منذ ذلك الوقت.
وشكل حفتر غرفة عسكرية للسيطرة على درنة تحت اسم غرفة عمليات عمر المختار، التي تخوض قواتها منذ 2014 اشتباكات متقطعة مع عناصر مجلس شورى مجاهدي المدينة.
وفي زيارة أولى له لقواته المحاصرة لدرنة بمنطقة عين مارة في الأول من أبريل / نيسان الجاري، أعلن حفتر أن قواته "تتقدم شرقا إثر العمليات العسكرية التي شنتها منذ فبراير / شباط الماضي، وبعد إعطاء الفرصة للحلول السلمية"، بحسب مقطع مصور.
ولكن "إعلان الحرب" على درنة (1340 كلم شرق العاصمة طرابلس)، يثير قلق عدة أطراف داخلية ودولية، خشية استنساخ تجربة مدينة بنغازي (ألف كلم شرق طرابلس)، وما خلفته من مآس إنسانية في صفوف المدنيين.
وشهدت بنغازي حربا طاحنة بين قوات حفتر، ومجلس شورى ثوار بنغازي (تحالف كتائب ثوار أطاحوا بنظام القذافي في المدينة) المتحالف مع تنظيم أنصار الشريعة، وذلك بعد إطلاق حفتر حملة عسكرية (عملية الكرامة) في مايو / أيار 2014، انتهت بسيطرته على المدينة في 5 يوليو / تموز 2017.
فدرنة تحوي 80 ألف نسمة، وفق آخر إحصاء أجري في 2011، وأي محاولة لاقتحامها من شأنها أن تؤدي إلى وقوع خسائر في صفوف المدنيين.
وفي هذا السياق، يقول الكاتب الليبي علي الزليتني، "في درنة، أو في أي مدينة أخرى بالعالم تنشب بها حرب، دائما ما يكون المدنيون أول الضحايا".
واستطرد الزليتني متحدثا للأناضول، "لكن التقييم يكون بشكل عام على الخسارة أو المنفعة التي تجلبها الحرب، كمنفعة حرب العراق بعد طرد داعش".
المشكلة التي يراها الكاتب، ليست فقط من احتمالية تعرض المدنيين للقتل، بل أيضا نزوح السكان من درنة إلى مدن مجاورة.
وأوضح "ستعجز الدولة عن احتوائها (أزمة محتملة للنازحين)، لا سيما أن هناك آلاف المدنيين لا يزالون نازحين في مدارس، وخارج البلاد جراء الحرب في بنغازي".
أما السياسي خالد موسى، فوجه رسالة لحفتر عبر الأناضول، قال فيها "لماذا لا نكرر سيناريو سوريا في درنة بالخروج الآمن للمقاتلين (من درنة)، وتجنيب المدينة والمدنيين ويلات الحرب؟".
وبحسب موسى، فإن تلك الطريقة ستأتي بعدة منافع، أولها "خروج تنظيم مسلح لا يعترف بالدولة من المدينة وعودتها مرة أخرى لحضن الوطن"، أما ثانيها "فتجنيب المدنيين ويلات الحرب".
التساؤل الآخر الذي تطرحه الحرب المحتملة في درنة، وهو ما إذا كانت تلك المعركة سهلة أم أن مدتها ستطول كما طالت الحرب في مدينة بنغازي القريبة (نحو 300 كلم)، والتي استغرقت أربع سنوات لحسمها.
** السكان والجبال ضد حفتر
يرى العقيد الليبي المتقاعد فرج وناسه أنها "معركة صعبة"، وتتمثل صعوبتها في عدة نقاط، أولها أن مجاهدي درنة خلال السنوات التي حاصرت فيها قوات حفتر المدينة (منذ 2014 إلى اليوم)، "استطاع كسب الناس داخلها، وإظهار الوجه الحسن للتنظيم".
ويضيف وناسه، "أول شهور الحصار كان يمنع دخول البنزين وأشياء أخرى، وهو أمر ساهم في تقليص تأييد الناس لحفتر داخل المدينة، وهو أمر تداركه حفتر بعد ذلك وأصبح يرسل كل شيء للمدينة تباعا".
الشيء الأهم بحسب العقيد الليبي المتقاعد، هو طبيعة المدينة ومحيطها الجغرافي، فهي عبارة عن سلسلة جبال وعرة يسهل الاختباء فيها، والتحصن داخلها، إضافة لوعورة طريقها، التي تعتبر مناسبة لعناصر "شورى مجاهدي درنة".
ويشير إلى أن التنظيمات المتطرفة التي قاتلت زعيم ليبيا الراحل معمر القذافي (1969 ـ 2011) في منتصف التسعينيات، استفادت من الطبيعة الجبلية لدرنة.
هذه الطبيعة الوعرة التي تناسب حرب العصابات وتتفادها الجيوش النظامية، دفعت القذافي، بحسب الزليتني "لحرق تلك الجبال بواسطة صب البنزين عليها بالطائرات، وحرق من يختبئ فيها".
** "لعبة القبائل".. معارك حفتر السهلة
لكن العقيد المتقاعد وناسه، يعتقد أن هناك عدة عوامل أخرى تلعب لحساب حفتر، وتجعل من مهمته في السيطرة على درنة أسهل.
وبرأيه، فإن قوة "مجلس شورى المجاهدين" استنفدت في حرب بنغازي، فمعظم مقاتليهم التحقوا بمجلس شورى ثوار بنغازي خلال الأعوام الأربعة الماضية للقتال هناك، وجميعهم قتل".
ومن بين الأوراق التي يجيد حفتر لعبها في حسم معاركه بسرعة وبأقل الخسائر، مثلما حدث في منطقة الهلال النفطي وفي وسط وجنوبي البلاد، "ورقة التحالف مع القبائل".
وفي هذا السياق، يقول وناسه "التحالفات القوية، وخاصة مع القبائل داخل درنة، ستجعل من ساعة الصفر التي سيطلقها حفتر في المدينة دافعا كبيرا لسرعة السيطرة على المدينة".
ويضيف نقلا عن معلومات قال إنها استخباراتية "الدعم اللوجيستي الخارجي للمحاصرين داخل درنة ليس بكبير، وذلك لأن معظم الدعم الآتي من الخارج إلى الجماعات الإسلامية في ليبيا كان يذهب لثوار بنغازي، لأن معركتهم كانت الأهم بالنسبة إليهم (خصوم حفتر في الغرب الليبي)".
** بين الدولة المتطرفة والحكم العسكري
وحول صورة "شورى مجاهدي درنة"، يكشف صحفي من داخل المدينة للأناضول، طلب عدم ذكر اسمه لاعتبارات أمنية، أن "للموجودين داخل درنة وجهين، الأول حسن، وظهر عندما قاتلوا تنظيم داعش وطردوه، رغم أن تلك الحرب نشبت بسبب قتل داعش لناصر العكر، وسالم دربي، القياديين في شورى المجاهدين".
يشار أن شورى مجاهدي درنة أعلن الحرب على "داعش" في يوليو / تموز 2015، وأسفرت المواجهات عن سيطرة المجلس على المدينة في أبريل 2016.
أما الوجه الثاني، فيقول الصحفي الليبي "فهو وجه سيئ، ويتمثل في معتقدات شورى المجاهدين الذين لا يؤمنون بالدولة المدنية، ولا يعترفون بأي حكومة أو برلمان أو مؤسسة حكومية مطلقا، بل يكفرون من يعارضهم".
وأبدى المتحدث قلقه من المواجهة العسكرية المحتلمة بين "شورى المجاهدين" وقوات حفتر، لأن انتصار الأول يعني أنهم "سيفرضون دولة إسلامية بمقاييس متطرفة"، أما في حال انتصار الثاني "فلن يكون للدولة المدنية مكان، بل سيكون حكم عسكري قمعي".
** حرب نفسية
وبعيدا عن كل ذلك، يرى أستاذ العلوم السياسية فرج الجافل، أن الحديث عن تقدم قوات حفتر إلى درنة يدخل في إطار الحرب النفسية ليس أكثر ولا أقل.
وقال مذكرا "هذه ليست المرة الأولى التي يعلن فيها حفتر قرب انطلاق عملية تحرير درنة، إذ أعلن ذلك في أغسطس / آب 2016، وكذلك في أغسطس 2017".
ولفت الجافل إلى أن "حفتر ذكي، ومن المستحيل أن يغامر بدخول حرب كهذه، وهو يعلم أن جنوده منهكون من حرب السنوات الثلاث في بنغازي، كما أن ذخيرته لن تسعفه، ولا حتى طائراته المتهالكة التي سقط منها 9 بسبب قدمها".
ويتابع "درنة ورقة جديدة في يد حفتر، لأن هناك تصنيفا دوليا لمجلس شورى المجاهدين، بأنه إرهابي، لذلك يستخدم حفتر الآن ورقة درنة لكسب التأييد الدولي".
واعتبر الجافل أن السبيل الوحيد لتصديق قرب انطلاق معركة درنة، أمران لا ثالث لهما، الأول أن تكون المعركة بناء على ضغط من حكومة القاهرة، لأن مسلحي درنة يمثلون خطرا عليها، وبالتالي يجب على حفتر رد الجميل للرئيس المصري (عبد الفتاح السيسي) الداعم له".
أما الأمر الثاني المرجح لوقوع معركة درنة، فيتمثل، بحسب الجافل، في حصول حفتر على دعم دولي لوجستي سواء من مصر أو من غيرها.
ورجح أن يكون الدعم اللوجيستي لحفتر من القاهرة، لأن مسلحي درنة عدو كبير للنظام المصري القريب من درنة جغرافيا (تبعد نحو 300 كلم عن الحدود المصرية).
news_share_descriptionsubscription_contact
