أنقرة / افتخار جيلاني / الأناضول
- كان معروفًا باستراتيجيته السياسية الخلفية ومهاراته الإدارية
- كان مسلمًا مخلصًا، ومستودع لأسرار السياسة الهندية
- مواقفه الودودة، وطبيعته المتواضعة، وميله للبقاء بعيدًا عن دائرة الضوء لم يتطابق مع المكانة المرموقة التي اكتسبها في السياسة الهندية
- في عام 2008، أنقذ الحكومة من خلال إقناع القادة الاشتراكيين بأهمية إبرام الاتفاق النووي مع الولايات المتحدة
- كانت معارضة باتيل لاتفاقية سياشين بمثابة مسمار في نعش عملية السلام بين الهند وباكستان
- كان له دور في تمهيد الطريق لرحلة ناريندرا مودي إلى رئاسة الوزراء
خلف كل قائد ناجح، يقف رجل مقرب وكاتم للأسرار من وراء الكواليس، لا يمارس تأثيرًا خفيًا فحسب، بل يعمل أيضًا كحلقة وصل فعالة له مع العالم.
وفي الآونة الأخيرة، فقدت السياسة الهندية واحدًا من أهم رجالها المخضرمين، أحمد باتيل، الذي كان معروفًا باستراتيجيته السياسية الخلفية ومهاراته الإدارية.
انتهى إرثه السياسي، في 25 نوفمبر/ تشرين ثاني 2020، عن 71 عامًا بعد أن شغل منصب رئيس حزب المؤتمر المعارض الرئيسي في الهند لمدة عقدين، حيث وافته المنية بسبب فشل متعدد الأعضاء بعد قتال دام أكثر من شهر مع "كوفيد – 19".
وفي الفترة الممتدة بين عامي 2004 و2014، كان باتيل ذو تأثير بالغ في السياسة الهندية، لاسيما من خلال دوره في اختيار الوزراء، والترابطات السياسية، وكان الرجل الذي يقف وراء القرارات في البرلمان.
وبالنظر إلى نفوذه وسلطته، لم يتمكن أي مسلم حتى الآن من تحقيق مثل هذا المنصب البارز في السياسة الوطنية للهند على مدى 73 عامًا، أي منذ استقلال البلاد.
وكان باتيل مسلمًا مخلصًا، شوهد مراراً وهو يؤدي الصلاة في وقت متأخر من الليل في المسجد الواقع مقابل مجمع البرلمان الهندي مباشرةً.
وفي يوم جمعة، شوهد قبل الصلاة وهو يضخ الماء من بئر في فناء المسجد ويساعد المصلين للوضوء بعد أن انقطعت المياه عن الصنابير، ولم يكن أولئك الأشخاص يعرفون أن شخصًا قويًا في البلاد كان يضخ الماء لهم.
مواقفه الودودة، وطبيعته المتواضعة، وميله للبقاء بعيدًا عن دائرة الضوء لم يتطابق مع المكانة المرموقة التي اكتسبها في السياسة الهندية.
للوهلة الأولى، لم يظهر أبدًا أنه صانع ملوك.. خلال 10 سنوات من حكم حزب المؤتمر، كان هو السياسي المحنك، الذي يقرر تعيين الوزراء والمستشارين في حكومة رئيس الوزراء مانموهان سينغ، وتنصيب رؤساء الوزراء في المقاطعات ، واختيار المرشحين لخوض الانتخابات.
وكان أسلوب عمل "باتيل"، المعروف بأحمد بهاي في الدوائر السياسية في نيودلهي، متميزاً، حيث كان يدرس الملفات، ويبتكر الاستراتيجيات، ويجري المكالمات الهاتفية حتى صلاة الفجر.
وخدم عضوا في البرلمان ثماني فترات، ثلاث مرات في "راجيا سابها" مجلس الشيوخ، وخمس مرات في "لوك سابها" مجلس النواب.
ولد أحمد باتيل في 21 أغسطس/ آب 1949، في قرية "بيرمان" الواقعة في منطقة "بهاروش" في "جوجرات"، وأكمل بكالوريوس العلوم من كلية "Bharuch’s Jayendra Puri" عام 1976.
** مستودع الأسرار السياسية
ذات مرة عندما كان لدي موعد للقائه، رأيت رئيسة لوك سابها (مجلس النواب) ميرا كومار، ونائبة رئيس راجيا سابها (مجلس الشيوخ) ، وعدد قليل من الوزراء الآخرين ينتظرون خارج غرفته.. عندما دخلت، أخبرته أن رؤساء البرلمان ينتظرون في الخارج، معتقدين أنه ربما لا يعرف بوجودهم بعد.. لكن بابتسامة ساخرة، قال إنه "يمكنهم الانتظار إلى الأبد للعمل الذي يريدون مني القيام به".
ينتاب الصحفي شعور خلال لقائه لباتيل أنه في رحلة داخل مستودع لأسرار السياسة الهندية، حيث كان يقول في كثير من الأحيان إن هذه الأسرار سترافقه إلى قبره.
لكن إذا تمكن الصحفي من الحصول على السبق، فإنه إما أن ينفي أو يؤكد الخبر، حيث كان معروفاً عنه أنه لا يضلل الصحافة، حتى لو كانت الأخبار ضد مصلحته، حيث تعتبر كلمته الوحيدة "نعم" أو "لا" صحيحة.
وكان يجيب دائما على استفساراتي، إما عبر الهاتف أو يرسل رسالة بعد منتصف الليل فقط.
** إنقاذ باتيل للحكومة
عام 2008، عندما سحبت أحزاب اليسار دعمها لقضية توقيع اتفاق نووي مع الولايات المتحدة، تحولت الحكومة إلى أقلية، وسرعان ما تحركت المعارضة بحجب الثقة.
وكان من المتوقع أن يؤيد حزب "ساماجوادي الاشتراكي"، الذين يُنظر إليه على أنه مناهض للولايات المتحدة، الحركة ويسقطون الحكومة.
وهنا كان الأمر متروكًا لباتيل لإنقاذ الحكومة، التي رتبت اجتماعًا لقادة الحزب الاشتراكي "مولايام سينغ ياداف"، و"عمار سينغ"، مع الرئيس السابق "إيه بي جيه عبد الكلام"، الذي كان أيضًا عالمًا متميزًا.
وخلال الاجتماع حقق باتيل نجاحا كبيراً وتمكن من إنقاذ الحكومة بعد أن أحصى فوائد الاتفاق النووي الهندي الأمريكي للقادة الاشتراكيين، وبعد الانتهاء من الاجتماع، أعلنوا فوراً أنهم سيصوتون للحكومة.
ومنذ أن كان الكونغرس يقود حكومة ائتلافية بين عامي 2004 و2014، شوهد باتيل في جميع جلسات البرلمان تقريبًا، وهو يقنع الحلفاء والمعارضة التي تسعى للحصول على دعم لمشروع قانون معين، حيث كان من بين سلالة نادرة من السياسيين، الذين لم يغضبوا أبدًا، حتى لو لم تتم الموافقة على مقترحاته أو حتى لو تم استخدام كلمات قاسية ضده أو ضد زعيمه.
وعام 2004، عندما هُزمت الحكومة التي يقودها حزب "بهاراتيا جاناتا" في الانتخابات، أراد رئيس الوزراء المنتهية ولايته أتال بيهاري فاجبايي أن تواصل الحكومة الجديدة مبادراته الأربع - محادثات الشراكة الاستراتيجية مع الولايات المتحدة ، وعملية السلام مع باكستان، ومشروع ربط الأنهار، وإنشاء طرق سريعة تربط الجهات الأربع ببعضها البعض.
وباستثناء "ربط الأنهار"، استمر رئيس الوزراء الجديد آنذاك مانموهان سينغ في تحقيق جميع المشاريع بل ونقلها إلى مستويات جديدة.
وأثناء استمرار عملية السلام مع باكستان عام 2007 ، تقرر التوقيع على اتفاقية لتسوية قضايا حساسة، منها نهر "سياشين" الجليدي و منطقة "سير كريك" المتنازع عليهما بين البلدين النوويين.
وكان يسود الاعتقاد أنه من خلال تسوية هذه القضايا، سيتم خلق جو إيجابي للمساعدة في حل القضايا الأكثر صعوبة مثل جامو وكشمير والإرهاب وتمهيد الطريق لزيارة سينغ إلى إسلام أباد للتوصل إلى اتفاق شامل.
** معارضة اتفاقية "سياشين"
ولكن عندما وصل وزير الدفاع الباكستاني طارق وسيم غازي في فبراير/ شباط 2007 إلى الهند لوضع اللمسات الأخيرة على الاتفاقية، أعلن عن تنظيم انتخابات مجالس المحافظات في ولاية "أوتار براديش"، أكبر ولاية هندية، وبالتالي لم يحدث تقدم كبير تجاه حل الصراع.
من جهته، شكك باتيل أمام رئيس الوزراء سينغ من صحة قرار المضي قدمًا والموافقة على انسحاب القوات من مرتفعات سياتشن، ويقول المطلعون أن باتيل، قال آنذاك إن "حزب بهاراتيا جاناتا المعارض سوف يستغل هذا الموقف ويعمل من خلال عرض صور القوات التي تغادر المرتفعات الجليدية لتهميش الكونغرس".
مع استمرار هذا الاجتماع، وردت أنباء مفادها أن قائد الجيش الجنرال جوجيندر جاسوانت سينغ، الذي كان يقوم بجولة في ولايات شمال شرق البلاد، عارض الاتفاق علناً.
الخطوة التي شكلت مفاجأة كبيرة لسينغ، الذي كان قد سمع بنفسه موافقة قائد الجيش على الاتفاق، في اجتماع تم عقده قبل أيام قليلة للجنة مجلس الوزراء للأمن.
كانت معارضة باتيل لاتفاقية سياشين بمثابة مسمار في نعش عملية السلام بين الهند وباكستان.
وقالت مصادر مطلعة في الكونغرس إن "باتيل قدم توصية لسينغ بأن يعمل الحزب على بناء رأي عام إما لاتفاق نووي هندي أمريكي، أو من أجل عملية سلام مع باكستان، ليختار الأخير الاتفاق النووي".
يشار أن وزير الشؤون الخارجية الهندي الحالي سوبرامانيام جايشانكار، وهو دبلوماسي سابق، عمل بلا كلل من أجل إبرام الاتفاق النووي الهندي الأمريكي باستخدام اتصالاته في واشنطن.
وأراده سينغ أن يصبح وزيراً للخارجية في عام 2013، لكن يُقال أن باتيل عارض تعيينه على أساس أن الدبلوماسي القوي الموالي للولايات المتحدة لن يتماشى مع المثل العليا لحزب المؤتمر الحاكم.
وبالتالي تم تعيين سوجاتا سينغ وزيرة للخارجية، ومع ذلك، فقد أقالها رئيس الوزراء مودي في عام 2015 واستبدلها بجيشانكار، الذي لم يبق سوى أيام قليلة على تقاعده.
واندلع الخلاف بين الهند وباكستان حول منطقة "سياشين" عام 1948 في أول حرب من ثلاثة حروب بين البلدين، ويدعي كلا البلدين أحقيته بالمنطقة التي تمتد إلى الحدود الصينية.
** مهد الطريق لرحلة مودي إلى رئاسة الوزراء
منذ أن تولى الكونغرس السلطة عام 2004 من خلال تحالف من القوى العلمانية والليبرالية، الذين أصيبوا بالذعر من المذبحة المعادية للمسلمين في "غوجارات" عام 2002، كان العديد من قادة الأحزاب يضغطون من أجل بدء إجراءات جنائية ضد رئيس وزراء الولاية آنذاك ناريندرا مودي، لكن باتيل، الذي ينتمي أيضًا إلى ولاية غوجارات، تدخل وأكد على ضرورة التعامل مع "مودي" على أنه سياسي بارز، ما ساهم في تجاوز الأزمة، ومهد الطريق لصعود مودي إلى رئاسة الوزراء.
كان إخلاص أحمد بهاي لقائده، ونزاهته، وابتعاده عن الأضواء، وطبيعته المتواضعة، وتسامحه من السمات التي نادراً ما نراها هذه الأيام في أروقة السياسة والسلطة.
وداعا أحمد بهاي.. لتخلد روحك في سلام.. على حد قول الشاعر "محمد إقبال" (فيلسوف الإسلام وشاعره في الهند): "الغافلون يعتبرون الموت نهاية الحياة.. إلا أن غروب شمس الحياة الدنيوية .. هو ليس إلا بزوغ صباح الحياة الأبدية!".
-----------
** الآراء الواردة لا تعكس بالضرورة السياسة التحريرية للأناضول
news_share_descriptionsubscription_contact


