11 أكتوبر 2021•تحديث: 11 أكتوبر 2021
تونس/يسرى ونّاس/الأناضول
"حرية التعبير، التنقل، العمل السياسي"، مكاسب انتزعها التونسيون منذ ثورة 2011 بعد عقود من القمع والاستبداد، إلا أنه في ظل الوضع الاستثنائي (منذ 25 يوليو)، تصاعدت مؤشرات القلق في البلد الذّي نجح عربيا بتحقيق انتقاله الدّيمقراطي، رغم العثرات.
قلق يقابله حديث متكرر للرئيس قيس سعيد في مجمل خطاباته، بأنه لا خوف على الحريات، باعثا برسائل طمأنة حول ذلك.
إلا أن مراد العبيدي، المحامي وعضو "محامون لحماية حقوق الإنسان" (مستقلة/ تأسست بعد 25 يوليو) اعتبر أنّ "هناك حالة فزع تجاه ما يحدث في تونس من قرارات استثنائية تكاد تلغي كل الحقوق والحريات التي نص عليها الدستور".
وفي حديثه للأناضول، أضاف العبيدي أن "هذه التدابير تكاد توقف العمل بالدستور.. ونحن بصدد مشاهدة ما يحدث من مصادرة لحرية الكلمة ولعمل السياسي والنيابي".
ولفت إلى أنّ "العملية السياسيّة المتوقفة منذ فترة تشهد على هذا الهلع والخوف وأنّ ما تشهده الساحة القضائية من ملاحقة لبرلمانيين رغم تمتعهم بالحصانة مخيف ومفزع".
ومنذ 25 يوليو/ تموز الماضي، تعاني تونس أزمة سياسية حادة، حيث بدأ سعيد سلسلة قرارات منها تجميد اختصاصات البرلمان ورفع الحصانة عن نوابه، وإلغاء هيئة مراقبة دستورية القوانين، وإصدار تشريعات بمراسيم رئاسية، وترؤسه للنيابة العامة، وإقالة رئيس الحكومة، على أن يتولى هو السلطة التنفيذية بمعاونة حكومة.
وترفض غالبية القوى السياسية قرارات سعيد الاستثنائية، وتعتبرها "انقلابا على الدستور"، بينما تؤيدها قوى أخرى ترى فيها "تصحيحا لمسار ثورة 2011"، في ظل أزمات سياسية واقتصادية وصحية (جائحة كورونا)، وأطاحت هذه الثورة بنظام حكم الرئيس آنذاك زين العابدين بن علي (1987 ـ 2011).
وعقب إجراءات سعيد الاستثنائية، تم اتخاذ عدة قرارات شملت توقيف عدد من المحامين والنواب والإعلاميين، وأحيل عدد منهم على القضاء العسكري وهو ما اعتبرته هيئات حقوقية في تونس وخارجها مناف لشروط المحاكمات العادلة بصفتهم مدنيين.
وانتقد العبيدي تلك التوقيفات والملاحقات خاصة "ملاحقة الصحفيين ومصادرة كلمتهم التي ضمنها الدستور والمواثيق الدولية..".
وأكد أن "الكلمة مهما كانت تبقى حرة ولا يجب أن يتم تكييفها بالجريمة إلى درجة يصبح فيها الصّحفي أمام حكم قد يصل إلى الإعدام وفق التهم التي يتضمنها القانون الجزائي ومن بينها تهديد أمن الدولة".
في المقابل، لا يعتبر الباحث في القانون الدستوري رابح الخرايفي أن "هناك مساسا بالحقوق والحريات في تونس طالما أن التّعبير عن الآراء قائم وبكل حرية في كل المواضيع في كل وسائل الإعلام".
وفيما يتعلّق بحرية التعبير والصحافة أشار الخرايفي في حديثه للأناضول إلى أنه "من المفترض أن يرتكز الإعلامي على قوة المعلومة ودقتها ولكن ما يقع في تونس ينزع نحو السب والشتم".
وأشار إلى "استعارة قصيدة للشاعر أحمد مطر بعنوان جرأة والتوجه بها إلى شخص الرئيس قيس سعيد في إشارة إلى ما قام به صحفي قناة الزيتونة الخاصة عامر عياد الذّي تم إيقافه مؤخرا".
وفي حديثه للأناضول، اعتبر أنّ "الصحفي عندما يكون ملتزما بالضوابط الأخلاقية المهنية ويكشف معلومة دقيقة وجدية دون سب وشتم او افتراء فإنّ الجميع سيساندونه".
وتابع: "في اعتقادي ليس هناك مشكلة الآن أو تقييد للحريات .. وفي حال وُجد لقلت إن هناك منحى نحو تكميم الأفواه والاستبداد ولعارضنا ذلك بكل شجاعة".
**محاكمات عسكرية
وعلى صعيد آخر اعتبر العبيدي أنّ اللجوء إلى "القضاء العسكري من قبل سعيد لا يدل إلا على المحاكمة السياسية، ونحن اليوم أمام وجود توجه عالمي يهدف إلى منع محاكمة المدنيين أمام القضاء العسكري واقتصاره على الجرائم العسكرية فقط ."
ولفت إلى أنّ تونس وبعد ثورة 2011 صادقت على معاهدة جوهانسبيرغ التيّ تمنع مقاضاة المدنيين أمام القضاء العسكري."
وفي الشأن ذاته، أكد الخرايفي أنه "وفق قانون المرافعات العسكري والقانون الجزائي، فإنّ الجرائم التي تمس العسكر يعاقب عليها القانون العسكري لأنها تدخل في نطاق الجرائم العسكرية".
وأوضح أنّ "الرئيس وبصفته القائد الأعلى للقوات المسلحة فيحق له الاستناد للقضاء العسكري في ذلك."
** حرية التنقل
وفيما يتعلق بحرية التنقل، قال العبيدي: "أصادق على ما قاله سعيد سابقا بأن حرية التنقل لا يمكن المساس بها وهو حق كوني تضمنه المواثيق الدولية .. ولكن وقع المساس بهذا الحق".
وشدد على أنّ "حريّة التنقل من الحقوق الأساسية التي يجب أن يتمتع بها الإنسان عموما".
وأشار إلى أنّ "أكثر من مواطن وسياسي وبرلماني وقع منعه من مغادرة البلاد .. وهو ما لا يعني أننا احترمنا هذه الحقوق المقدسة والأساسيّة؟".
واعتبر أنه "ليس كل من وقع منعه من السّفر هو موضوع ملاحقة قضائية وهنا يكمن الإشكال".
وبين العبيدي أن "كل النشطاء والحقوقيين يشتكون منذ مدة من القيد الحدودي المعروف بـ "س 17".
وملحوظة "س 17" تعليمة أمنية كانت معتمدة خلال عهد الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي، لوصم كل من تحوم حولهم شبهة علاقة بتنظيمات إرهابية.
وهنا يرى الخرايفي أن "منع السفر والخضوع لملحوظة س 17 فهو غير قانوني وليس له سند قانوني".
وكان سعيّد وخلال زيارة إلى المطار منتصف شهر أغسطس/آب الماضي، شدّد على أن "حرية التنقل مضمونة بالدستور ولن يتم المساس بها اطلاقا"، مؤكدا أنها "تدابير استثنائية احترازية... تهم بعض الأشخاص المطلوبين لدى العدالة".
وبسؤاله عن تعرض رؤساء سابقين على غرار المنصف المرزوقي والباجي قائد السبسي للتندر وعدم تقديم قضايا ضد هؤلاء أجاب الخرايفي قائلا: "لو طبق حينها القانون لما حصل كل هذا التسيب الذّي نعيشه اليوم".
وأضاف: "فترة الفوضى لا يمكن الاحتجاج بها والرؤساء السابقون لم يمارسوا حقوقهم في ذلك".
ولفت إلى أنّ "تونس عاشت فترة فوضى وتسيب وكان يفترض حينها أن يتم تطبيق القانون وأن يمارس الرؤساء حقوقهم لإيقاف تلك الممارسات ضدهم ولو طبقوا ذلك لما وصلنا لدرجة تسيب مهولة جدا نعيشها الآن".