12 أكتوبر 2022•تحديث: 12 أكتوبر 2022
الجزائر / حسان جبريل / الأناضول
بعد أسابيع من زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، حلت رئيسة وزرائه إليزابيث بورن في الجزائر برفقة 16 وزيرا، في إطار ما يسمى "عهدا جديدا" و"شراكة جديدة" في العلاقات بين البلدين عقب فترات توتر.
وخلال زيارة دامت يومي الأحد والاثنين، كان برنامج بورن وطاقهما مكثفا، بدأته بوضع إكليل من الزهور على نصب الشهيد بالعاصمة الجزائر، والذي يخلد ذكرى ضحايا ثورة التحرير (1954 ـ 1962) ضد الاستعمار الفرنسي، في خطوة رمزية حول تجاوز رواسب الماضي.
وترأست بورن الأحد الدورة الخامسة للجنة الحكومية المشتركة مناصفة مع نظيرها أيمن بن عبد الرحمن، والتي توجت بتوقيع 11 اتفاقا ومذكرة تفاهم في مجالات الصناعة والتكنولوجيا والمؤسسات الناشئة والابتكار والفلاحة والتعليم العالي والبحث العلمي والعمل والسياحة .
** فصل الذاكرة والهجرة عن الاقتصاد
والاثنين، أشرفت بورن رفقة بن عبد الرحمن على افتتاح منتدى رجال أعمال البلدين، والذي بحث فرص شراكة بين مؤسسات الدولتين بحضور ممثلي 70 شركة فرنسية من مختلف القطاعات.
واختتمت بورن أول زيارة خارجية لها منذ تعيينها بلقاء الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، وصرحت في نهايته بأن "البلدين يسيران نحو شراكة متجددة ومستدامة".
وكانت زيارة بورن اقتصادية بحتة، وتعمد الجانب الفرنسي خلالها إبعاد الملفات التي كانت سببا في توتر دائم للعلاقات، مثل القضايا العالقة حول الحقبة الاستعمارية (1830 ـ 1962) ومسائل التأشيرة والهجرة غير النظامية.
ونقلت وسائل إعلام فرنسية عن بورن قولها مع وصولها الجزائر، إن "مسائل الذاكرة" أضحت من اختصاص لجنة مشتركة من المؤرخين ستناقشها دون عقدة بعد تنصيبها خلال أيام، أما قضايا التأشيرة وتنقل الأشخاص فهي محل مفاوضات بين وزارتي الداخلية بالبلدين.
لكن بن عبد الرحمن، أصر خلال كلمة في افتتاح اجتماع اللجنة الحكومية المشتركة، على القول إنه "في إطار مبدأ الصراحة الذي نتقاسمه، يبقى من الضروري بذل مجهودات أكبر للوصول إلى أحسن السبل لتسهيل حركة تنقل الأشخاص بين الجزائر وفرنسا".
وأضاف أن الشراكة المميزة والاستثنائية التي نتطلع إليها يجب ألا تصطدم بصعوبات من السهل تجاوزها، مثل مسألة منح التأشيرات أو الخريطة الأمنية المنجزة من قبل السلطات الفرنسية والتي لا تعكس بتاتا حقيقة جزائر اليوم.
وبشأن قضايا الحقبة الاستعمارية، أكد أنه يتمنى أن "يحقق مسعى تهدئة الذاكرة المشتركة مزيدا من التقدم بفضل لجنة المؤرخين، وكذلك بفضل انخراطنا الفعلي في تسوية القضايا الأخرى التي لا تقل أهمية كاسترجاع الأرشيف وتعويض ضحايا التجارب النووية وتطهير مواقع التجارب النووية في الصحراء الجزائرية، وتسليط الضوء على قضية مفقودي حرب التحرير الوطنية".
وسبق زيارة بورن بساعات اتصال هاتفي تلقاه تبون من ماكرون، قالت الرئاسة الجزائرية إنه تناول "العلاقات الثنائية، معربين عن ارتياحهما للتطور الإيجابي والمستوى الذي عرفته هذه العلاقات".
كما تطرق الرئيسان إلى "الاجتماع المهم للدورة الخامسة للجنة الحكومية الرفيعة المستوى الجزائرية ـ الفرنسية (...)، بالإضافة إلى تطورات الوضع في المنطقة"، بحسب الرئاسة.
** الاستثمار بدل التجارة
في سبتمبر/ أيلول 2021، شهدت العلاقات بين البلدين هزة كبيرة، إثر تقليص باريس حصة التأشيرات الممنوحة للجزائريين إلى النصف، بذريعة عدم تعاون الجزائر في إعادة مهاجريها غير النظاميين.
وفي خطوة تصعيدية ثانية، شكك ماكرون في أكتوبر/ تشرين الأول 2021، في وجود أمة جزائرية قبل الاستعمار الفرنسي للبلاد.
وعقب ذلك، اتخذت الجزائر إجراءات منها استدعاء سفيرها من باريس للتشاور، ومنع عبور الطائرات العسكرية الفرنسية الأجواء الجزائرية نحو مالي، وتقليص شحنات القمح المستوردة من فرنسا.
وفي الشق الاقتصادي عادة ما ينتقد الجانب الجزائري إحجام الشركات الفرنسية عن إطلاق استثمارات كبيرة في البلاد والتركيز فقط على تصدير المنتجات والعمل التجاري.
ولمح بن عبد الرحمن إلى هذه القضية، خلال اجتماع اللجنة المشتركة، بتأكيد أنه "من المهم جدا أن تتوجه مؤسساتنا نحو تثمين الجوانب المتعلقة بتحويل الخبرة والمعرفة وكذا التدريب والتكوين".
ومخاطبا نظيرته الفرنسية تابع: "اسمحوا لي أن أؤكد لكم أن التجارة بمفردها لا يمكن أن تكون أساس علاقة اقتصادية طويلة المدى".
وخلال السنوات الماضية، فقدت فرنسا مركزها في صدارة المصدرين إلى الجزائر والذي احتكرته لعشرات السنين، وذلك لمصلحة الصين.
كما تراجع التبادل التجاري بينهما من نحو 19.5 مليار دولار في 2007، إلى 2.6 مليار في 2021.
وفي 2018، أزاحت تركيا فرنسا من صدارة أكبر الدول من حيث حجم الاستثمارات في الجزائر بقرابة 5 مليارات دولار.
وتوجت زيارة ماكرون إلى الجزائر، في 27 أغسطس/ آب الماضي، بتوقيع البلدين "إعلان الجزائر من أجل شراكة متجددة"، ويتضمّن ستة محاور للتعاون في قطاعات عديدة والتشاور السياسي بشأن القضايا الإقليمية والدولية.
وعن مستقبل التعاون بين البلدين في ظل ما تُسمى ديناميكية جديدة في العلاقات الثنائية، قال وزير الخارجية الجزائري رمطان لعمامرة، في مقابلة مع مجلة "لوبينيون" الفرنسية نُشرت الأحد، إن "الهاجس الأكبر هو المحافظة على زخم العلاقات بسبب الملفات التي كانت وراء التوتر في كل مرة".
وأضاف أن محادثات تبون وماكرون الأخيرة سمحت بوضع "رؤية مشتركة لعلاقات ثقة هادئة وتقوم على الاحترام والمنفعة المتبادلة".
وشدد لعمامرة على أن الجزائر "منفتحة على كل فرص الشراكة مع فرنسا سواء في مجالات استغلال الثروات الطبيعية أو التطوير التكنولوجي وكذا المسائل الطاقوية والجيوسياسية".