تونس / عادل الثابتي وآمنة اليفرني / الأناضول
* رئيس المجلس الوطني التأسيسي السابق مصطفى بن جعفر، للأناضول:
ـ نحتاج إلى حوار واسع ومباشر فالمواضيع التي ستُطرح دقيقة جدا وبحاجة لنقاشات مطولة للبت فيها والاستماع لآراء الخبراء
ـ رغم الأزمة التي تمر بها الديمقراطية التمثيلية، فإن البلدان التي يُعترف بأنها ديمقراطية هي مجتمعات منظمة بوسائط وجلها حزبية
ـ إطلاق تهم الفساد بشكل غامض ومطلق لا يفيد.. ويجب عدم إقصاء أي طرف من الحوار طالما يؤمن بالثورة والدستور والسيادة الوطنية
ـ الأنظمة الرئاسية تفتح الباب أكثر أمام الأزمات والتسلط.. أنا مع النظام البرلماني، لكن ليس مهما أن يكون النظام برلمانيا أو رئاسيا، المهم أن يكون ديمقراطيا
ـ مساندتي للإجراءات الاستثنائية تستهدف الدفع إلى إنجاحها باعتبارها عملية تصحيحية وليست تأسيسية، ولا بد من تحديد سقف زمني
ـ من يقول إن حركة "النهضة" وحدها تتحمل مسؤولية الأزمة يريد تحويل الأنظار عن مسؤوليته.. وعلى الحركة إجراء نقد ذاتي لإيقاف نزيف ناخبيها واستعادة مكانتها
ـ موقف بعض الدول العربية مما يجري في تونس "ليس حبا في سواد أعيننا" وأملي ألا ندخل في معركة المحاور الدولية
دعا مصطفى بن جعفر، رئيس المجلس الوطني التأسيسي السابق في تونس (برلمان مؤقت بين 2011 و2014)، إلى حوار وطني "واسع ومباشر" لمعالجة الأزمة الراهنة ببلاده، في ضوء الإجراءات "الاستثنائية" للرئيس قيس سعيد.
ومنذ 25 يوليو/ تموز الماضي، تعاني تونس أزمة سياسية حادة، إثر اتخاذ سعيد إجراءات استثنائية منها: تجميد اختصاصات البرلمان ورفع الحصانة عن نوابه، وإصدار تشريعات بمراسيم رئاسية، وإقالة رئيس الحكومة، على أن يتولى هو السلطة التنفيذية بمعاونة حكومة عَيَّنَ رئيستها.
وشدد "بن جعفر" (81 عاما)، في مقابلة خاصة مع الأناضول، على أنه "لا ديمقراطية دون أحزاب"، وأنه مع إجراءات سعيد الاستثنائية، "لكن لا بد لها من تسقيف (تحديد سقف) زمني".
وغالبية القوى السياسية في تونس ترفض إجراءات سعيد، وتعتبرها "انقلابا على الدستور"، بينما تؤيدها قوى أخرى ترى فيها "تصحيحا لمسار ثورة 2011"، التي أطاحت بنظام الرئيس الراحل زين العابدين بن علي (1987 ـ 2011).
** حوار واسع مباشر
وقال "بن جعفر" إن "الحوار ضروري، ولا بد أن نشرك أوسع ما يمكن تشريكه، واستعمال المنصات (الإلكترونية) له محدوديته، لأن الإنترنت لا يغطي كامل التراب التونسي، وكذلك استعمال المنصات محدود من حيث النجاعة؛ لأنه إذا لم يكن لقاء وحوارا مباشرا فستكون النتائج متواضعة".
وأوضح أن ما يعنيه هو إجراء حوار ناجح يشرك أوسع ما يمكن من الطيف السياسي، وإيجاد السبل اللازمة لاستقطاب وإقناع الشباب بالمشاركة في الحوار والحياة السياسية عموما.
وتابع: "الحوار المباشر سيكون أكثر نجاعة، كما أن المواضيع التي ستُطرح دقيقة جدا وتحتاج لنقاشات مطولة للبت فيها والاستماع لآراء التقنيين والخبراء".
وتساءل: "من سيشرف على المؤتمر الوطني الذي تحدث عنه سعيد للبت في المقترحات وتأليفها (؟)".
** لا ديمقراطية دون أحزاب
وبشأن عدم إشارة سعيد إلى الأحزاب في حديثه عن الحوار الذي يرتب له، شدد "بن جعفر" على أنه "لا ديمقراطية دون أحزاب إلى أن يأتي ما يخالف ذلك".
وأردف: "بودي أن يقع الحوار على أسس علمية واضحة، انطلاقا من التجارب المقارنة، بالاستماع إلى المختصين في كل الميادين، حتى نعلم إذا كان ما سنطرحه للنقاش موجودا في ناحية من نواحي العالم، حتى نطلع على نتائجه وسلبياته وإيجابياته".
وزاد بأنه "إلى الآن، رغم الأزمة التي تمر بها الديمقراطية التمثيلية، فالبلدان التي يُعترف بأنها ديمقراطية هي مجتمعات منظمة بوسائط وجلها حزبية وتنظيمات المجتمع المدني".
** من "الفاسدون"؟
وبشكل متكرر، يطلق سعيد اتهامات بالفساد، ويعلن رفضه إجراء حوار مع من يعتبرهم فاسدين.
وهو ما علق عليه "بن جعفر" قائلا: إن إلقاء التهم بشكل غامض ومطلق دون توضيح لا يفيد، وبودي أن نكون أكثر دقة في طرح هذه المسائل.
وأضاف: "عندما يقول (الرئيس) لن أتحاور مع الفاسدين، لا أحد ضد ذلك، لكن من هم الفاسدون، اليوم على الرئاسة ضبط (تحديد) معايير من يساهم في الحوار بطريقة موضوعية".
وتابع: "لا أرى مبررا لإقصاء طرف من الحوار يستجيب لهذه المقاييس، مقاييس الإيمان بالثورة الإيمان بالدستور الإيمان بالسيادة الوطنية، وليس من الصعب تطبيق هذه المقاييس للقيام بنوع من الفرز".
واستطرد: "لا يمكن أن يكون الفرز بإقصاء المؤسسات المهمة، فالمنظمات الوطنية على غرار اتحاد الصناعة والتجارة واتحاد الشغل واتحاد الفلاحين، هذه مؤسسات وطنية ولها تاريخها ودورها الأصلي في تحديد ملامح المستقبل".
** مع النظام البرلماني.. ولكن
ووفق منتقدين، فإن إجراءات سعيد الاستثنائية عززت صلاحيات الرئاسة على حساب البرلمان والحكومة، وإنه يريد تغيير الدستور للنص على نظام حكم رئاسي.
لكن "بن جعفر" قال: "بالطبع أنا مع النظام البرلماني الذي حمانا من نظام استبدادي والانفراد بالحكم، ولكن البشر يتطورون ويتغيرون والمجتمعات تتطور".
واستدرك: "ليس المهم أن يكون النظام برلمانيا أو رئاسيا، ونحن نعرف أن الأنظمة الرئاسية تفتح الباب أكثر إلى الأزمات وإلى التسلط، وهذا معروف ويؤكده التاريخ".
وأكمل: "المهم هو أن يكون (النظام) ديمقراطيا يتم فيه التفريق بين السلطات والتوازن بين السلطات، ونحن نرى حتى في النظام الأمريكي، الذي يُطرح مثلا في النظام الرئاسي، لهم الكونغرس يمكنه إيقاف كل شيء، بما في ذلك الجرايات (الرواتب)".
وزاد: "المطلوب اليوم هو الخروج من فترة الهيجان، لأن القضية مصيرية للأجيال القادمة وبالنسبة للشباب لنسلمهم أداة لا تكون سببا في أزمات مقبلة".
ورأى أن "القضية ليست بسيطة، ما سنتحاور حوله هو مصير الأجيال القادمة، تشريك الشباب لا شك أنه ضروري.. تشريك القوى التي تتكون من الشباب وغير الشباب ومن الأحزاب ومنظمات المجتمع المدني أمر ضروري أيضا، لأن المسألة تهم الجميع".
** تصحيح مسار وليس تأسيسا
وملاحظات "بن جعفر" حول الحوار الذي يدعو إليه سعيد لا تنفي مساندته للإجراءات التي اتخذها الرئيس منذ 25 يوليو.
وقال "بن جعفر": "موقفي المساند للإجراءات الاستثنائية التي اتخذها الرئيس لا يُفهم إلا في إطار الدفع إلى إنجاح هذه العملية الاستثنائية، باعتبارها عملية تصحيحية وليست تأسيسية".
وأضاف أن "المسألة التأسيسية أتت بها ثورة 17 ديسمبر (كانون الأول 2010) 14 يناير (كانون الثاني 2011)، ثم جاء بعدها الدستور، وكان مطلبا شعبيا، والرئيس سعيد كان حاضرا في اعتصام القصبة 1 (يناير 2011) والقصبة 2 (فبراير/ شباط ـ مارس/ آذار 2011)، الذي أتى بالمجلس الوطني التأسيسي، لكن للأسف وقع الالتفاف على الدستور".
وأعرب "بن جعفر" عن أمله أن "يقع الجدل حول الأسلوب في الانتخاب والأسلوب في الوصول إلى المؤسسات الوطنية في جو هادئ لا في جو تشنج حيث تطغى العاطفة".
وتابع: "الإجراءات الاستثنائية هي فترة، من ناحية كل شيء فيها ممكن وتعد فترة دكتاتورية دستورية عند المختصين، ومن ناحية أخرى حتى يطمئن الشعب وكل مكونات المجتمع لا بد من تسقيف هذا الزمن (تحديد سقف زمني لهذه الإجراءات)".
وأردف: "حتى نعلم إلى أي مدة ستتواصل هذه الفترة الاستثنائية، وحتى نعود إلى الوضع العادي، وهو احترام المؤسسات واحترام الدستور إلى أن يأتي ما يخالف ذلك، وما هو مطلوب من حساسية مهمة (قطاع مهم من الشعب)، وهو تعديل الدستور".
ورأى أن تأييد قطاع من الشعب لسعيد هو تأييد آني، يمكن أن يتغير إذا لم يلمس التونسيون تحسنا في الوضع الاجتماعي والمادي.
** ليست مسؤولية "النهضة" وحدها
وعن توصيفه للوضع في بلاده، قال "بن جعفر" إن "الأزمة في تونس، في غياب المحكمة الدستورية (حالت خلافات دون تشكيلها)، هي أزمة سياسية بالأساس لا دستورية"، داعيا إلى إعادة هيكلة المنظومة الحزبية والسياسية.
وأردف أن "التقييم يكون هادئا وموضوعيا، ولا يمكن تحميل طرف واحد كل مظاهر الأزمة".
وتابع: من يقول إن حركة "النهضة" (إسلامية ـ صاحبة أكبر كتلة برلمانية) وحدها تتحمل مسؤولية الأزمة "يريد تحويل الأنظار عن مسؤوليته، ولسنوات نسي الناس أنه بين 2014 و2019 كانت المؤسسات الثلاث (الرئاسة ورئاسة الحكومة ورئاسة البرلمان) بيد عائلة فكرية وحزبية واحدة (حزب "نداء تونس")".
واستدرك: هذا "لا ينفي أن النهضة كانت في كل المحطات داخل المنظومة، وهذا يطرح مسألة النقد الذاتي لكل الأطراف، والنهضة مسؤوليتها واضحة وجلية ولا بد للحركة أن تقوم بالشجاعة المطلوبة (للنقد)، دون الوقوع في جلد الذات، لإيقاف نزيف ناخبيها واستعادة مكانتها على الساحة السياسية".
** "حوار الصم" مع المؤسسات الدولية
وحول مواقف دول الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، قال "بن جعفر" إنه "من الطبيعي أن يصدر شركاؤنا التقليديون مواقفهم مما يحدث في تونس، فاقتصادنا مرتبط في 70 في المئة بالاتحاد الأوروبي".
ورأى أن "الرئيس سعيد هو تعبير عن نموذج رافض لكل النماذج التقليدية التي سلكناها قديما، وحجته قوية اليوم، لأن هذه المنظومة فشلت بكل المعايير، فالبلاد في السنوات الـ10 الأخيرة وصلت إلى وضع لم تصله سابقا".
وتابع: "المؤسسات الدولية تعمل على نموذج مغاير تماما عن النموذج الذي يشتغل عليه الرئيس سعيد، وما دام سوء التفاهم هذا متواصلا، سيكون حوار الصمّ وسيتواصل".
ومضى بالقول: "عندما نتعامل مع المؤسسات الدولية لا بد من ناحيتنا، وهذا مطلوب من القيادة، أن نتعرف على أي معايير نتحرك، حتى لا نجعل من هذه المؤسسات خصوما أو أعداء".
وشدد على أن "السيادة الوطنية وقوة البلاد لا تأتي إلا من انسجام التونسيين والتفافهم حول مشروع ومبادئ أخلاقية وسياسية".
وزاد بأن "الدول الغربية تفكر في مصالحها، وعندما تستقر الأوضاع في البلاد لا أرى (أتوقع) أن تستمر المؤسسات الدولية في هذا الموقف السلبي".
** انسجام مع مواقف دول عربية
وبشأن مواقف السعودية والإمارات ومصر المساندة لما يجري في تونس، قال "بن جعفر": "هناك موقف (تونسي) ينسجم مع موقف هذه الدول من قضية الإسلام السياسي"، في إشارة إلى ما يتردد عن انسجام في الموقف من حركة "النهضة" بين سعيد ودول عربية.
لكنه اعتبر أن "هذا الموقف (من تلك الدول) ليس حبا في سواد أعيننا، بل هو موقف منسجم مع المواقف السابقة".
وختم بقوله: "أملي ألا ندخل في معركة المحاور الدولية، لأن قوة تونس في دبلوماسيتها، فهي دائما كانت صديقة للجميع".
news_share_descriptionsubscription_contact
