غزة/ هاني الشاعر، نور أبو عيشة/ الأناضول
- يمارس فلسطينيون مهنة صيد الطيور في المناطق الحدودية، قرب السياج الأمني الفاصل بين شرق قطاع غزة وإسرائيل
- الصيّاد محمد عمّار، استشهد الخميس، برصاص إسرائيلي وهو يمارس مهنة الصيد قرب الحدود الشرقية لوسط القطاع
- تنشط مهنة صيد الطيور المهاجرة في فصل الخريف، وتشكّل مصدر رزق لعشرات الفلسطينيين، مع انعدام فرص العمل
بعد صلاة فجر الخميس الماضي، تجهّز الفلسطيني محمد عمّار (41 عاما)، لينطلق في رحلة صيد الطيور المُهاجرة، التي يقضيها في المنطقة الحدودية قرب السياج الأمني الفاصل بين قطاع غزة وإسرائيل.
اعتاد عمّار في رحلته ارتداء حقيبة ظهر، يضع فيها بعض الطعام الذي يعينه في قضاء ساعات الصيد الطويلة، في منطقة بعيدة نسبيا عن مكان سكنه في مخيم البريج للاجئين (وسط)، إلى جانب بعض الأدوات التي تساعده في غرز الشِباك أرضا، ونصبها في المنطقة.
هذه الرحلة انتهت سريعا، بعد ساعات قليلة، بإعلان وزارة الصحة الفلسطينية، استشهاد الصيّاد "عمّار"، برصاص الجيش الإسرائيلي المتمركز على الجانب الآخر من السياج، والذي أصابه في رقبته.
وتعدّ هذه الهواية، التي مارسها عمّار منذ أن كان بعمر 12 عاما، مصدرا للرزق بالنسبة له، في ظل أوضاع اقتصادية متردية، تعيشها عائلته، كما قال ابن عمّه "محمد"، لوكالة الأناضول.
وحتّى لحظة استشهاده، كان عمّار المعيل الوحيد لعائلته المكوّنة من 8 أشخاص؛ أصغرهم بعمر 4 سنوات.
وكان عمّار يعمل موظفا في بلدية مخيم "البريج"، في مهنة "كاتب عداد"، ويتقاضى راتبا لا يكفي لتلبية احتياجاته الأساسية، بحسب ابن عمّه.
ومع بداية فصل الخريف، وبدء موسم هجرة الطيور من المناطق الأوروبية الباردة بحثا عن الأجواء الدافئة، قرر عمّار أن يطلب إجازة "رسمية" من عمله في البلدية، تمتد إلى 4 أيام، للتفرّغ لصيد الطيور.
وكان عمّار يأمل أن يصيد كميات وفيرة من الطيور المُهاجرة، كي يبيعها لاحقا، ويستفيد من ثمنها في تلبية بعض الاحتياجات التي يطلبها أطفاله، لكنّ رصاصة قنّاص إسرائيلي لم تمهله طويلا، وتسببت بمقتله فورًا.
** مهنة المخاطر
ورغم المخاطر التي تحملها مهنة صيد الطيور في المناطق الحدودية، إلا أن الإقبال عليها ما زال مستمرا، بسبب شحّ فرص العمل في قطاع غزة وتردّي الأوضاع الاقتصادية، وارتفاع نسبة البطالة التي وصلت بحسب إحصائيات رسمية إلى 45 بالمئة.
هذه المهنة، ورغم التحديات التي تواجهها، تٌشكّل مصدر رزق "مؤقت"، للعشرات من العائلات، حيث توفر لهم لقمة عيش "موسمية".
ولا يبدو أن حادث مقتل "عمار" قد أدى إلى استنكاف الصيادين عن التوجه للمنطقة الحدودية، بهدف الصيد، رغم درايتهم المُسبقة أنهم قد يفقدون أرواحهم جرّاء ممارسة هذه المهنة.
الشاب محمد النجّار (22 عاما)، الذي يمارس مهنة الصيد منذ 4 سنوات، يخرج مع حلول الساعة السادسة من صباح كل يوم، إلى المنطقة القريبة من السياج الأمني شرقي مدينة خانيونس، لاصطياد الطيور رفقة أصدقائه.
هذه المنطقة، التي يصلها النجّار وأصدقاؤه، تعدّ الأكثر ملائمة لصيد الطيور المهاجرة، بمختلف أشكالها وأنواعها؛ كونها خالية من السكان، وتتوفر فيها بعض النباتات والأعشاب التي تقصدها الطيور.
وتنشط مهنة صيد الطيور، بحسب قول النجّار لـ"الأناضول"، في الفترة الممتدة بين شهري سبتمبر/ أيلول ويناير/ كانون الثاني، من كل عام.
** وقت للمراقبة
بهدوء وحذر شديدين، يسير "النجّار" وأصدقاؤه، نحو مسافة تبعد عن السياج الأمني حوالي 100 متر، لتثبيت شباك الصيد، وتعليق أقفاص خشبية فيها بعض الطيور؛ والتي تستخدم لجذب الطيور والإيقاع بها.
وما أن ينتهي من ذلك، يجلس الأصدقاء لمراقبة الشباك، التي تحمل اللون الترابيّ، علّها تنجح في التمويه واصطياد أعداد جيّدة من الطيور.
بينما يتبادلون الأحاديث، ويتناولون طعام فطورهم، يسترق "النجّار" النظر إلى شِباكه كلّما علا صوت الطيور الموجودة داخل الأقفاص الخشبية.
لكن هذه النظرات تتشتت صوب السياج الأمني، خشية مرور دورية عسكرية إسرائيلية أو آلية تُطلق النار، أو قنابل الغاز نحوهم، كما حدث في مرات عدة.
لذا يتوجب على الصيادين، وفق النجّار، أن يكونوا شديدي الانتباه في هذه المنطقة، للنجاة بأنفسهم من أي اعتداء إسرائيلي.
ورغم تخوفاته من أن يكون ضحيّة جديدة للاعتداءات الإسرائيلية، كما حدث مع "عمّار"، إلا أن "النجار" لن يغادر هذه المهنة، التي توفّر له مصدرا وحيدا للرزق.
لكنه يستدرك: "الظروف الأمنية في المنطقة الحدودية تتحكم في أوقات هذه المهنة، حيث يشكّل الهدوء فترة مناسبة للصيد، إلا إذا تعرّضنا لإطلاق نار مفاجئ ما يدفعنا إلى الانسحاب بسرعة، ذلك إن أخطأنا الرصاص الإسرائيلي".
ويتفادى النجّار، وأصدقاؤه، خلال فترة مراقبتهم للشباك، القيام بأي حركات مُريبة قرب السياج الأمني، لتفادي إطلاق النار صوبهم من القوات الإسرائيلية التي تراقب تلك المنطقة، ليل نهار.
ويقول إنه غير قادر على الحصول على مصدر آخر للرزق، في ظل ارتفاع نسبة البطالة بغزة، فتعدّ هذه المهنة الموسمية، شبه أساسية في حياته.
ويبيع النجّار ما يصطاده من الطيور، للسكان، بحيث يتراوح سعر الواحد منها بين (3 إلى 60 دولارا أمريكيا)، مشيرًا إلى أن أعلى الطيور ثمنا هو "الحسّون".
** خوف وقلق
ويشترك الصياد خالد النجّار (28 عاما)، مع رفيقه "محمد"، في الشعور بالقلق من تعرضهم للقتل على يد الجيش الإسرائيلي، على غرار الصياد "عمّار".
النجّار، يعمل منذ سنوات في هذه المهنة، التي يعرف جيدا أنها محفوفة بالمخاطر، وقد يفقد على إثرها حياته، كما يقول لـ"الأناضول"، لكنه وفي ظل انعدام فرص العمل، لم يجد مهنة غيرها تساعده في إعالة أسرته.
وخلال فترة مراقبة الشباك، قرب الحدود، يأمل النجّار أن يحظى بـ"صيد أي عصفور لبيعه، والاستفادة من ثمنه، لتوفير بعض الاحتياجات الأساسية".
لكنّه يبقى حذرا، يجول بنظره يمينا ويسارا، لمراقبة الحدود وحركة الجنود الإسرائيليين هناك.
وبسبب المخاطر، فإن عائلة النجّار تحاول ثنيه عن التوجّه لصيد الطيور، في المناطق الحدودية، خشيةً على حياته؛ خاصة بعد حادثة استشهاد "عمّار".
لكنه يحاول طمأنة العائلة، ويصرّ على التوجّه لهذا العمل، الذي يشكّل مصدرا أساسيا لرزقه، ويختم حديثه قائلًا وعيناه تراقبان الشريط الحدودي: "الأعمار بيد الله".
news_share_descriptionsubscription_contact
