غزة/ محمد أبو دون/ الأناضول
بخطى متثاقلة، سار محمود عيد في الطريق الرابطة بين مسجد "القسام" الواقع بقلب مخيم النصيرات وسط غزة والمقبرة، للمشاركة في تشييع جثامين عددٍ من الضحايا ممن لقوا مصرعهم في حريق هائل نشب بسوق المخيم قبل يوم.
والخميس، أعلنت وزارة الصحة بالقطاع مصرع 10 أشخاص، وإصابة 57 آخرين، بينهم 22 إصابة خطيرة، جراء حريق كبير اندلع في سوق مخيم النصيرات.
فيما أوضحت وزارة الداخلية والأمن بغزة أن "النتائج الأولية للحريق كشفت أنه ناجم عن تسرب للغاز داخل أحد المخابز (..) تلاه انفجار لعدد من أسطوانات الغاز، وامتد إلى المرافق والمحلات الملاصقة".
وفي حديث للأناضول، يقول محمود عيد الذي فقد اثنين من أبناء عائلته جراء الحريق، إن "الفاجعة كبيرة جداً، والجميع متأثر بالفقد والمصاب الجلل الذي لا زالت ملامحه بادية على كلّ سكان المخيم حيث افتُتحت بيوت للعزاء في معظم شوارعه".
وأضاف أن المفقودين من أبناء عائلته طفلتان صغيرتان؛ ريتال التي لا يتجاوز عمرها الثلاث سنوات، فيما يبلغ عمر سالي 16 عاماً فقط، حيث كانتا في السوق برفقة ذويهما الذين أصيبوا خلال الحادث، لشراء بعض الحاجيات واللوازم المنزلية.
صدمة قال إن وقعها كان على مجمل العائلة كالصاعقة، ولا زالوا حتّى هذه اللحظة يحاولون السيطرة على نفسية الأم والأب، اللذين فقدا بطرفةِ عينٍ اثنين من أبنائهما بطريقةٍ يصعب على العقل البشري تقبلها.
** انهيار وحزن
داخل المقبرة، كان يقف عدد من الشباب إلى جانب صديقهم أحمد حمدان، يحاولون مواساته وضبط أعصابه وتصرفاته، للسيطرة على الحالة الصعبة التي دخل فيها بمجرد معرفته بفقده أمّه وأخته الأصغر لينا في الحريق.
بشتى الطرق، كان يحاول الجميع تهدئة روع أحمد البالغ من العمر (19 عاماً)، والذي لم تفارق الدموع عينيه، ولم ينطق لسانه خلال الجنازة والدفن سوى بعبارة "بحبك يمّا، وين روحتي وتركتيني (أحبك أمي، إلى أين ذهبت وتركتني)".
يقول الشابّ علي العدوي، وهو من أبناء المخيم وأحد أصدقاء أحمد، للأناضول: "علمت أنّ أحمد كان وقت وقوع الحادثة يجلس داخل بيته القريب من منطقة السوق، وفجأة سمع انفجارات وصراخ الناس الذين كانوا يركضون ناحية السوق، فعلم وقتها أنّ كارثة قد وقعت".
وأضاف العدوي أنّ صديقه خرج فوراً إلى المكان، وكان يعلم المحل الذي ذهبت أمه برفقة أخته لشراء بعض الحاجيات منه، وهناك وجد المحل المقصود مشتعلا بالكامل، فأخذ يصرخ بصوتٍ عالٍ "أمي وأختي بالداخل"، وحاول الدخول لإنقاذهما، إلّا أن الناس منعوه لخطورة الوضع.
استمر أحمد بصراخه الذي كان يزداد كلما ارتفعت ذروة النار قليلاً، إلى أن وصلت قوات الدفاع المدني، وحاولت إخماد الحريق، ليرى الشابّ بعد ذلك المشهد الذي لا زال يسيطر عليه حتّى الآن، إذ أنّه تم أمام عينيه إخراج جسدي أمه وأخته وقد تفحما بالكامل، وفارقا الحياة إلى الأبد.
وعن الوضع العام للمخيم غداة الحريق، يروي العدوي أنّه خرج منذ الصباح لمنطقة الحادثة ورأى هناك الناس بوجوه شاحبة، غير مقبلين على التسوق وشراء الطعام ليوم الجمعة كما جرت العادة، لأنّ الجميع يدرك حجم الألم والمصيبة الواقعة على الأهالي وأصحاب المحلات.
** "عدي" الشاب المرح
فريد أبو يوسف، رجل ستيني فقد خلال الحادثة ابن أخيه البالغ من العمر (19 عاماً) وفُجع بإصابة أخيه الخطرة، التي حُول على إثرها للعلاج في داخل مستشفيات الضفة الغربية، قال لمراسل الأناضول إنّ العائلة خسرت كثيراً بفقدانها للشابّ النشيط والمميز عدي.
ويذكر أبو يوسف أنّ عدي كان وقت الحادث برفقة أبيه في مكان عمله بسوق النصيرات، حيث أنّ الأرض التي ضمت صهريج الغاز الكبير الذي سبب الانفجار تتبع ملكيتها لهما.
ويضيف: "يذهب الشابّ الذي أنهى دراسة الثانوية العامّة خلال العام الماضي ويدرس حالياً في الجامعة، بين الفترة والأخرى لمساعدة أبيه المسن في العمل، ليكونا قادرين على تأمين متطلبات الحياة لباقي أفراد الأسرة، التي تعاني الحصار (الإسرائيلي منذ 2006) كغيرها من عائلات القطاع".
أبو يوسف قال إنّ عدي كان دائم الابتسامة وشخصيته مرحة جداً، يساعد كل من يطلبه ولا يتأخر عن تقديم العون للمحتاجين، وكان على الدوام من أول المشاركين في الأفراح والأحزان، وعرف بين أبناء منطقته بمختلف الصفات الحميدة كذلك.
ويشير الستيني إلى أنّ الحادثة يجب أن تكون بمثابة ناقوس خطر، تدق أبواب كل شخص مسؤول عن متابعة معايير السلامة المهنية في الأماكن العامّة والمكتظة بالمواطنين، كتلك التي وقع فيها الانفجار، وسبب هذا العدد الهائل من الضحايا، على حدِ وصفه.
** "ذهبوا للتسوق"
إلى الشرق قليلاً من مخيم النصيرات، وتحديداً في معسكر "البريج"، شيّع الشاب حسن حسين ومعه مئات المواطنين من أبناء منطقته جثمان زوجته وطفلتيه الصغيرتين وشاب من أبناء عائلته.
ويقول في حديثٍ للأناضول: "أعطيت زوجتي قبل الذهاب للسوق مبلغ 200 شيكل (نحو 55 دولارا)، لشراء ملابس ومستلزمات أخرى، واتفقنا على أنّ تذهب برفقة الطفلتين ليان ومنال عند وقت الظهيرة؛ أي في الوقت الذي تعود فيه طفلتي من روضتها للمنزل".
ويتابع أنه تلقى خبر وجود انفجار في سوق النصيرات، حينما كان في مقر عمله، وعندها استبعد أن تكون زوجته قد خرجت من المنزل بعد، لم يهتم للأمر كثيراً، وبعد وقت قليل حاول الاتصال بها على هاتفها المحمول، ولم يجد تجاوباً؛ مما أدى لدخوله في حالةِ شك، خاصّة بعد أن تأكد من ذهابها للسوق.
ومضى يقول: "انتقلت على الفور باتجاه مكان الحادث لأطمئن، وهناك بحثت كثيراً فلم أجد أيًّ منهم، لكنّ احتمال وفاتهم لم يكن وارد لديّ نهائياً، وبعد مرور وقت، قررت البحث عنهم بالمستشفيات ضمن الإصابات، وحين وصلت لمستشفى "شهداء الأقصى"، دعاني أحدهم للتعرف على بعض الجثث في ثلاجة الموتى، وهناك وجدت زوجتي وابنتي".
ويختم بأنّ حياته بهذا الحادث "غير المتوقع" انقلبت رأساً على عقب، خاصّة مع وجود ابنته الثالثة "جنى" الصغيرة، التي تركتها الأم قبل ذهابها في المنزل لدى جدتها، حتّى لا تعيقها خلال التسوق وهي التي تبلغ من العمر عاما ونصف.
news_share_descriptionsubscription_contact
