إسطنبول / إسماعيل نعمان تيلجي / الأناضول
مرت 8 أعوام على إسقاط حكم الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك في 11 فبراير/ شباط 2011، إثر ثورة شعبية اندلعت في 25 يناير/ كانون الثاني من العام ذاته.
وآنذاك، كان إسقاط حكم مبارك يبدو أمرا مستحيلا خاصة أن الرجل رسخ قواعد حكمه على مدار 30 عاما قضاها في السلطة، إلا أن الثورة نجحت في تحقيق هدفها في خلعه خلال 18 يوما فقط، ليمنح هذا الحدث التاريخي الأمل بالنسبة لملايين المصريين الطامحين في إقامة نظام حكم ديمقراطي.
وبالفعل، ساهم تسلسل الأحداث خلال الفترة اللاحقة لإسقاط مبارك في خلق مزيد من التفاؤل بخصوص إمكانية إرساء نظام حكم ديمقراطي في البلاد، إلا أن هذا التفاؤل لم يدم طويلا؛ حيث أدى الانقلاب الذي قاده ضباط كبار في الجيش عام 2013، على محمد مرسي، أول رئيس مدني منتخب ديموقراطيا في مصر، إلى القضاء على آمال الديمقراطية في البلاد.
ومثلت تلك الخطوة، التي قادها وزير الدفاع -في ذلك الوقت-، عبد الفتاح السيسي، بداية النهاية لمرحلة ثورة 25 يناير.
في الواقع إن الانقلاب كان نتاجا لمرحلة طويلة؛ إذ كانت الأطراف الراغبة في إنهاء الربيع العربي تهدف للقضاء على عملية التحول الديمقراطي في الشرق الأوسط والعالم العربي من خلال السيطرة على نظام الحكم في مصر.
وفي هذا الإطار، نفذ السيسي عملية الانقلاب بدعم من أطراف إقليمية مثل الإمارات والسعودية، وعالمية مثل الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، لتعيش بذلك منطقة الشرق الأوسط نقطة تحول تاريخية مهمة للغاية.
واتخذ السيسي عقب الانقلاب مباشرة عددا من الخطوات في سبيل مأسسة نظامه القمعي.
إذ أعلن في البداية عدم نيته الترشح لرئاسة البلاد بهدف كسب تأييد الأطراف المحلية في مصر، لكنه بدأ من ناحية أخرى بإظهار إصراره على البقاء في السلطة.
وعقب التصويت بـ"نعم" بنسبة 98 بالمئة على الدستور الجديد في يناير / كانون الثاني 2014، ادعى السيسي أن هذه النسبة من الشعب المصري تؤيده، معلنا ترشحه لانتخابات الرئاسة.
وبالفعل، جرت لانتخابات الرئاسية المثيرة للجدل في مايو / أيار 2014، ونال فيها السيسي نسبة 96 بالمئة من الأصوات، ليصبح بذلك الرئيس الجديد لمصر.
وفي المرحلة اللاحقة، بات نظام السيسي عاجزا عن الوقوف في وجه أحداث الإرهاب المتزايدة بالبلاد، ومن جهة أخرى بدأ بزيادة الضغوطات على معارضيه؛ حيث شهد أزمة شرعية كبيرة نتيجة تعرضه لانتقادات شديدة من المنظمات الدولية بسبب انتهاكات حقوق الإنسان.
وسعى السيسي لتجاوز أزمة الشرعية بدعم من إسرائيل والولايات المتحدة والدول الغربية، كما عمل من ناحية أخرى على تحسين الوضع الاقتصادي في البلاد من خلال تلقي الدعم المادي من دول الخليج، وتوقيع اتفاقية جديدة مع صندوق النقد الدولي.
- إمكانية حكم السيسي مدى الحياة
من جانب آخر، لا يحمل السيسي صفة "القائد الكاريزماتيكي" التي كانت مقترنة بصور رؤساء مصر عبر التاريخ؛ حيث أدت شخصيته الضعيفة وغير المؤثرة إلى تحول مصر إلى دولة متعلقة بالأطراف الخارجية.
وقدمت الأطراف الخارجية بدورها كافة أنواع الدعم للسيسي لتعزيز بقائه في السلطة؛ ما ظهر مجددا خلال طرح موضوع التعديلات في دستور 2014، الأسبوع الماضي.
إذ اقترح عدد من النواب البرلمانيين المؤيدين للسيسي إجراء تعديلات على الدستور، ووافقت اللجنة العامة بالبرلمان، في 5 فبراير/ شباط الجاري، على إحالتها للبرلمان لمناقشتها.
وتشمل التعديلات مد فترة الرئاسة إلى ست سنوات بدلا من أربع، ورفع الحظر عن ترشح السيسي لولايات رئاسية جديدة.
وبهذا سيكون الطريق أمام السيسي ممهدا للاستمرار في الرئاسة حتى 2034، وبالأخذ بعين الاعتبار عدم إجراء انتخابات نزيهة وديمقراطية في البلاد، يمكن القول بأن السيسي قد يستمر في منصب الرئاسة مدى الحياة.
ولا يعتبر هذا الوضع جديدا على مصر؛ فقد استمر حسني مبارك في الرئاسة لمدة 30 عاما بين عامي (1981-2011)، حيث لم يكن الدستور في عهده يشترط عددا محددا للولايات الرئاسية.
فقد كان اختيار الرئيس يتم وفق المادة 76 من دستور 1971 (المعمول به آنذاك)، بأن يختار مجلس الشعب (الغرفة الأولى للبرلمان) مرشحا واحدا لرئاسة الجمهورية باقتراح من ثلث أعضائه على الأقل وبموافقة الثلثين على الأقل، ثم يعرض المرشح على الشعب في استفتاء عام.
وبما أن الحال هكذا، لم تجرِ في البلاد بين عامي (1981-2005) أي انتخابات رئاسية، وإنما نُظمت استفتاءت على مبارك بناءً على اقتراح من البرلمان، وفاز فيها جميعها بنسب عالية.
وفي هذا السياق، نال مبارك 98.5 بالمئة في استفتاء عام 1981، و97 بالمئة عام 1987، و96 بالمئة عام 1993، و94 بالمئة عام 1999.
ولاحقا لتلك الاستفتاءات، ونتيجة لضغوط من أنصار الديمقراطية في البلاد، تم تعديل المادة 76 من دستور 1971، بما يفتح الباب لتقدم أحزاب المعارضة والمجالس المحلية (كان يسيطر عليها الحزب الحاكم آنذاك) بمرشحين في انتخابات تعددية.
وتبعا لهذا التعديل، جرت انتخابات الرئاسة علم 2005. وآنذاك، تنافس أكثر من مرشح أمام مبارك كان أبرزهم المعارض السياسي أيمن نور، لكن مبارك فاز مجددا بحصوله على 88 بالمئة من الأصوات.
وكان من المقرر أن تجري الانتخابات التالية عام 2011، إلا أن تقدم مبارك في العمر، وظهور أنباء تشير إلى إمكانية ترشح نجله جمال للرئاسة ما اعتُبر "توريثا للحكم"، أدت إلى موجة غضب شعبية واسعة أفضت إلى ثورة 25 يناير وإسقاط الرئيس.
وعقب الثورة مضت مصر بخطى واثقة نحو الديمقراطية؛ حيث جرت انتخابات الرئاسة في فترة استحواذ جماعة "الإخوان المسلمين" على الأغلبية في البرلمان، في يونيو/ حزيران 2012، وفاز بنتيجتها مرشح الجماعة محمد مرسي بالرئاسة بفارق بسيط عن منافسه أحمد شفيق، عندما حصد 51.7 بالمئة من الأصوات.
وفي هذه المرحلة، بذل مرسي جهودا كبيرة نحو التحول الديمقراطي في النظام السياسي بالبلاد، إلا أنها لم تثمر نتيجة دعم الأطراف الإقليمية والدولية للانقلاب العسكري، بتاريخ 3 يوليو/ تموز عام 2013، والتي أسفرت عن خلع مرسي بعد عام واحد من توليه الحكم، ولتتحول معها البلاد إلى مرحلة قمعية أشد من فترة مبارك.
إذ تم تعليق مهام المؤسسات الديمقراطية في هذه المرحلة ومنها الدستور والبرلمان، وتحولت انتهاكات النظام لحقوق الإنسان إلى عملية اعتيادية، وأسفرت السياسات القمعية للإدارة العسكرية عن إطلاق القضاء أحكاما تعسفية بالسجن أو الإعدام بحق عشرات الآلاف من المدنيين المعارضين.
وبدأت البلاد تشهد مرحلة من القمع هي الأشد في تاريخها، وبعد انتخاب السيسي رئيسا عام 2014، ازداد القمع وأصبح يأخذ طابعا مؤسساتيا.
- دعم الغرب للانقلاب العسكري بدلا من الديمقراطية
ورغم إعلان السيسي أنه لا ينوي الترشح لفترة رئاسية ثانية، إلا أنه ترشح لانتخابات عام 2018 بذريعة التأييد الشعبي الكبير له، ونال 97 بالمئة من الأصوات في الانتخابات التي جرت في مارس/ آذار الماضي.
وقبل مرور عام واحد على تلك الانتخابات، أظهر السيسي نيته في الاستمرار في منصب الرئاسة لسنوات طويلة، من خلال طرح موضوع التعديلات الدستورية.
ووافقت اللجنة العامة في البرلمان المصري على اقتراح التعديلات الدستورية، بتاريخ 5 فبراير؛ ما يمهد لاستمرار السيسي في الرئاسة لسنوات طويلة.
الأمر اللافت للنظر في هذه المرحلة، عدم صدور أي ردود فعل من الدول الغربية بخصوص التعديلات الدستورية في مصر؛ إذ يعد صمت دول مثل ألمانيا وفرنسا وإيطاليا وبريطانيا والولايات المتحدة على وجه الخصوص، دليلا على معارضتها لإقامة نظام حكم ديمقراطي بالمعنى الحقيقي في مصر.
إن موقف الغرب من مأسسة النظام القمعي في مصر يظهر بأنه لا يؤدي دورا في نشر الديمقراطية في الشرق الأوسط، وإنما يسعى لنشر السلطوية والقمع.
في المحصلة، وبالنظر إلى الأحداث التي شهدتها مصر منذ إسقاط مبارك وحتى يومنا هذا، نرى بأن السياسات القمعية والضغوطات بالبلاد تزداد يوما عن يوم، مقابل انعدام كافة مبادئ الديمقراطية في ظل تقييد الحريات والحقوق وانتشار انتهاكات حقوق الإنسان.
----------------
* الآراء الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الأناضول
** إسماعيل نعمان تيلجي: خبير في سياسات الشرق الأوسط والثورات العربية والخليج العربي، وباحث في قسم السياسيات الخارجية بمركز "سيتا" للدراسات والأبحاث.
news_share_descriptionsubscription_contact
