الرباط/ محمد عبد الصمد /الأناضول
دعا المفكر المغربي، امحمد طلابي (64 عاما)، إلى التحالف مع المجتمع المدني الغربي الإنساني ضد الاعتراف الأمريكي بالقدس عاصمة لإسرائيل، واعتبر أن "خط تحرير القدس يمر عبر خط تحرير الشعوب" من "الغزاة والطغاة والغلاة".
وأضاف طلابي، عضو المكتب الدائم للمنتدى العالمي للوسطية، في مقابلة مع الأناضول، أن "قرار (الرئيس الأمريكي دونالد) ترامب (بشأن القدس) يتعارض تماما مع كل قرارات مجلس الأمن، وبذلك يكون ترامب قد اغتصب القانون الدولي والشرعية الدولية، وتجاهل رأيا عاما قانونيا، وليس رأيا عاما سياسيا أو إعلاميا فقط".
وشدد على أن "جميع القرارات الصادرة عن مجلس الأمن تقول إن قضية القدس هي من القضايا التي تحل بين الطرفين (الفلسطيني والإسرائيلي)، وبالتالي فهي قضية من الناحية القانونية مؤجلة ولا يتخذ فيها أحد قرارا (منفردا)".
ومعلقا على ما تشهده المتطقة منذ قرار ترامب، في 6 ديسمبر/ كانون أول الجاري، ميز طلابي بين موقعين، وهما "موقع المجتمع المدني المنحاز تماما للقضية والصادق في التعبير عن التنديد والاستنكار والرفض لهذا القرار غير المسؤول، وبين موقع المجتمع الحكومي والرسمي، الذي يساند ويندد شكليا، لكن عمليا يظهر أنه غير قادر على فعل أي شيء".
** أوراق الضغط
وعن أوراق الضغط الممكنة بالنسبة للعالم الإسلامي قال المفكر المغربي: "أولها هو الاستمرار في هذه الحيوية التي رأيناها بعد قرار ترامب، أي المسيرات التي تجري من جاكرتا إلى الرباط وبالملايين، فهذه ضغط على حكامنا أولا، فهم لن ينضبطوا ما لم يكن هناك ضغط شعبي قوي عليهم".
وتابع: "علينا أن نشغل أيضا ورقة المجتمع المدني، وأن ندفع برلماناتنا إلى اتخاذ قرارات جريئة لمواجهة قرار ترامب.. ما يحدث في البرلمان الأردني أمر جيد، وهو مراجعة اتفاقية السلام مع إسرائيل (عام 1994)، وما كان ليحدث هذا لو لم يكن هناك ضغط شعبي قوي عبر الاحتجاجات والوقفات والمسيرات والبيانات".
ورقة الضغط الأخرى، حسب طلابي، هي "فتح الباب لتحالف استراتيجي مع الغرب.. علينا أن نميز بين المجتمع السياسي الرسمي في الغرب، الذي هو منافق ومعادٍ لمصالحنا، وبين المجتمع المدني الغربي الإنساني".
ومضى قائلا إن "الغرب مثل طفل يكتسي كسوة وسخة، فعلينا رمي الكسوة الوسخة، وهو الغرب الاستعماري واحتضان الطفل البريء، وهو المجتمع المدني الإنساني، الذي يدافع عن حقوق البشرية".
وأردف "علينا أن نفتح أبوابا ونوافذ للتحالف مع هذا المجتمع، بما فيه كثير من الكنائس المعادية للصهيونية، سواء شرقية أو غربية، وهي معادية للمسيحية الصهيونية ولليهودية الصهيونية".
** قضية رمزية
وبشأن موقع القدس قال المفكر المغربي إن "القدس قضية بعيدة المدى.. القدس نقطة جغرافية مجهرية في أدنى الأرض التي هي منطقة البحر الميت، لكن في رأيي هي أعظم مجال رمزي للصراع الدولي في الأرض. فالقدس قضية رمزية بامتياز، وبالتالي فهي تمثل صراعا عالميا. والرمز بالنسبة لنا هو رمز ديني، فهي من مقدسات المسلمين."
وشدد على أن "تحرير القدس سيتطلب منا مسيرة طويلة وتدافعا على كل الأشكال، وعلى شعوبنا أن تعي أن خط تحرير القدس بعيد المدى".
وتابع "لا أؤمن بالخط المستقيم في التدافع، فأقرب خط بين نقطتين في هندسة المكان هو الخط المستقيم. لكن هذا الخط المستقيم هو أبعد خط في هندسة التاريخ وفي التدافع التاريخي العالمي، بينما أقرب خط هو الخط الحلزوني المنكسر الصاعد النازل المقبل المدبر."
وذهب طلابي إلى أنه من أجل إحداث تحول إيجابي في الصراع على المدى البعيد "يجب أن نعي أن معركة القدس هي من المعارك الدولية، وليس من الإقليمية".
واستطرد: "هي معركة دولية لأنه لا تدخل فيها الجغرافيا فقط، وإنما الرموز الدينية للمنطقة، فهي مسرى الرسول بالنسبة للمسلمين، وكنيسة القيامة بالنسبة للمسيحيين، والصراع فيها سيكون شرسا بين الصهيونية المسيحية والصهيونية اليهودية وبين العالم بأكمله، بما فيه عالم المسيحيين غير الصهيونيين والعالم الإسلامي"
** الربيع الديمقراطي
وذهب مفكرون ومحللون إلى أن انكسار ثورات الربيع العربي، التي بدأت أواخر 2010، في عدد من الدول العربية قد يشكل تأثيرا سلبيا على الصراع في أرض فلسطين.
وعن هذه الرؤية قال طلابي: "لست متشائما بهذا الخصوص، وباعتباري متخصصا في التاريخ، ومطلعا على فلسفة التاريخ، ولدي إلمام بفلسفة المستقبل، فأنا متفائل بأن الربيع الديموقراطي هو سُنة تاريخية تجري، لأنها تمثل التيار العميق لمحيط التاريخ"
وتابع: "أما الانكسارات التي حدثت اليوم فقد حدثت لأول ربيع ديموقراطي، وهو الثورة الفرنسية (1789-1799)، حيث انكسر وجاء (القائد الفرنسي) نابليون (بونابرت 1830-1893)، وعادت السلطة البابوية، لكن أين نابليون اليوم (؟!). لقد انتصر الربيع الديموقراطي في النهاية، واجتاح أوروبا، ثم أسقط الديكتاتوريات في عدد من الدول عبر العالم إلى أن حل بالمنطقة العربية".
وزاد: "نعم الربيع الديموقراطي انكسر، لكن بالمقابل لم تنتصر الثورة المضادة. المنطقة تعيش الآن توازن الرعب بين الثورة والثورة المضادة بين الربيع العربي وبين أعدائه. الدولة العميقة كسرت الربيع الديموقراطي، ولكن نحن نمتلك المجتمع العميق، وهو أقوى عشرات المرات من قوة الدولة العميقة، التي هي القوة الخشنة".
وأوضح أن "المجتمع العميق" هو "روح العصر، فأمتنا تتشوق إلى الحرية وشعوب العالم كلها كذلك، أي إلى ربيع ديموقراطي، وهذا ما سينتصر على المدى البعيد. علينا كشعوب إسلامية أن نعي أننا نسير في اتجاه مجرى التاريخ وروح العصر، بينما الثورة المضادة تسير بشكل معاكس لمجرى التاريخ، وستتعب على المدى البعيد".
** رأسان للتدافع
وبخصوص حل قضية فلسطين اعتبر المفكر المغربي أن "فلسطين ليست قضية معزولة، وإنما تدخل ضمن مسار تحرري شامل".
وأردف أن "خط تحرير القدس يمر عبر خط تحرير الشعوب الإسلامية من عدوان الغزاة من الخارج واستبداد الطغاة في الداخل وتطرف الغلاة في الداخل والخارج".
واستنادا إلى قرارات الشرعية الدولية يتمسك الفلسطينيون بالقدس الشرقية، التي تحتلها إسرائيل منذ عام 1967، عاصمة لدولتهم المأمولة.
وقال طلابي إنه "على العالم الإسلامي أن يسير برأسين في التدافع في هذا القرن الواحد والعشرين من أجل نهضة أمتنا من جديد، ومن أجل أن يكون لها موقع في القيادة الحضارية بجانب الصين والهند الآتيتين للقيادة منتصف هذا القرن.
وعن هذين الرأسين قال: "رأس مسلح في الأرض المحتلة بالدبابة، كفلسطين أو أفغانستان أو أي بلد اسلامي أو عربي احتل شبر منه.. يجب تشغيل الكفاح المسلح، وهو مقاومة وليس إرهابا، كما يريد أن يصوره لنا الغرب".
أما الرأس الثاني، وفق طلابي، فهو "رأس مدني في الأرض غير المحتلة بالدبابة، وهو لن يتم إلا بإقرار الدولة الديموقراطية والمجتمع الديموقراطي ودمقرطة الدولة والمجتمع".
وشدد على أن "هذا التدافع المدني هو الذي حدث مع الربيع العربي، حيث بدأ سلميا واستمر سلميا لشهور، لكن فرض عليه أن يصير مسلحا في عدد من البلدان"
وذهب طلابي إلى أن "النضال المدني والديموقراطي لتحرر البلدان العربية والإسلامية قد يكون هو المدخل لحل قضية فلسطين".
وتابع: "فلسطين يجب أن تدخل ضمن هذا التوجه الاستراتيجي، وحينما نعطي الأولوية للإصلاح الديموقراطي في مصر أو في المغرب، ففي تقديري يعني أننا أقرب لمعركة تحرير فلسطين".
ورأى أنه "حينما تتحرر مصر وسوريا والعراق والأردن من الاستبداد السياسي، وتصبح شعوبها قادرة على ممارسة السلطة، وتعود السلطة إلى الأمة، بعد أن اغتصبت لقرون، فهذا حتما سيتنهي لتحرير فلسطين".
وختم طلابي بقوله: "عندما جاء الربيع الديموقراطي لم تكن فلسطين خارج المعركة، والدليل هو أن إسرائيل هي التي واجهت الربيع الديموقراطي، ووضعت استراتيجيات في تحالفها مع الشرق ومع الغرب لإجهاضه، فهي تعي جيدا أن تحرير مصر يعني تقريب المسافة لتحرير فلسطين".
وتخصص طلابي بالتاريخ، وأصدر كتبا، بينها: "تقرير في نقد العقل السياسي المغربي الرسمي والمعارض"و، و"معشر الاشتراكيين مهلاً (مصارحة بقصد المصالحة)".
وتقلد مهاما، منها مدير تحرير مجلة "الفرقان" المغربية، وعضو المكتب التنفيذي لمنتدى الكرامة لحقوق الإنسان (منظمة مدنية)، وعضو المؤتمر القومي الإسلامي.
news_share_descriptionsubscription_contact
