تونس / عادل الثابتي / الأناضول
** علي كنيس ناشط مدني وعضو "الهيئة المحلية للحقيقة والعدالة"، للأناضول:منذ أكثر من ستين يوما تشهد مدينة جرجيس في ولاية مدنين جنوب شرقي تونس، حراكا احتجاجيا للكشف عن ملابسات غرق قارب هجرة غير نظامية كان يحمل 18 من شباب المدينة بالبحر المتوسط أواخر سبتمبر/ أيلول الماضي.
في جرجيس على بعد 540 كلم جنوب تونس العاصمة، تشكلت "الهيئة المحلية للحقيقة والعدالة" لتأطير الحراك الاجتماعي ومتابعة الفاجعة بين "جمعية البحار" (مستقلة)، والاتحاد العام التونسي للشغل بالمدينة، وعلي كنيس ممثلا عن المجتمع المدني.
وقال كنيس، وهو عضو بالهيئة وناشط مدني وباحث في علم الاجتماع، في مقابلة مع الأناضول عبر الهاتف: "دخلنا في ستين يوما من الحراك منذ فقدان التواصل مع القارب في 21 سبتمبر".
وتابع: "عاشت جرجيس على حراك احتجاجي تصاعد من مطالبة السلطة بالبحث عن المفقودين إلى البحث عن المفقودين بجهود ذاتية عن طريق جمعية البحار، التنموية ومواطني جرجيس".
وأضاف أن "البحارة نفذوا 6 خرجات بحرية كبرى وتمشيطا بريا وبحريا.. لم نر البحث من الدولة، فالعمليات تمت بجهود البحارة، طفنا البحر والبر عبر الدراجات النارية ومراكب الصيد الكبيرة، وفيما بعد تمت عملية دفن (لضحايا) خارج إطار القانون".
وأوضح أنه بـ"تحقيق استقصائي ذاتي توصلنا إلى صور بينت أن 4 قبور في مقبرة حدائق إفريقيا (خاصة بضحايا عمليات الهجرة من مجهولي الهوية) مع صور أخرى تم تصويرها هي لجثث وجدها البحارة على الشواطئ".
وتابع: "طالبنا السلطات بفتح القبور وبالفعل تم التأكد بعد فتح 4 قبور أنها لشباب كانوا بالقارب.. وتواصل البحث وتم العثور على صور أخرى التقطها مواطنون وكل صورة فيها جثة".
وزاد: "لاحظنا أن هناك عملية إخفاء لجثث، وبمتابعتنا لدفاتر الأموات في المستشفى الجهوي بجرجيس كشفنا أن هناك جثثا تم نقلها دون تحديد وجهة. وجدناها في مستشفى قابس (140 كلم شمال غرب جرجيس) وأخرى لم نجدها ولا يزال هناك 10 أشخاص مفقودين".
** حراك متصاعد
وحول الاحتجاجات، قال كنيس إن "الحراك ذهب إلى وقفات احتجاجية مستمرة أمام معتمدية جرجيس (مقر إدارة محلي) وإضراب عام يوم 18 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي ومسيرة جابت شوارع المدينة".
وأضاف أن "شعارات مسيرة 18 أكتوبر كانت واضحة، المطالبة بإيجاد جثث المفقودين ومحاسبة كل من تورط في جرائم الدفن خارج إطار القانون والتسريع بالدفن دون إجراء التحليل الجيني وإعلام العائلات".
وتابع: "عمليات إخفاء المعلومات والجثث تشير إلى أن جريمة أخرى تم ارتكابها في البحر.. هناك رأي عام في جرجيس يعتبر أن القارب لم يغرق بشكل طبيعي"، في إشارة إلى إمكانية أنه تم إغراقه عمدا.
وأفاد بأنه جرى "فتح بحث (تحقيق) بشكل متأخر وما زال متباطئا وتم سماع عائلات وشهود".
وقال كنيس إن "قاضي التحقيق تعهد بفتح قبور في مقبرة حدائق إفريقيا، ومن 28 قبرا تم فتح 6، ثم جرى احتجاج فتم فتح 10 أخرى، ثم البحث في مستشفيات أخرى وهناك مقابر أخرى خارج جرجيس لمجهولي الهوية".
وتابع أن "الحراك انتقل إلى إضراب عام في 4 نوفمبر (الماضي) ومسيرة كبرى رفعت رفع 3 مطالب هي: إيجاد الجثث ومحاسبة المتورطين وعقد مجلس وزاري خاص (بالقضية) في جرجيس".
وأضاف أن "الحراك تطور وتصاعد ورد السلطة هو نفسه يشوبه الكذب والمغالطة والتدليس"، على حد قوله.
** دعوة سعيد
في 18 نوفمبر/ تشرين الثاني الجاري، عشية انعقاد قمة الفرنكوفونية في جزيرة جربة التونسية، دعا الرئيس قيس سعيد أهل جرجيس إلى "قليل من الصبر"، مشددا على أن "الحقيقة آتية في القريب العاجل".
لكن كنيس اعتبر أن "الحقيقة الوحيدة التي رأيناها هي العنف البوليسي والاعتقالات ورشق المدارس والحضانات والمنازل بالغاز المسيل للدموع وترهيب المواطنين".
وأضاف: "كنا في مسيرة سلمية الجمعة (18 نوفمبر) على مسافة بضعة كيلومترات عن القنطرة (المؤدية إلى جربة) بمشاركة حشود من الأهالي وعائلات المفقودين، فتم استعمال القوة ووقعت اعتقالات السبت والأحد وشهدت المدينة حالة فوضى، إذ استهدفت قوات الأمن بيوت المواطنين والمحلات والمدارس والحضانات بالغاز المسيل للدموع".
وشدد على أن "القضية ليست أمنية بل تتعلق بحق الإنسان في دفن كريم وإقامة جنازة كريمة ولائقة، وهذا تم الإخلال به ونطالب بالحقيقة والعدالة للشهيدات والشهداء".
وأردف: "نحن مواطنون تونسيون، والمسؤولون يتقاضون أجورهم من ضرائب التونسيين والدولة مطالبة بتقديم إجابات واضحة عما يقع الآن".
وتابع: "الاستمرار في الحل الأمني خيار كارثي تتحمل فيه الدولة مسؤوليتها.. نحن مواصلون في خيارنا المدني وذاهبون نحو الإضراب العام (يومي الخميس والجمعة) ولم نر إلى الآن أي تواصل جدي من السلطة" .
وأفاد كنيس بأنه "تم الاتفاق قبل تحرك الجمعة الماضي أن يأتي وزير الداخلية (توفيق شرف الدين) إلى جرجيس الخميس (الماضي) ليقدم حقائق حول ما وقع للقارب ثم مجلس وزاري، تم تأمين القاعة لكنه تغيب في آخر لحظة".
واستطرد: "نتيجة ذلك ذهبنا في مسيرة إلى جربة لإيصال صوتنا، لكن تمت مواجهتنا بالعنف الشديد بالغاز والاعتقالات وسجلنا حالات اختناق لـ169 امرأة بينهن 6 حوامل ورضيعة ورجل وحيد".
** استغلال سياسي
وحول رفض حراك جرجيس أي تدخل لأحزاب في القضية، قال كنيس: "نرفض استعمال دم أبنائنا قنطرة لمن له مشاكل سياسية مع الرئيس".
ومنذ 25 يوليو/ تموز 2021، تشهد تونس أزمة سياسية حادة حين بدأ سعيد فرض إجراءات استثنائية تعتبرها قوى تونسية "انقلابا" بينما تراها قوى أخرى "تصحيحا لمسار ثورة 2011".
وتابع كنيس: "لن نقبل أي متاجرة بدم أبنائنا، نجحنا في تأطير الحراك المدني عن طريق جمعية البحار والاتحاد العام التونسي للشغل والنشطاء، ونرفض أي تسييس للقضية".
وبالنسبة لرفضهم تعبير قوى سياسية أو مدنية عن التضامن مع القضية، أجاب: "ليس بهذه الكيفية بالضبط، فقد جاء المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية (مستقل) ومنظمات مدنية، ونحن منفتحون ولكن عملية المتاجرة مرفوضة".
** العزاء في دارنا فقط
وبشأن مصير الاحتجاجات في ظل تعطل الحوار مع السلطة، قال كنيس: "مطلبنا الحقيقة والعدالة".
وأضاف أن "الحراك تصاعد، وتعامل السلطة هو نفسه التهميش والحقرة واستعمال العنف والاعتداء على البيوت الآمنة والمدارس".
وأردف: "على السلطة أن تتحمل مسؤوليتها وتأتي لتتحدث مع الناس، فنحن دار عزاء وفي عاداتنا وتقاليدنا من يريد أن يعزي الناس يأتي إلى دارهم ولن ننتقل إلى أي مكان".
وكشف كنيس: "رفضنا الذهاب إلى قصر قرطاج (بعد تلقي دعوة من الرئيس سعيد)، نحن دار عزاء نحن الطرف الذي يعيش على الكارثة والحداد ومن يريد أن يتواصل معنا يأتينا إلى هنا للعزاء".
** جريمة أخرى
وحول تلميح نشطاء إلى تورط جهة رسمية في إغراق القارب، قال كنيس إن "هذا ما قلناه من اليوم الأول، ونطالب بالحقيقة وبتحقيق جدي ومسؤول لمعرفة ما وقع لأبنائنا، وهناك شكوك كبيرة".
وختم كنيس بأن "إخفاء المعلومات والجثث ودفنها في جنح الظلام دون إعلام العائلات يثبت أن هناك جريمة أخرى تم ارتكابها".
ومنذ بداية 2022، تتنامى في تونس ظاهرة الهجرة غير النظامية بسبب الأوضاع الاقتصادية الصعبة، فضلا عن صراعات مسلحة متواصلة في دول إفريقية أخرى.
وبلغ عدد المفقودين في البحر المتوسط منذ بداية العام الجاري 544 شخصا، بحسب "المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية" (غير حكومي).
news_share_descriptionsubscription_contact
