نواكشوط / محمد البكاي / الأناضول
ـ الرئيس الموريتاني:العملية التعليمة في البلاد لا تزال تحتاج إلى "جهد مضاعف وتحديد آليات المسابقات الوطنية"
حالة من الجدل الممزوج بالصدمة، خلفتها النتائج التي وصفت بـ"الكارثية" لاختبارات شهادة الثانوية العامة (البكالوريا أو ما قبل الجامعة) في موريتانيا، إذ لم تتجاوز نسبة النجاح فيها 8 بالمئة.
ووفق أرقام وزارة التهذيب الوطني وإصلاح النظام التعليمي، الصادرة في 22 أغسطس/ آب، شارك في امتحان الثانوية العامة هذه السنة 46 ألفا و587 طالبا نجح منهم 3742، أي ما نسبته 8 بالمئة.
على الفور، غرد رئيس البلاد محمد ولد الشيخ الغزواني عبر حسابه على توتير، عقب إعلان النتائج قائلا، إن العملية التعليمة في البلد لا تزال تحتاج إلى "جهد مضاعف وتحديد آليات المسابقات الوطنية".
وأضاف: "المنظومة التعليمية في البلاد ستعمل على ذلك في الفترة القادمة".
فيما أكد وزير التهذيب الوطني وإصلاح النظام التعليمي محمد ماء العينين ولد أييه، أن نتائج امتحانات الثانوية العامة لهذا العام ستكون "محل تحليل معمق".
وقال الوزير في تدوينة عبر صفحته على فيسبوك، آنذاك، إن هذا التحليل يهدف إلى "إعادة هيكلة شعب التعليم الثانوي، سواء الأدبية منها؛ لحل إشكال اللغات، أو العلمية؛ لتطوير طرق تدريس العلوم، ضمن إجراءات أخرى للتغلب على النقص".
وأشار إلى أن "ضعف النتائج كان متوقعا بسبب الاختلالات البنيوية في المنظومة التربوية، ولتأثير سنتين من الجائحة والإجراءات الجديدة لتنظيم الامتحانات".
وكانت نسب النجاح في امتحان الثانوية العامة قبل ذلك تدور عند 17 بالمئة.
وتسببت جائحة كورونا خلال العامين الأخيرين في تقليص فترة الدراسة إلى 7 أشهر فقط بدل 9.
في المقابل، وصف "حزب الصوب" (قومي معارض) نتائج امتحان الثانوية العامة هذه السنة بأنها "كارثية"، مؤكدا أن التعليم تحول خلال العقدين الماضيين إلى "جرح مفتوح داخل الجسد الوطني".
واعتبر الحزب، في بيان، أن كل الوصفات عجزت عن إنقاذه "رغم ما امتصت فواتيرها من ميزانيات ضخمة، وما نُهِبَ تحت شعاراتها من قوت الفقراء والمعوزين، وبقيت رتوشا يقود كل إصلاح جزئي منها إلى فساد كلي".
وشدد على أنه "لا أحد بدرجة من الغباء اليوم يمكنه أن يتصور وجود برنامج للإصلاح الاستراتيجي للتعليم مطروحا على الطاولة، لكن الجميع ينشد ويرجو التوقف عن السير في النفق المظلم، ووقف نزيف بيانات الهدر المدرسي التي تعزف سمفونيتها الجنائزية بعد كل إعلان لنتائج الثانوية العامة".
وتحدث عن "ثلة قليلة تمكنت من نهب الثروة على حساب أنين وصرخات عامة الموريتانيين قادرة على دفع تكاليف دراسة أبنائها في الخارج، وأدارت ظهرها للمدرسة العمومية، ولم يعد يقصد أطلالها الخربة (المدارس العمومية) إلا أبناء الفقراء".
ولفت الحزب إلى أن ما يزيد على 90 بالمئة من الطلاب المشاركين في امتحان الثانوية العامة، لم يحصلوا على المعدل المطلوب "وابتلعهم في الطريق إليها غول الفشل التربوي، ودفع بهم جماعيا لمصير مظلم".
وبالإضافة إلى تداعيات كورونا، اعتبر كثيرون أن تدني نسبة النجاح في امتحان الثانوية العامة سببه في الأساس هيمنة اللغة الفرنسية على المناهج التربوية من حيث ساعات الدراسة، وعدد المواد التي تدرس بها.
وقال النائب البرلماني الشيخاني ولد بيبه، إن تدني نسبة النجاح في امتحان الثانوية العامة سببه سيطرة اللغة الفرنسية على المناهج التربوية.
وأضاف في تدوينة عبر حسابه على فيسبوك: "لن تفلح منظومة تتبنى رطانة المستعمر (الفرنسي) المتخلفة دوليا في تعليمها وهي سر تبعيتنا وسبب كل رجعية وتخلف وفقر في بلدنا".
وتابع: "فرنسا التي تدافع عنها من وراء كل انقلاب وكل دكتاتور وكل فساد في البلاد وهي أشد الأعداء حضاريا واقتصاديا لبلادنا ولن تتطور دولة إلا إن تخلصت من تلك الرطانة والسخافة التي يدافع عنها كل رجعي عميل أو منهزم إمعة تابع".
ومنذ استقلال موريتانيا عن فرنسا عام 1960، لا تزال اللغة الفرنسية تسيطر على المناهج التربوية وحاضرة بقوة في الوثائق والعمل الإداري اليومي بالمؤسسات الحكومية، كما لا تزال تحرر بها أغلب المراسلات والتقارير الإدارية.
ويرى كثيرون نوعا من الغرابة والمفارقة في نص الدستور بين رسمية اللغة العربية وسيطرة الفرنسية على واقع الحياة العملية والتربوية.
** مقترحات إصلاح
وعن آليات الإصلاح، رأى محمد ولد الرباني مفتش تعليم ثانوي وخبير تربوي، أن "التعليم ظل من أكثر قطاعات البلاد فسادا إداريا وأقلها حظا من الحكامة الرشيدة".
وأوضح أنه نجم عن ذلك إسناد الوظائف التعليمية العليا على أساس الوساطة لا الكفاءة مما عمق الزهد في مواصلة الدراسة من جهة، وفي تحسين الأداء من جهة أخرى.
بالإضافة إلى غياب العقوبة والمكافأة "فقد يتغيب الموظف أشهرا دون عقاب، ومهما بذل من تضحية يبقى على الهامش بلا ترقية ولا تشجيع"، وفق المتحدث.
وشدد ولد الرباني، في مقال نشره عبر صفحته على فيسبوك، أن أي إصلاح إداري لا يمكن أن يكتب له النجاح ما لم تنطلق من مجموعة مبادئ بينها "تخصيص موارد مالية كافية فما دامت ميزانية وزارات التعليم مجتمعة أقل من 30 بالمئة من الميزانية العامة للدولة، فلن تسمح بإنجازات حقيقية في القطاع".
وأكد ضرورة إسناد الإدارات المركزية والجهوية والمصالح إلى ذوي الخبرة والتجربة والكفاءة والنزاهة بدلا من خضوعها للمحسوبية، واحترام المعايير الفنية الموضوعية في تحويلات وترقيات الموظفين ومسارهم المهني.
وكذلك تفعيل مبدأ العقوبة والمكافأة، وضبط القطاع الخاص وتنقيته والدفع به للإسهام في المجهود الوطني، وجعل البنى التحتية مناسبة، وتوفير الكتاب المدرسي وتطوير محتواه، ومنح الأولوية للمناطق ذات السكان الأقل حظا من التعليم والأكثر حاجة إليه.
من جانبه، رأى عابدين محمد أحمد فال، وهو معلم بالمرحلة الثانوية، أن من أسباب ضعف نسبة النجاح في البكالوريا خلال السنوات الأخيرة، التهاون في الامتحانات خلال المرحلة ما قبل الثانوية العامة، حيث يتم التساهل وأحيانا تطبيق قاعدة صفر رسوب.
وأشار في حديثه للأناضول، إلى أن من الأسباب أيضا غياب التدريب المستمر للأساتذة وتدريس العديد من المواد باللغة الفرنسية، وهو ما يشكل عقبة أمام كثير من التلاميذ ممن لديهم مستويات ضعيفة في تلك اللغة.
ولفت إلى أنه لتفادي هذا الوضع لا بد من إعطاء الأولية في سياسية الحكومة للتعليم وتوفير الوسائل اللازمة، واعتماد العربية لغة تدريس لجميع المواد والاهتمام بتدريب المدرسين.
news_share_descriptionsubscription_contact
