Mohamed Majed
17 مايو 2026•تحديث: 17 مايو 2026
غزة/ محمد ماجد/ الأناضول
وسط ركام المنازل المهدمة وآثار الإبادة الإسرائيلية التي ألحقت خرابا شاملا بقطاع غزة على مدى عامين، يحوّل أطفال فلسطينيون معاناتهم اليومية إلى أعمال فنية نابضة بالألوان، تحكي تفاصيل الفقد والنزوح والألم الفلسطيني.
وفي معرض فني بعنوان "أرض البرتقال"، من تنظيم "جمعية الثقافة والفكر الحر" بمدينة خان يونس جنوبي القطاع ويستمر لعدة أيام، يجسد عشرات الأطفال واقعهم الصعب من خلال لوحات تشكيلية وأعمال فسيفساء صنعوها باستخدام قطع الرخام وبلاط المنازل المدمرة جراء الغارات الإسرائيلية.
وتعد الجمعية غير الحكومية، التي تأسست عام 1991، من أبرز المؤسسات المجتمعية العاملة في قطاع غزة، حيث تنشط عبر 7 مراكز تقدم خدمات ثقافية وتعليمية واجتماعية للأطفال والشباب والنساء في المناطق الأكثر هشاشة، وتركز على تعزيز الهوية والمعرفة ودعم المبادرات المجتمعية.
واختير اسم "أرض البرتقال" للمعرض، في إشارة إلى البرتقال الفلسطيني الذي شكل لعقود رمزا للأرض والهوية والذاكرة، ولا سيما في المدن الفلسطينية الساحلية التي اشتهرت ببساتينه قبل النكبة عام 1948، في محاولة لاستحضار صورة فلسطين التاريخية وربطها بمعاناة الأطفال في غزة اليوم.
وخلّفت حرب الإبادة الإسرائيلية في غزة، التي بدأت في 8 أكتوبر/ تشرين الأول 2023 بدعم أمريكي واستمرت لعامين، أكثر من 72 ألف قتيل وما يزيد على 172 ألف جريح، معظمهم أطفال ونساء، إضافة إلى دمار طال 90 بالمئة من البنى التحتية المدنية.
**ألوان من الركام
وتوثق الأعمال الفنية، التي تتزامن مع الذكرى الـ78 للنكبة الفلسطينية، مراحل النزوح والهجرة القسرية، إلى جانب صور الدمار والفقد والأمل، في محاولة من الأطفال لتحويل بقايا الركام إلى رسائل بصرية تعكس تمسكهم بالحياة وذاكرة المكان الفلسطيني.
و"النكبة" هو المصطلح الذي يستخدمه الفلسطينيون للإشارة إلى تهجيرهم عام 1948، حين أُعلن قيام إسرائيل على معظم أراضي فلسطين التاريخية في 15 مايو/ أيار 1948، عقب مجازر وعمليات تهجير نفذتها العصابات الصهيونية.
وفي إطار الأيام الثقافية التي تنظمها الجمعية، أكد محمد أبو سكران، مسؤول برامج الطفولة في جمعية الثقافة والفكر الحر، للأناضول، أن هذه الفعالية تهدف بشكل أساسي إلى تعزيز الثقافة والهوية لدى الأطفال الملتحقين بالمساحات التربوية التابعة لها.
**هوية رغم الحرب
وأوضح أبو سكران، أن أكثر من 1500 طفل وطفلة يشاركون في هذه الأيام الثقافية من خلال أنشطة متنوعة، تهدف في جوهرها إلى تعزيز هوية الأطفال وانتمائهم، وتتزامن مع الذكرى الـ78 للنكبة الفلسطينية.
هذه الفعاليات، وفق أبو سكران، تثبت أن الثقافة ليست نشاطا هامشيا، وأن التراث ليس مجرد ذاكرة للماضي، بل جزء أساسي من تشكيل هوية الأطفال وتعزيز ثقافتهم وانتمائهم إلى الأرض.
وأكد أن للأطفال حقوقا وأحلاما، وأنهم يحولون في هذه الفعاليات أحلامهم وحقوقهم إلى لوحات فنية وعروض إبداعية يعرضونها أمام الجمهور، لإيصال رسالتهم إلى العالم بأنهم يملكون حقا، وأنهم باقون في أرضهم أحرارا في المستقبل.
**فسيفساء من الدمار
وعلى هامش إحدى ورش العمل ضمن المعرض، تقوم مجموعة من الفتيات بإعداد لوحات فنية من ركام المنازل المدمرة، مستخدمات في ذلك قطع الرخام والسيراميك المكسورة.
وقالت الفنانة "لما العقاد" للأناضول، إن الفكرة تتمثل في تجميع قطع الفسيفساء من المخلفات الناتجة عن الحرب أو القطع المكسورة، ثم تقطيعها إلى مربعات صغيرة باستخدام الكماشة، وتركيبها على لوحات لتشكيل لوحة فسيفساء نهائية.
وأضافت العقاد، أنهم يصنعون لوحات تعبر عن التراث الفلسطيني أو توحي بتدمير الأشياء والأشجار.
وأشارت إلى أنهم قرروا، في ذكرى النكبة، إحياء هذه الذكرى من خلال الفن، ولا سيما فن الفسيفساء، بما يجسد هذه الحالة ويوحي بها.
والفسيفساء؛ فن تشكيلي يعتمد على تجميع وتركيب قطع صغيرة من الرخام أو الحجارة أو الزجاج الملون لتشكيل لوحات وزخارف فنية تعبر عن مشاهد أو رموز مختلفة.
وتابعت العقاد، أنهم يحافظون على تراثهم وطفولتهم وهويتهم من خلال إحيائها والعمل عليها باستمرار.
وبحسب إحصاءات المكتب الإعلامي الحكومي في نهاية عام 2025، دمرت إسرائيل نحو 208 مواقع أثرية وتراثية من أصل 325 موقعا في قطاع غزة منذ بدء الحرب.