غزة/ رمزي محمود/ الأناضول
**الطالب بالصف التاسع أحمد ظاهر:
- رغم الإصابة أحب أن أدرس وأقرأ
-أحب تخصص العلاج الطبيعي لأنني شعرت بقيمته خلال الحرب
**الطالبة بالصف العاشر سيرين أكرم مهدي:
-فقدت خلال الحرب والدي وشقيقي و3 سنوات من عمري الدراسي
-الطلبة في غزة يريدون أن يدرسوا ويتعلموا رغم أن المدارس لم تعد كما كانت قبل الحرب
**جواد الشيخ خليل، مدير مديرية غرب غزة بوزارة التربية والتعليم:
- نفتتح العام الجديد "رغم كل التحديات والظروف الصعبة والقاسية التي يمر بها قطاع غزة
على عكازين، وحاملا كتبه بين يديه، وصل الطالب الفلسطيني أحمد ظاهر، إلى مدرسة أقامتها بلدية مدينة غزة من الخيام، وسط إصرار آلاف الطلبة في قطاع غزة على العودة إلى التعليم، بعد سنوات من الانقطاع القسري الذي فرضته حرب الإبادة الإسرائيلية.
لم تمنع الإصابة التي تعرض لها أحمد، خلال نزوحه في مدينة خان يونس جنوبي القطاع في بداية الحرب، من الحضور إلى مدرسته في اليوم الأول من العام الدراسي الجديد، السبت، الذي يشهد عودة التعليم الوجاهي في غزة بعد 3 سنوات من الانقطاع.
جلس أحمد إلى جانب زملائه في الصف التاسع على فراش بسيط وُضع على أرضية الخيمة، في غياب المقاعد والطاولات، بينما بدت آثار النقص في الكتب والقرطاسية والمستلزمات التعليمية واضحة في المكان.
ويقول أحمد للأناضول، وقد بدا عليه الحماس للعودة إلى الدراسة: "إحنا مبسوطين كتير إنه اليوم أول يوم في المدرسة، ومن زمان ما دخلنا مدارس.. مكثنا عامين ونصف بدون مدارس، ولا إمكانات، ولا كتب وقرطاسية".
وجاء افتتاح العام الدراسي، بعد استكمال وزارة التربية والتعليم العالي تجهيز نحو 700 موقع تعليمي وجاهي في القطاع لخدمة أكثر من نصف مليون طالب وطالبة، إلى جانب تجهيز 25 مدرسة مؤقتة.
**أحمد: أحب الدراسة رغم الإصابة
يقول أحمد إنه رغم إصابته فقد قدم للتعلم "بنفس طيبة"، متابعا: "أنا بحب أدرس، بحب أقرأ، وبحب تخصص العلاج الطبيعي لأنني شعرت بقيمته في الحرب".
وعن ظروف الدراسة، قال أحمد إنها تغير كثيرا عما كانت عليه قبل الحرب، مضيفا: "في السابق كنا نتعلم في مدارس من الباطون، وكنا نجلس على كراسي، ولدينا المكاتب ودورات المياه. أما الآن نتعلم في الخيام، نجلس على الأرض على فرشات، والدنيا حر فالشمس تحرقنا حرقاً... وهذا حالنا".
ولا تنحصر تحديات افتتاح العام الدراسي في المباني المدرسية، إذ يواجه الطلبة وأسرهم أوضاعا اقتصادية وإنسانية قاسية، فيما يعيش عدد كبير منهم في أماكن نزوح أو مساكن مؤقتة.
وتنعكس هذه الظروف على قدرة الأسر على توفير الزي المدرسي والكتب والقرطاسية والمستلزمات الأساسية التي تواجه شحا في الأسواق المحلية.
كما يجد الطلبة أنفسهم مضطرين إلى التعلم في خيام تفتقر إلى أبسط مقومات البيئة التعليمية.
**الطفلة سيرين: نريد أن ندرس رغم ظروف الحرب
وفي مدينة دير البلح وسط القطاع، لم تكن الطالبة سيرين أكرم مهدي، في الصف العاشر، مختلفة في إصرارها على العودة إلى التعليم، رغم أن الحرب انتزعت منها طفولتها وأعوام دراسية كاملة.
تقول سيرين، للأناضول، إن عائلتها نزحت من مدينة غزة إلى دير البلح "تحت ظروف قهرية وتحت إطلاق النار"، وإنها فقدت خلال الحرب والدها وشقيقها، و3 سنوات من عمرها الدراسي.
وتضيف: "في بداية الحرب كنتُ في الصف السابع، والآن أنا في صف عاشر. راحوا عليّ ثلاث سنين من عمري. كان المفروض الآن أن أكون متعلمة الكثير من الأمور، بس مع الأسف خسرت بسبب الحرب".
ومع ذلك، تقول سيرين إن الطلبة في غزة "بدهم (يريدون) يدرسوا ويتعلموا"، رغم أن المدارس التي عادوا إليها ليست كما كانت قبل الحرب.
وتروي: "قبل الحرب كنت أرتدي زي المدرسة، ونبدأ مع القرطاسية. أنا اليوم ببدأ عام دراسي مش قادرة أوفّر الزي ولا القرطاسية... بنقعد على الأرض، الشوادر (النايلون الذي أُنشأ منها الخيام) زي النار (في إشارة إلى الحرارة الشديدة)".
وتختصر الطالبة مشاعرها بالقول: "إحنا بنحاول نقاوم، إحنا بدنا ندرس، إحنا بدنا نتعلم".
**عودة إلى التعليم الوجاهي
وتأتي عودة الطلبة إلى المدارس، في إطار مسارين أعلنتهما وزارة التربية والتعليم العالي، في بيان الخميس، الأول وجاهي للطلبة الموجودين داخل القطاع والقادرين على الوصول إلى المدارس، والثاني افتراضي (إلكتروني) للطلبة الموجودين خارج غزة أو الذين تحول ظروفهم دون الالتحاق بالتعليم الوجاهي.
ويقول جواد الشيخ خليل، مدير مديرية غرب غزة بوزارة التربية والتعليم، إن الوزارة تفتتح العام الدراسي "رغم كل التحديات والظروف الصعبة والقاسية التي يمر بها قطاع غزة".
ويضيف، في حديث للأناضول، أن الوزارة والمؤسسات الشريكة "تستنهض الهمم" من أجل استئناف العملية التعليمية وحماية الطلبة من الضياع.
لكن الأعداد الكبيرة للطلبة تمثل تحديا رئيسيا أمام خطة الوزارة لاستعادة العملية التعليمية، وفق الشيخ خليل، الذي يوضح أن بعض الخيام تستقبل 60 أو 70 طالبا، رغم أن طاقتها الاستيعابية لا تتجاوز 40 طالبا.
ويشير إلى أن مدرسة بلدية غزة، المفتتحة حديثا، تستوعب نحو ألفي طالب، بينما تجاوز عدد المسجلين فيها للعام الجديد 3 آلاف طالب.
ويقول: "نأمل أن يكون لدينا بدائل في القريب العاجل وأن نتمكن من افتتاح مدارس جديدة، ولكن هذا يتطلب توفير قطع من الأراضي بشكل أكبر"، داعياً المؤسسات والجهات المعنية إلى توفير مساحات لإنشاء مدارس ميدانية جديدة.
**تغيير البيئة التعليمية
وتكشف المشاهد الميدانية في غزة حجم التحول الذي طرأ على البيئة التعليمية خلال سنوات الحرب، فبدلاً من الأبنية المدرسية المجهزة، استقبلت الخيام والكرفانات والنقاط التعليمية المؤقتة آلاف الطلبة.
ويقول الشيخ خليل إن أكثر من 90 بالمئة من المدارس "دُمرت"، فيما تحول ما تبقى منها إلى مراكز إيواء للنازحين، مشيراً إلى أن المساعي جارية لتفريغ أجزاء من بعض المدارس، ولو غرفاً محدودة، وإعادة تأهيلها كفصول دراسية كما كانت سابقاً.
من جهتها، تقول رندا حميد، مديرة مدرسة بلدية غزة، للأناضول، إن الطلبة يتلقون دروسهم داخل الخيام وهم جالسون على الأرض، لمدة نحو ثلاث ساعات، فيما يدرسون 12 حصة أسبوعياً بنظام التدوير، بسبب الكثافة الطلابية وقلة المدارس الحكومية والنقاط التعليمية.
وتوضح أن الكثافة داخل بعض الغرف الصفية تتجاوز 80 طالبا، في وقت يبحث فيه الطلبة عن أماكن توفر لهم التعليم المجاني، باعتباره "أبسط حقوق الطالب".
وتشير إلى أن النقاط التعليمية، التي بدأت بصورة محدودة خلال الحرب، توسعت بمشاركة مؤسسات شريكة، لكنها لا تزال بحاجة إلى المزيد من المدارس المجهزة التي توفر بيئة مناسبة للتعلم.
**تعليم في مواجهة آثار الحرب
وعلى مدى سنوات الحرب، تعرضت المنظومة التعليمية في غزة لخسائر واسعة طالت المدارس والجامعات والمؤسسات التعليمية، إلى جانب الطلبة والمعلمين والعاملين في القطاع التعليمي.
وقالت وزارة التربية والتعليم العالي في تقرير عن الحالة التعليمية في قطاع غزة خلال الفترة من 2023 إلى 2026، صدر في 15 يوليو/ تموز الماضي، إن المنظومة التعليمية تعرضت خلال الحرب لـ"استنزاف بشري وديمغرافي واسع" طال الطلبة والمعلمين والبنى التحتية.
وأفاد التقرير بأن الجيش الإسرائيلي قتل أكثر من 20 ألفا من تلامذة المدارس، وما يزيد على 532 معلما، ودمر بشكل كامل 59 مبنى مدرسيا حكوميا و30 مبنى مدرسيا خاصا و11 مبنى للتربية الخاصة (لذوي الإعاقة).
ورصد تراجع الدوام المدرسي من 200 يوم خلال 2022-2023 إلى 60 فقط خلال 2025-2026، والحصص التعليمية من 30 أسبوعيا إلى 12، مع التأكيد على تعطل مرحلة رياض الأطفال وانعكاس ذلك على فقدان الأطفال مدخلا أساسيا من مداخل التعلم.
ومنذ 8 أكتوبر 2023، ترتكب إسرائيل، بدعم أمريكي، إبادة جماعية في غزة، خلّفت أكثر من 73 ألف قتيل وما يزيد على 174 ألف جريح فلسطيني، ودمارا طال 90 بالمئة من البنى التحتية.