كشفت وزارة العدل الأمريكية عن تعاقد المخابرات العامة المصرية مع شركتي علاقات عامة أمريكيتين؛ لتحسين صورة مصر في الولايات المتحدة.
وقالت الوزارة الأمريكية عبر موقعها الإلكتروني، مؤخراً، إن قيمة التعاقدات بين المخابرات المصرية وشركتي "ويبر شاونديك" و"كاسيدي أند أسوشيتس"، بلغت نحو 1.8 مليون دولار سنوياً.
ووقَّع على وثيقة التعاقد المؤرخة بتاريخ 28 يناير/ كانون ثان الماضي، والمنشورة على موقع الوزارة، وأطلعت عليها الأناضول، من الجانب المصري العميد ناصر فهمي مدير عام جهاز المخابرات، نيابة عن رئيسها اللواء خالد فوزي.
وتشير بنود التعاقد إلى أن الشركتين ستساعدان مصر في :"الترويج لشراكتها الاستراتيجية مع الولايات المتحدة الأميركية، وتسليط الضوء على التطور الاقتصادي الذي تشهده البلاد، وعرض نشاطات المجتمع المدني والترويج لدور مصر الرائد في إدارة المخاطر الإقليمية".
ويأتي إعلان وزارة العدل الأمريكية، عن التعاقدين اللذين أبرمتهما المخابرات العامة المصرية مع شركتي العلاقات العامة الأمريكيتين، التزاما بقانون "تسجيل العملاء الأجانب" الأمريكي ( U.S. Foreign Agents Registration Act FARA) لعام 1938، بحسب ما جاء في الوثيقة.
وحاولت الأناضول أكثر من مرة التواصل هاتفياً مع المتحدث باسم الخارجية المصرية أحمد أبو زيد غير أن المراسل لم يفلح في التحدث معه، فيما رفض المتحدث باسم الحكومة المصرية أشرف سلطان التعقيب على الأمر معتبراً أن المسؤول عن التعقيب بشأنه هو جهاز المخابرات.
وهذه هي المرة الأولى التي يتدخل فيها أقوى جهاز أمني مصري للتعاقد مع شركات أجنبيه للعلاقات العامة.
**لماذا المخابرات؟
عمرو هاشم ربيع، نائب رئيس مركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية (حكومي)، عزا قيام المخابرات العامة بهذا الشأن إلى "فشل الأجهزة الحكومية الأخرى في تحسين صورة مصر بالخارج".
وقال في تصريح إلى الأناضول، إن "الهيئة العامة للاستعلامات (جهاز الإعلام الرسمي والعلاقات العامة للدولة/ تتبع رئاسة الجمهورية) فشلت في استعادة صورة مصر القوية في الخارج وتوضيع الأمور الخاصة بالإرهاب، فربما سُلم الملف للمخابرات العامة لهذا السبب".
وأضاف ربيع أن "المخابرات العامة أكثر دراية بالأوضاع الدولية، ولديها من المعلومات ما هو مجهل لدى الهيئة العامة للاستعلامات ووزارة الخارجية".
غير أنه رأى المقابل المادي بشأن التعاقد مع الشركتين الأمريكيتين "مبالغ فيه، ولن يعوض قيمته حتى لو كانت الصورة سوداوية فعلا بالنسبة للوضع المصري".
وتواجه مصر أزمة اقتصادية، دفعتها في أغسطس/آب الماضي، لطلب قرض من صندوق النقد الدولي، بقيمة 12 مليار دولار لمدة 3 سنوات، وفي 12 نوفمبر/ تشرين ثان الماضي تسلم البنك المركزي المصري، شريحة أولى منه بقيمة 2.75 مليار دولار.
وأوضح ربيع "أعتقد أن الصورة الحالية غير مشوهة حالياً مثل الأيام التي كانت عليها مصر عشية 3 يوليو/ تموز 2013 (إطاحة الجيش بأول رئيس مدني منتخب ديمقراطياً بمصر محمد مرسي)، وحتى الإعلام حالياً لا يتحدث عن صورة مشوهة في مصر".
**مكاسب مصرية
فيما قال محمد العرابي، وزير الخارجية الأسبق والبرلماني الحالي، إن "فكرة تعاقد مصر مع شركان علاقات عامة دولية خطوة مهمة، للتواصل مع الدوائر الفعالة والمؤثرة في العالم".
وأضاف العرابي في تصريحات صحفية، الإثنين، أن "الشركة الأمريكية سيتم من خلالها التواصل بين البرلمان المصري والكونغرس ومجلس الشيوخ وأجهزة الإعلام الأمريكية، إضافة إلى أنها تقوم بدعاية جيدة للدول المتعاقدة معها".
وأوضح أن "طبيعة هذه الشركات تختلف عن جماعات الضغط الموجودة في أمريكا، والتي تساهم بشكل كبير في صنع القرار الأمريكي مثل اللوبي اليهودي".
وأشار إلى أن "مصر لم تصل لمرحلة تشكيل جماعات ضغط عربية داخل أمريكا، بسبب ضعف الانخراط السياسي للجاليات العربية الموجودة هناك".
**وقائع سابقة
دأبت الحكومات المصرية المتعاقبة على الاستعانة بخدمات من هذا النوع من الشركات، منذ عهد الرئيس الأسبق حسنى مبارك (1981: أطاحت به ثورة شعبية في 2011) لتسهيل عملها في واشنطن.
وسار المجلس العسكري (تولى إدارة البلاد عقب سقوط الثورة) على نهج مبارك حيث استعان بشركات أمريكية لتحسين صورته، ودفع خلال الأشهر الستة الأولى له في الحكم ما يزيد على نصف مليون دولار لها، بحسب وثائق وزارة العدل الأمريكية، إلا أن العلاقة انتهت من جانب الشركات، على خلفية قضية منظمات المجتمع المدني، التي طالت عددا من المواطنين الأمريكيين.
فيما امتنع محمد مرسي، أول رئيس منتخب ديمقراطيا في تاريخ مصر الحديث، خلال سنة حكمه (2012: 2013) عن التعاقد مع هذه الشركات.
يشار إلى أنه في أكتوبر/ تشرين أول 2013، أعلنت الحكومة المصرية تعاقدها مع شركة علاقات عامة أمريكية غلوفر بارك غروب (Glover Park Group)؛ بهدف تحسين صورتها أمام مراكز صنع القرار في واشنطن.
ووقتها واجهت الحكومة المصرية انتقادات حادة من قبل دول الغرب، وصلت لتجميد مساعدات عسكرية أمريكية، بسبب أعمال العنف التي شهدتها البلاد في أعقاب إطاحة الجيش بمحمد مرسي في الثالث يوليو/ تموز 2013.
ويوم الجمعة الماضي، أعلنت الخارجية المصرية رفضها مضمون التقرير السنوي الأمريكي، حول حقوق الإنسان في مصر؛ معتبرة أنه يعكس وجهة النظر الأمريكية الداخلية.
والجزء الخاص بحقوق الإنسان في والمنشور على الموقع الرسمي لوزارة الخارجية الأمريكية، أبرز بشيء من التفصيل، عدة وقائع اعتبرتها مناهضة لحقوق الإنسان من بينها "فرض قيود على حرية التجمع السلمي وتكوين الجمعيات (الأهلية)، والتأثير السلبي على المناخ السياسي، والاستخدام المفرط للقوة والتعذيب من قِبل قوات الأمن".
وتواجه مصر في عهد الرئيس عبد الفتاح السيسي اتهامات محلية ودولية بارتكاب جملة انتهاكات؛ من بينها إخفاء المعارضين السياسيين قسرياً وممارسة التعذيب والمنع من السفر، في حين تنفي الحكومة المصرية وقوع هذه الانتهاكات، وتعتبرها "شائعات لتشويه مصر التي تلتزم بالقانون والدستور"، وفق بيانات سابقة رسمية.
والعلاقات المصرية الأمريكية توصف بـ"الوثيقة والاستراتيجية" خاصة على المستوى العسكري، حيث تقدم واشنطن لمصر نحو 1.5 مليار دولار مساعدات سنوية بينها 1.3 مليار مساعدات عسكرية، منذ توقيع مصر معاهدة السلام مع إسرائيل عام 1979.