30 يوليو 2018•تحديث: 30 يوليو 2018
مصطفى دالع / الأناضول
تدخل ليبيا، بداية من اليوم الإثنين، مرحلة حاسمة وحرجة في آن واحد، عندما يصوت مجلس النواب المنعقد في مدينة طبرق (شرق) على المسودة النهائية لمشروع قانون الاستفتاء على الدستور، في ظل تجاذبات حادة وعراقيل من شأنها أن تنسف في أي لحظة إجراء الاستفتاء من أساسه.
وأحد أبرز الأسباب التي تجعل التصويت على مسودة الدستور صعبة، اشتراط تصويت 120 نائب من أصل 200 لصالح المسودة قبل عرضها للاستفتاء الشعبي، وإذا علمنا أن مجلس النواب يجد صعوبة منذ أشهر طويلة في عقد جلسة مكتملة النصاب (101 نائب على الأقل) فهذا يوضح أحد العراقيل الإجرائية المطروحة أمام عقد جلسة قانونية غير مطعون فيها.
ورغم أن وسائل الإعلام الليبية تحدثت عن توجه 50 نائبا من غربي ليبيا (أغلبهم من المقاطعين) إلى طبرق لحضور جلسة التصويت على مسودة الدستور، إلا أن النائب زياد الدغيم، المقرب من خليفة حفتر، طالب نواب المنطقة الشرقية بمقاطعة جلسة التصويت على مشروع قانون الاستفتاء، وعدم التصويت بنعم، حتى لا يتحصل على الأغلبية الموصوفة 120 صوتا المحددة بالإعلان الدستوري، والتي أقرتها اللجنة التشريعية ورئاسة المجلس.
وليس فقط النواب الموالون لحفتر (قائد القوات المسيطرة على الشرق الليبي) من يعارضون مسودة الدستور، بل هناك دعوات من قبائل التبو والأمازيغ (الأقليات) لعدم التصويت لصالح مسودة الدستور، لعدم تضمنه، برأيهم، مطالبهم اللغوية والثقافية، ناهيك عن النواب المطالبين بالفيدرالية في إقليم برقة (شرق).
أما بالنسبة للنواب الموالين لحفتر، وعلى رأسهم عقيلة صالح، رئيس مجلس النواب، فأحد الأسباب الرئيسية لمعارضتهم مسودة الدستور، وعرقلتهم لأشهر طويلة عرض مشروع القانون على الجلسة العامة لمجلس النواب للتصويت عليه، فيعود إلى وجود مادتين قانونيتين تمنعان حفتر، من الترشح للرئاسة:
- أولهما عدم السماح لأي عسكري أو رجل أمن بالترشح للرئاسة إلا بعد مضي عامين على الأقل على انتهاء خدمته، قبل تاريخ ترشحه.
- وثانيهما اشتراط أن لا يكون المرشح للرئاسة حاملا لجنسية ثانية، وهو ما لا ينطبق على حفتر الذي يحمل الجنسية الأمريكية.
وهذا ما قد يفسر تأخر إقرار دستور دائم للبلاد كل هذه السنوات، رغم أن الهيئة التأسيسية لصياغة مشروع الدستور، جرى انتخاب أعضائها الـ 60، في فبراير/ شباط 2014، أي قبل ثلاثة أشهر من إطلاق حفتر، عملية الكرامة في مايو/ أيار من نفس العام.
وتعرضت هيئة صياغة الدستور لضغوطات شديدة وعراقيل عديدة، وصلت إلى حد تظاهر مسلحين موالين لحفتر، أمام مقر الهيئة لمحاولة الضغط على أعضائها لتعديل بعض المواد التي لا تصب في مصلحتهم، وسعي نواب موالين لحفتر لتشكيل لجنة خبراء لمحاولة الالتفاف على مسودة الدستور، كما سعى رئيس مجلس النواب لحل الهيئة بحجة انتهاء مدتها القانونية، وتم رفع دعوى قضائية ضد الهيئة أمام محكمة بنغازي وأخرى أمام المحكمة العليا، ولكن كلا المحكمتين أعلنتا عدم الاختصاص.
ورغم كل هذه العراقيل، إلا أن أعضاء الهيئة تمكنوا من التصويت على المسودة الرابعة والنهائية بالأغلبية الساحقة لأعضائها (42 من أصل 43 حضروا جلسة التصويت وغياب 17 عضوا).
ومع تماطل مجلس النواب في مناقشة مشروع قانون الاستفتاء على الدستور، إلا أن ضغوطات دولية خاصة بعد مؤتمر باريس، دفعت مجلس النواب، في 25 يونيو/ حزيران الماضي، إلى مناقشة مشروع القانون مادة بمادة، بحضور 78 نائبا فقط، دون التمكن من التصويت على مسودة الدستور.
وكاد الخلاف الإيطالي الفرنسي حول ليبيا، أن يعمق الخلاف بشأن إجراء الاستفتاء والانتخابات كما تم الاتفاق عليه في مؤتمر باريس، لكن توافق البلدين الأوروبيين، أعطى نفسا جديدا نحو استكمال خارطة الطريق المدعومة أمميا، خاصة بعد زيارة وزير الخارجية الفرنسي جون إيف لودريان، الأسبوع الماضي، إلى كل من طرابلس وطبرق ولقائه بأطراف النزاع.
وحتى وإن تم إقرار مشروع قانون الاستفتاء، فإن هناك نقطة أخيرة قد تجعل إقرار دستور دائم للبلاد مسألة في غاية الصعوبة، حيث تتحدث عن تقسيم البلاد إلى أربعة دوائر انتخابية (طرابلس، برقة، فزان، الخارج)، ويشترط الحصول على ثلثي الأصوات في كل إقليم لإقرار الدستور، وإذا فرضنا أن إقليم برقة مثلا صوت أقل من الثلثين فهذا سينسف الدستور كاملا ويعيد البلاد إلى نقطة الصفر.
لذلك يمكن القول أن جلستي مجلس النواب اليوم لاحقا وغدا الثلاثاء، لن تكونا حاسمتين، فأمام إقرار دستور دائم لليبيا تحديات عديدة، في ظل إصرار أطراف في غرب البلاد على إقرار الدستور قبل الرئاسيات والبرلمانيات، في حين تحاول أطراف موالية لحفتر، تأجيل الاستفتاء إلى ما بعد الانتخابات حتى لا يكون عائقا أمام ترشح حفتر للرئاسيات.
واستقالة رئيس هيئة صياعة الدستور نوح عبد السيد، إحدى تجليات الصعوبات التي تواجه ميلاد الدستور الليبي الجديد، الأول من نوعه منذ 1951.