الرباط/ محمد الطاهري/ الأناضول
اعتبر منسق "الحملة الدولية لكسر حصار القدس" في المغرب، سعيد الحسن، أن فشل محاولة الانقلاب في تركيا منتصف الشهر الماضي بفضل وقوف الشعب في وجهها يشكل "منعطفا في غاية الأهمية في تاريخ المنطقة"، واصفا تلك الخطوة بأنها دللت على أن "المجتمع أصبح مهيأ لفرض إرادته الأهلية".
جاء ذلك في حوار مطول أجرته الأناضول مع الحسن في الرباط، تطرق خلاله إلى القضية الفلسطينية وتأثرها بموجة الثورات التي شهدتها عدة دول عربية فيما سمي بـ"الربيع العربي"، إضافة إلى المصالحة الداخلية بين حركتي المقاومة الإسلامية "حماس" وحركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح".
وفي هذا الصدد قال الحسن إن "الربيع العربي وما نتج عنه، بغض النظر عن الجانب الرسمي، أدى الى انشقاق أهلي عمودي في صفوف المجتمع العربي والقوى السياسية المختلفة التي تلتقي على مشترك النضال لنصرة القدس وفلسطين".
وفيما يلي نص الحوار:
* كيف تقرؤون محاولة الانقلاب الفاشلة في تركيا، في سياق دولي ووضع إقليمي مضطرب جدا؟
** كلنا سعداء بأن هذا الانقلاب فشل، وهذا الفشل في حد ذاته منعطف في غاية الأهمية في تاريخ المنطقة العربية والإسلامية، لأن هذا يؤذن بأن المجتمع أصبح مهيأ إلى فرض إرادته الأهلية ليبدأ مرحلة جديدة تصفي تماما المرحلة السابقة التي كان عنوانها إمارة المتغلب.
ورسالة الربيع العربي هي أنه لا شرعية لإمارة التغلب، وجاء فشل الانقلاب ليؤكد أن هذا يمكن أن يتحقق، وفعلا تحقق في تركيا، التي تحكمها حكومة تعبر عن اتجاه أهلي واسع في البلد وحكم 14 عاما متواصلة.
آمل، وعندي ثقة، أن هذا سيكون بداية مرحلة جديدة ليس في تركيا فقط بل في العالم الإسلامي وفي قلبه الأمة العربية.
* هل تزال فلسطين حقيقة في قلب الاهتمام العربي، رسميا وشعبيا؟
** النظام الإقليمي العربي في حد ذاته ليس معولا عليه، ففي النهاية جماهير الناس البسطاء هم المعول عليهم، لأن النظام العربي مهمته أن يقرر ما إذا يريد أن يتجاوب مع تطلعات البسطاء أم لا؟ فإذا تجاوب مع تطلعاتهم سيكون عامل تطور لواقع المنطقة، أما إذا رفض فهذا معناه أن لا مستقبل له.
إن فلسطين في قلب الاهتمام ليس لأننا نريدها أن تكون في القلب، لكن هذا واقع، الإحساس به سيتعمق عندما تستوي قوى التحرر العربي القادرة على التغيير، وتقف على قدميها لأخذ زمام المبادرة لتتحرك إلى مستقبل الكرامة.
من كان يتصور قبل اندلاع الثورة الفلسطينية في 1965 أن هناك شعبا سيكون له ما كان بعد الثورة الفلسطينية؟ من كان يقول إنه سيكون لهذا الشعب منظمة تمثله قبل أن يقوم الزعيم الشقيري، عليه رحمة الله، بتأسيس منظمة التحرير الفلسطينية.
لا أشك أنه سيكون هناك حضور مهم للقضية الفلسطينية، لكن هذا مرهون الآن بتكون وتبلور حركة تحرر عربي على امتداد المنطقة، يكون ولاؤها وانتماءها لثوابت أمتها ومحددات مدركاتها الجماعية، ومنظومتها القيمية والمعرفية، كما تحددت بمرجعية أمتها العربية الاسلامية. عندما يتحقق هذا، وهو في تصوري في مرحلة التحقق، سنشهد شيئا كبيرا.
* في بداية الربيع العربي، ساد رأي يقول إن القضية الفلسطينية ستتأثر كثيرا به سلبا أو إيجابا، بعد 5 سنوات كيف ترون هذا التأثير؟
** الربيع العربي وما نتج عنه، بغض النظر عن الجانب الرسمي، أدى الى انشقاق أهلي عمودي في صفوف المجتمع العربي والقوى السياسية المختلفة التي تلتقي على مشترك النضال لنصرة القدس وفلسطين.
واليوم هناك من يرى أن التغيير الجاري ليس بالاتجاه المطلوب، وخذ مثلا على ذلك سوريا، هذا الوضع كان له انعكاس سلبي جدا على القضية الفلسطينية، وبالتالي فإنه، بشكل أو بآخر، يعلن فشل شعار مهم من شعارات الثورة، والذي يريد أن يؤجل كل التناقضات والاختلافات إلى أن يتم تحرير فلسطين، لكن هذا الشعار يجب أن نقرأه بصورة أخرى، وهي أنه لابد من وجود أرضية فكرية تقود العمل باتجاه إنجاز مهام مرحلة التحرر التي لا تتوقف عند تحرير فلسطين من الاحتلال الصهيوني (الإسرائيلي)، لكن أيضا تحرر الأمة العربية من الاستعمار ومن التبعية للقوى الرأسمالية الدولية.
* ماذا تقول حول المحاولات الأخيرة لإعادة بناء المصالحة بين حركتي "حماس" و"فتح"، والحديث الأخير عن إمكانية إجراء انتخابات يشارك فيها الطرفان؟
** عسى أن يكون هناك لقاء بين الطرفين، لكن أنا لا أعول كثيرا على ما يسمى نزاع ووفاق، فالقضية الآن أكبر من قطاع غزة ومن فلسطين، وأتصور أن الطرفان لا يدركان الأبعاد الوطنية بالمعنى المجتمعي العربي، ولا الأبعاد الدولية للصراع في فلسطين، أتمنى لهم التوفيق في هذه المصالحة لأن الاتفاق أفضل من الفرقة، لكن الموضوع الآن يتجاوز فلسطين.
واندلاع الانتفاضة الكبرى (1987) كانت علامة على أن المرحلة الفصائلية من النضال الوطني التحرري في فلسطين انتهت، لكن يبدو أن الفصائل لما تتنبه بعد إلى هذا الواقع القائم. الآن نحن في مرحلة تتطلب بناء حركة عربية واحدة، ولا يمكن الحديث الآن عن عمل تحرري يواجه القوى الكبرى (وإسرائيل في النهاية مجرد واجهة للقوى الاستعمارية الكبرى في العالم)، بتنظيمات محلية وإنما بحركة عربية تحررية واحدة سرعان ما تكتمل شروط استوائها وقيادتها لواقعها ومنطقتها.
* عقدت نهاية الشهر الماضي قمة عربية في نواكشوط، كيف تقيمون التعاون العربي المشترك في الوضع الراهن؟
** الثورة الفلسطينية كانت علامة مهمة في تحديد اتجاه التكامل العربي بشعارها "فلسطينية الوجه عربية العمق"، وبعد إخراج المقاومة الفلسطينية من الأردن ثم لبنان، ومغامرة (الرئيس العراقي السابق) صدام حسين في الكويت (1990) والنتائج المأساوية التي انتهت إليها، أصبحت المنطقة مجزأة إلى صعيدين كبيرين، أحدهما يريد أن يتكيف مع الوضع الدولي بأي ثمن ممنيا نفسه ووهمه بأن لا مستقبل له إلا بذلك، بعيدا عن مبدئية (العاهل السعودي الراحل) الملك فيصل التي علينا استحضارها. فقد كان صادقا مع نفسه ووفيا لأمته، فوقف مع (الرئيس المصري السابق) جمال عبد الناصر بعد هزيمة 1967 (من إسرائيل)، ومع (الرئيس المصري السابق) أنور السادات في حرب 1973 (الذي استردت فيها مصر جزء من أراضيها المحتلة).
وضرب العراق الذي يسرته مقامرة صدام، وإخراج المقاومة الفلسطينية بعيدا عن جماهيرها ومخيماتها، وما نتج عن هذا كله من فرقة على المستوى العربي، سمحت بتدخلات إقليمية وبشكل خاص من إيران، ناهيك عن التدخلات الغربية بشكل أساسي من الولايات المتحدة وأيضا من عواصم غربية مختلفة، وهذا كله يمزق المنطقة الآن.
هذا كله يؤكد حقيقة دفعنا، وما نزال ندفع، ثمنها غاليا إلى أن نعيها ونتيقن منها ونعمل بها، وهي أن النظام الإقليمي العربي المجزء والمنقسم عاجز دوما عن أن يحقق تطلعات المنطقة وما يؤهله له ماضيها ما لم يلتئم ويستعيد وحدته وتماسكه.. ولا أتحدث هنا عن الماضي بالأمجاد، بل عن الظروف التي يقدمها لنا واقعنا الماثل كما صنعنا عبر ماضينا.
* عبر القادة العرب في القمة عن رفضهم التدخلات في العالم العربي، ودعوا إلى جعل 2017 عاما لإنهاء الاحتلال في فلسطين، ما جدية هذه المواقف؟
**يبدو أن النظام الرسمي العربي، أو أشلاء النظام العربي الراهن أصبح في وضعية هشة تستكين لذل التطبيع مع الكيان الصهيوني في فلسطين (إسرائيل)، وهذا غاية في الخطورة وسينعكس سلبا على كل من يقوم به بزلزال شبيه بالذي حصل بعد نكبة 1948، وقيام "إسرائيل" الغريبة الدخيلة عن المنطقة.
تاريخنا كله لم يعرف مشكلة مع اليهود بطبيعة الحال، لكن "إسرائيل" كيان استعماري يتمسح باعتبارات دينية وأساطير تاريخية لا صحة لها، وستظل أساطير لا مستقبل لها ولا مستقبل للمنطقة إلا بلفظ هذا الكيان الاستعماري الاجرامي.
أفهم أن يكون هناك نوع من التسوية المرحلية، لكن ليس قفل الملف الفلسطيني والتنازل عن أي من الحقوق الوطنية لعرب فلسطين في بلادهم ولو تعلق الأمر بمحل في تل أبيب.
للأسف يصب ما يجري الآن في هذا الاتجاه الذليل، بل هناك أجندة معينة تريد كالنعامة أن تهرب تماما من استحقاقات الكرامة والتغيير في المنطقة. وواقع الأمور وطبيعة المرحلة تحتم أن يكون هناك تغيير يتجاوب حقيقة وبصدق مع تطلعات الناشئة والأمة العربية الإسلامية، وإلا فإن ما جرى في الربيع العربي سيتكرر مرة أخرى بشكل انفجاري كبير جدا. ما يجري الآن هو تقدم إلى الخلف والذل، لكن المطلوب أن نتقدم إلى المستقبل والكرامة.
وأُعلن عن انطلاق "الحملة الدولية لكسر حصار القدس" في مايو/ أيار 2012، خلال المؤتمر العام لنصرة القدس، الذي عقد في القاهرة، بمشاركة نقابات ومنظمات ومؤسسات وشخصيات مستقلة تعمل من أجل نصرة مدينة القدس.
وتسعى الحملة، بحسب ما تعلن، إلى دعم صمود ورباط المقدسيين أمام الانتهاكات الإسرائيلية وتصعيد الفعاليات التضامنية وتحقيق المؤاخاة بين القدس وكافة الدول المنضوية في حملة كسر الحصار على كافة الأصعدة الاقتصادية والقانونية والسياسية وعلى المستويين الشعبي والحكومي محليا ودولياً.
news_share_descriptionsubscription_contact
