نينوى (العراق)/ محمد وليد - عارف يوسف/ الأناضول
مع احتدام المعارك في الموصل (405 كلم شمال العاصمة بغداد)، ومحاولة القوات العراقية التقدم نحو مركز المدينة من جانبها الشرقي، أظهر الكثير من سكان الموصل، بطريقة أو أخرى، مساندتهم لتلك القوات في مواجهة تنظيم "داعش"، وهو ما كلف العديد من هؤلاء السكان حياتهم.
البعض يتهم سكان الموصل (مركز محافظة نينوى)، ذات الأغلبية العربية السنية، بدعم "داعش" الذي سيطر على المدينة في يونيو/حزيران 2014؛ حين انسحبت أربع فرق من الجيش مدججة بالسلاح، أمام قرابة 300 مسلح، تاركة المدينة فريسة سهلة للتنظيم.
ورغم ذلك يظهر الكثير من سكان الموصل يوما بعد آخر دعمهم للقوات العراقية.
من هؤلاء مواطن يدعى أبو مهند (55 عاما) حمل هو وأولاده الثلاثة أسلحتهم الشخصية، وقاتلوا بجانب عناصر جهاز مكافحة الإرهاب، وهي قوات نخبة من الجيش تلقت تدريبا أمريكيا، وتمثل رأس حربة خلال عملية تحرير الموصل.
أبو مهند وأولاده الثلاثة
ما حدث مع أبو مهند وأولاده الثلاثة يحكيه جاره عمر عبد الوهاب (27 عاما)، وهو شاب من الموصل تمكن مع عائلته من النزوح من حي البكر شرقي المدينة إلى مخيم الخازر (35 كم شرق الموصل).
عبد الوهاب قال للأناضول إن "قوات جهاز مكافحة الإرهاب شرعت في اقتحام حي البكر، فجر الخميس 24 نوفمبر/ تشرين ثان الماضي، ودارت بينها وبين مسلحي داعش مواجهات مسلحة ضارية تكبد خلالها الطرفان خساشر فادحة في الأرواح والمعدات".
بعد ساعات من المواجهات، أضاف المواطن الموصلي "حل المساء، وتمكن داعش من محاصرة 4 عجلات (عربات) يستقلها جنود أمام منزل أبو مهند، وكادوا أن يصلوا إليهم ويأسرونهم، فما كان من جاري أبو مهند إلا أن خرج هو وأولاده الثلاثة، وهم مهند، وزيد، ووسام، وقاتلوا بجانب القوات العراقية، وفتحوا منزلهم أمام الجنود الجرحى، كي يستريحوا، ويتلقوا الإسعافات الأولية".
لم تنته المواجهات عن هذا الحد، فبحسب الجار "استمرت الاشتباكات حتى ساعات الصباح الأولى من يوم الجمعة، وكان أبو مهند يقاتل، ويرشد الجنود عن تواجد مسلحي داعش، كونه من أبناء المنطقة ويعرفها جيدا، وهو ما مكّن الجنود من البقاء على قيد الحياة، وسهّل تصديهم للتنظيم حتى وصول تعزيزات عسكرية أجلتهم نحو التقاطع الرئيس للمنطقة، تاركين أبو مهند وعائلته في منزلهم، بعد أن أبلغوهم بأنهم لم يتلقوا تعليمات بإجلائهم، وأنهم سيفعلون ذلك حال تلقيهم تعليمات، كونهم لا يبعدون عن منزلهم سوى أقل من كيلو متر واحد".
لكن لم تمض سوى ساعة أو أقل، وفق عبد الوهاب، "حتى باغت مسلحو داعش الزقاق الذي يسكنه أبو مهند، فاستغلوا نفاد ذخيرة جاري وأبنائه وبُعد الجيش عنهم، وطوقوا المنزل، ثم اقتادوا العائلة بأكملها، وهم 12 فردا بينهم أطفال ونساء، إلى ساحة بيع المشتقات النفطية في الحي، حيث صفوهم جسديا؛ بتهمة الردة والتعاون مع القوات الأمنية ضد التنظيم".
الموت في أية لحظة
في أي لحظة، يواجه المواطن الموصلي، لا سيما في الأحياء الشرقية من المدينة، خطر الموت خلال عمليات القوات العراقية التي يرد عليها داعش بهجمات انتحارية وسيارات مفخخة وقناصة؛ على أمل منع تقدم تلك القوات في الأحياء السكنية.
أمام زوجته وأطفاله الأربعة، قتل مسلحو داعش الشاب "علاء محمد العبيدي" في منزله بحي الجامعة شرقي الموصل.
ما حدث للعبيدي ترويه زوجته (طلبت عدم نشر اسمها) بقولها للأناضول: "قبيل تحرير الحي من قبضة داعش، فجّر التنظيم سيارة مفخخة قرب منزلنا، مساء يوم ثلاثاء في بدايات الشهر الجاري، مستهدفا قوات أمنية؛ ما أصاب والد زوجي بجروح بالغة، اضطر على إثرها علاء إلى نقل والده الجريح نحو القوات الأمنية، ليتلقى العلاج اللازم، ثم عاد إلى المنزل الذي دمر التفجير أغلب ما فيه".
وهي على وشك الانهيار من هول ما تتذكره، تابعت الزوجة: "في تمام الساعة الواحدة فجر اليوم التالي، اقتحم مسلحون من داعش منزلنا، وطلبوا من زوجي تزويدهم بمعلومات عن مواقع القوات الأمنية وعددها وحالتهم النفسية".
لكن الشاب الموصلي ووفق زوجته "رفض، بل وحمل عناصر داعش مسؤولية إصابة والده؛ كونهم يفجرون السيارات المفخخة وسط الأحياء دون الاكتراث لحياة المدنيين، لاسيما الأطفال وكبار السن، وطالبهم بالخروج فورا من منزلنا المحطم.. دون سابق إنذار، أطلق أحد المسلحين النار من سلاحه الرشاش على علاء، فقتله في الحال، ثم انسحبوا بهدوء، وكأن شيئا لم يحدث".
بينما تبكي فراقه، أضافت الزوجة أنها "كانت ليلة مرعبة، فالدماء ملأت المكان، ولم أتمكن من فعل شيء سوى الصراخ والصراخ الشديد، لكنه لم يجد نفعا، ولم أتلق استجابة من أي طرف، فأهالي الحي كانوا يخشون، مع انقطاع الطاقة الكهربائية، الخروج من منازلهم، بسبب انتشار القناصة في كل مكان، وإطلاقهم النار على أي حركة في الشارع".
لكن رفيقة درب علاء لم تيأس، فكما أوضحت "واصلت الصراخ وطلبت النجدة دون توقف، وكان بكاء أطفالي الذين استيقظوا على صراخي، يهز أرجاء المنطقة.. استمر الوضع على هذا الحال حتى الرابعة فجرا، عندما حضر رجال ونساء من المنطقة، وتفاجأوا بهذه الجريمة، ولم يتمكنوا من فعل شيء سوى دفن زوجي في حديقة المنزل".
مع هذه النهاية المأساوية، اختتمت "تركت منزلي، وتوجهت إلى منزل أحد أقربائي في حي النور شرقي المدينة، قبل تحريره، بانتظار أن تقضي القوات الأمنية على داعش، وتحرر الموصل، وحينها سأغد المدينة، دون العودة إليها".
التعاون مع "الكفار"
خلال توغلها في الأحياء السكنية، تواجه القوات العراقية صعوبات كبيرة للغاية؛ لاعتماد داعش على العبوات الناسفة، والبراميل المتفجرة، والسيارات المفخخة، والقناصة وشبكة أنفاق سرية، فضلا عن معرفتهم الجيدة بجغرافيا المدينة.
مصدر محلي مطلع، طلب عدم نشر اسمه خشية على حياته، قال للأناضول إن "مسحلي داعش شنوا حملة دهم وتفتيش واسعة، طالت أحياء المثنى وكراج الشمال والوحدة والسكر في جانب الموصل الشرقي (شرق دجلة)، حيث اعتقلوا 56 رجلا تتراوح أعمارهم بين 16 و50 عاما، واقتادوهم إلى جهة مجهولة".
المصدر أوضح أن "التنظيم رفض إبلاغ ذوي المعتقلين بأماكن تواجدهم أو أية معلومة أخرى، مكتفيا بالقول إنهم مرتدون تعاونوا مع الكفار ضد الدول الإسلامية (التي أعلنها التنظيم)"، خاتما بأن "حالة الخوف والقلق باتت تخيم على المدنيين، فداعش تحول إلى وحش كاسر يقتل كل من يشك في عدم ولائه له، بعد أن تيقن أن نهايته باتت قريبة جدا".
ومع استمرار المعارك منذ بدء العملية العسكرية يوم 17 أكتوبر/ تشرين أول الماضي، أصبح أهالي الموصل بين خيارين أحلهما مر، أولهما البقاء في منازلهم، تحت رحمة نيران داعش وشح المواد الغذائية والطبية.
أما الخيار الآخر فهو النزوح، حيث مخاطر الطريق الطويلة، وسوء أوضاع مخيمات النزوح غير المجهزة جيدا، لاسيما في فصل الشتاء، ببرودته القارسة ومياه أمطاره الغزيرة.
ومنذ بدء المعارك، نزح أكثر من 100 ألف مدني من الموصل ومحيطها، بحسب وزارة الهجرة والمهجرين العراقية، معظمهم من المدينة، البالغ عدد سكانها قرابة 1.5 مليون نسمة، وهي ثاني أكبر مدن العراق سكانا بعد بغداد.
news_share_descriptionsubscription_contact


