اسطنبول/ هشام شعباني/ الأناضول
قال "أمر الله إيشلر" نائب رئيس الوزراء التركي: " عندما نطلق العنان للتفكّر في تاريخ البشرية، نجد أنفسنا في مواجهة تاريخ مليء بالدموع والآلام الناتجة عن الحروب، علماً أن هذا الحال ليس عبارة عن قدر متلازم مع مصير الإنسانية، إذ أن تأسيس نظام عالمي خالٍ من تلك الأحداث المؤلمة، مسألة ممكنة، هذا إذا علمنا أن السبب الرئيسي لما نعانيه من أحداث مؤلمة، يعود إلى عدم قدرة البشرية على ترسيخ مفاهيم الوعي تجاه أهمية مبادئ السلم العالمي والقانون، والجهد غير المنقطع من أجل تكديس رؤوس الأموال بأيدي قلة معينة من الناس ".
جاء ذلك في كلمة له خلال "مؤتمر الاتحاد الدولي للمجتمعات الإسلامية الثالث والعشرين" - الذي عقد برعاية من قبل مركز الابحاث الاقتصادية والاجتماعية التركية؛ بعنوان "التهديدات العالمية والعالم الإسلامي" - مؤكداً أنه بات من الجليّ، خاصة في هذه المرحلة، بأن النظام العالمي الحالي يقف عاجزاً عن إنتاج الحلول، بالتزامن مع ازدياد المشاكل التي تواجه العالم على الصعيدين المحلي والدولي، ليصبح نظاماً مثيراً للجدل، وفاقداً للقدرة على حل المشاكل والنهوض بالأعباء المتراكمة، ليس هذا فحسب، بل بإمكاننا القول أن النظام العالمي المذكور، بات مصدراً لإنتاج المشاكل طيلة القرن الماضي، في الوقت الذي يشعر فيه أفراد هذا العالم، بالقلق إزاء تسارع وتيرة الصراعات والانتفاضات وازديادها في هذا العالم، الذي أصبح كأنما لو أنه يعود بنا إلى سنوات الحرب الباردة.
وأضاف إيشلر أن أبعاد تصاعد الرهاب من الإسلام (الإسلاموفوبيا) والعنصرية في العالم الغربي، وصل إلى مرحلة أصبحت تشكل فيه مصدر تهديد للسلام العالمي، فيما تواجه المناطق المسلمة مكائداً وأساليب تحايل يقودها رواد القوى العنصرية والاحتكارية، الذين يعملون دون كلل أو ملل، من أجل دعم الإرهاب الذي ينشر الصراعات والحروب في العالم الإسلامي، لذا نجد البشرية اليوم، واقفة على أعتاب تهديدات نظامٍ عالمي، يذخر بكافة أنواع وأشكال القمع والاستبداد والاستعمار.
وتابع إيشلر، أن اتساع رقعة الظلم وعدم وجود تقسيم عادل لثروات العالم، فضلاً عن تعاظم مستويات الفقر في البلدان النامية ومساحات واسعة من العالم؛ كان نتيجة حتمية أفرزها النظام المفروض من قبل القوى التي اعتبرت نفسها المؤسس الحقيقي لهذا العالم، والتي تتنازع من أجل اقتسام ثرواته، لكنها تقف عاجزة اليوم، عن إيجاد حلول للمشاكل التي تعتري هذا العالم، كما أن الأساليب التجارية التي تعتمد على إعلاء القيم الرمزية وتتجاهل القيم الحقيقية أدت إلى إنتشار ظاهرة الاحتكار على مستوى العالم، وأضفت على ظاهرة الفقر بعداً عالمياً، فكما أن ظواهر البطالة والفقر والبؤس وصلت إلى مستويات لا يمكن تحملها في الكثير من أنحاء العالم، فإن السياسات الحِمائية الجديدة التي تطبق في الغرب، تساهم في تأسيس المناخات المواتية لتعميق حالة الفقر في الدول النامية، بالإضافة إلى أن ظاهرتي الاتجار بالبشر وتجارة المخدرات، اللتان باتتا تشكلان مصدر تهديد يؤرق مستقبل البشرية جمعاء.
وحول الإنتخابات البرلمانية الأوروبية الأخيرة قال إيشلر؛ أن نسبة المشاركة الضئيلة في انتخابات الاتحاد الأوروبي البرلمانية، تحمل أهمية على صعيدين اثنين، فهي أظهرت صعود اليمين المتطرف في تلك البلدان، ما سيعزز من ظاهرة الاسلاموفوبيا ويزيد من احتمال تعرض المسلمين في أوروبا إلى هجمات عنصرية، وأكّدت حقيقة تراجع عدد الأوروبيين المؤمنين بالديمقراطية. كما أن التراجع في أعداد الأوروبيين المؤمنين بالديمقراطية، يعود إلى سياسة المعايير المزدوجة والسياسات غير العادلة التي ينتهجها الغرب، كما أن متوسط نسبة المشاركة في الانتخابات البرلمانية الأوروبية التي لم تتجاوز الـ 43٪ فقط، تعتبر دليلاً يحمل في جعبته مؤشرات تدعو إلى التَفَكّر ملياً.
واستطرد إيشلر، أن التحولات التي شهدها العالم الإسلامي، بدأت تتشكل وفق مقتضيات الهيمنة وتوجيهات القوى المصممة للنظام العالمي. لقد تُرِك العالم الإسلامي خالياً من قيمه، غريباً عن ذاته، الأمر الذي دفع الشعوب وخاصة في السنوات الأربع الأخيرة، إلى الإنتفاضة عبر ما يمكن أن نسميه المقاومة الشعبية، المتمثلة بالربيع العربي، من أجل دحر الأنظمة الصورية الخاضعة للسياسات الغربية - التي تمارس الاستبداد على شعوبها - فضلاً عن أن مرحلة الربيع العربي تلك، جاءت لتقول كفى لجميع أنواع القمع الذي دام لسنواتٍ طويلة، وللممارسات القاسية وللظلم والإحباط والفشل الاقتصادي والسياسي والاجتماعي، كما أظهرت تلك المرحلة إرادة الجماهير الراغبة بحكم نفسها بنفسها، فكانت بذلك المرة الأولى التي امتلك فيها تلك الجماهير، الشجاعة لكي تعبِّر عن مطالبها بوجه الأنظمة الاستبدادية، بصوت هدّار مجلجل.
وأضاف إيشلر، أن هناك من يعمل على توجيه الضمير الانساني نحو اتجاهات خاطئة، من خلال إلهاءِ العقول المثقفة، بحساسيات مصطنعة، كمسائل استنفاد طبقة الأوزون، وزيادة معدل الكربون في القطب الشمالي، وانقراض النباتات المُستَوطِنَة. لكن نستطيع القول أن الحل موجود بالرغم من جميع الحوادث السلبية، والمشاكل التي تسبب بها الإنسان، فالحل يكمن في تغيير النموذج الفكري الذي سيطر على العالم عقب الحرب العالمية الثانية، والذي يَعتبر أن القوة تتناسب طرداً مع الحق، وفي إجهاض مساعي إطالة أمد التوترات، التي تعمل عليها المؤسسات والمنظمات الدولية، مستندةً بذلك إلى النموذج الفكري القائم على أسس تضارب المصالح، في الوقت الذي كان ينبغي فيه على تلك المنظمات، وضع حد للصراعات والتوترات. لذا يجب العمل على تأسيس عالم جديد يَرتَكِزُ على الحق والعدل، ويستند إلى أسس التعاون والتضامن العالمي، ليحل محل العلاقات الدولية القائمة على أساس "النماذج الفكرية التي تتوازى مع المصالح".
وختم إيشلر، أن على المسلمين، لعب دورٍ فعّالٍ في تأسيس هذا العالم الجديد، خاصة وأن عقيدتهم تقوم على مفاهيم العدالة. وفي هذا الإطار، يتوجه "المؤتمر الثالث والعشرون للمجتمعات المسلمة حول العالم"، بدعوة كل من يرى في اتخاذ مواقف مناهضة للقهر والظلم والاستغلال والاستعمار على أنها فضيلة إنسانية، إلى المشاركة بتأسيس عالم جديد، يَرتَكِزُ على أسس الحق والعدل، ليكون هذا العالم الجديد، عالماً مُفعماً بالسلام والتضامن العالمي، الذي يخدم البشرية جمعاء، علماً أن الدور المنوط بنا، هو حماية هذا العالم الفاني من الاضمحلال، في غمرة الساهين الذين يقدسون ما ليس به منتفع ولا مغنم.
news_share_descriptionsubscription_contact
