أنقرة/ مؤمن ألطاش/ الأناضول
قال نائب رئيس الوزراء التركي الناطق باسم الحكومة، نعمان قورتولوش، إنّ "التحقيق حول مجريات التاريخ، وسرد وقائعه ليس من وظائف البرلمانات"، وذلك في تعليقه على اعتزام البرلمان الألماني طرح المزاعم الأرمنية حول أحداث 1915، على جدول أعماله، لمناقشة مشروع قرار بشأنها، مطلع يونيو/حزيران المقبل.
جاءت تصريحات قورتولوش في مؤتمر صحفي عقده أثناء استمرار اجتماع مجلس الوزراء التركي برئاسة بن علي يلدريم، في العاصمة أنقرة.
وأضاف نائب رئيس الحكومة أن "العلاقات المتينة التي تربط بين أنقرة وبرلين، تمتد إلى سنوات الحرب العالمية الأولى"، معربًا في هذا السياق عن اعتقاده أن البرلمان الألماني لن يفرط بهذه العلاقات، إرضاءً لعدد من السياسيين.
وأشار إلى أنه في حال إقرار البرلمان الألماني للادعاءات الأرمينية حول أحداث عام 1915، فإنّ تركيا ستتعامل مع هذا القرار كما تعاملت مع القرارات الصادرة عن برلمانات أخرى، وستعتبره "نصًا لا قيمة له".
وفيما يتعلق برفع تأشيرة الدخول عن المواطنين الأتراك لدول منطقة شنغن، أعرب قورتولموش عن أمله في ألّا تحاول بعض الجهات، استغلال النوايا الصادقة والرغبة الحقيقية لدى بلاده حيال تحقيق هذه المسألة، واصفًا في الوقت نفسه محاولات بعض الساسة الأوروبيين لإطالة أمد المباحثات حول رفع التأشيرة بـ"التصرف غير المقبول".
وأردف قائلًا: "تركيا قامت بواجباتها تجاه هذا الأمر، وحققت معظم المطالب الأوروبية، وتسعى لتحقيق البقية، واجتماع مجلس الوزراء (التركي) المنعقد، ناقش تفاصيل لقاء النائب الأول لرئيس المفوضية الأوروبية، فرانس تيمرمانس، مع وزير الخارجية التركي، مولود جاويش أوغلو، وكبير المفاوضين الأتراك، وزير شؤون الاتحاد الاوروبي، عمر جليك، حول مسألة رفع تأشيرة الدخول".
وحول الأزمة السورية، أكد على أن بلاده "ستقوم بما يجب من أجل شلّ حركة المنظمات الإرهابية على طول المناطق الواقعة بين جرابلس ومارع في ريف حلب، نظرًا للتهديدات التي تواجهها تركيا من المنظمات الإرهابية الناشطة في المنطقة المذكورة".
وردًا على سؤال حول تفاصيل المقترح التركي على الولايات المتحدة، للقيام بعملية لتحرير مدينة جرابلس من قبضة "داعش" انطلاقًا من الأراضي التركية، أعرض قورتولموش عن الإجابة، مشيرًا إلى أنه لا يمكنه الكشف عن تفاصيل العملية.
وعن حادثة إسقاط سلاح الجو التركي، المقاتلة الروسية التي انتهكت أجواء بلاده يوم 24 نوفمبر/تشرين ثان الماضي، قال نائب رئيس الحكومة، إنّ تركيا تصرفت وفق قواعد الاشتباك المتفق عليها دوليًا، وأنّها لم تكن ترغب في أن تصل الخلافات بين أنقرة وموسكو إلى ما وصلت إليه.
وحول تصريحات الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، حيال رغبة موسكو في تحسين العلاقات مع أنقرة، لفت إلى أن البلدين لا يستطيعان الاستغناء عن بعضهما البعض، وأنّ روابط تاريخية وجغرافية تجمعهما، مستدركاً بالقول إنه "على الجانب الروسي عدم إطالة تعنته بسبب حادثة إسقاط المقاتلة".
داخلياً، تطرق قورتولوش لاجتماع مجلس الوزراء التركي المنعقد اليوم، موضحاً أنه ناقش الوضع الحالي في المناطق التي تمّ تطهيرها من عناصر منظمة "بي كا كا" الإرهابية، وقدّر تكاليف إعادة إعمار منطقة سور بولاية دياربكر، وسيلوبي وجيزرة وإديل بولاية شرناق، ويوكسك أوفا بولاية هكاري، بـنحو 290 مليون دولار.
ما الذي حدث في 1915؟
تعاون القوميون الأرمن مع القوات الروسية بغية إنشاء دولة أرمنية مستقلة في منطقة الأناضول، وحاربوا ضد الدولة العثمانية إبان الحرب العالمية الأولى التي انطلقت عام 1914، وعندما احتل الجيش الروسي، شرقي الأناضول، لقي دعمًا كبيرًا من المتطوعين الأرمن العثمانيين والروس، كما انشق بعض الأرمن الذين كانوا يخدمون في صفوف القوات العثمانية، وانضموا إلى الجيش الروسي.
وبينما كانت الوحدات العسكرية الأرمنية، تعطل طرق إمدادات الجيش العثماني اللوجستية، وتعيق تقدمه، عمدت العصابات الأرمنية إلى ارتكاب مجازر ضد المدنيين في المناطق التي احتلتها، ومارست شتى أنواع الظلم بحق الأهالي.
وسعيًا منها لوضع حد لتلك التطورات، حاولت الحكومة العثمانية، إقناع ممثلي الأرمن وقادة الرأي لديهم، إلا أنها لم تنجح في ذلك، ومع استمرار هجمات المتطرفين الأرمن، قررت الحكومة في 24 نيسان/ أبريل 1915، إغلاق ما يعرف باللجان الثورية الأرمنية، واعتقال ونفي بعض الشخصيات الأرمنية البارزة، واتخذ الأرمن من ذلك التاريخ ذكرى لإحياء "الإبادة الأرمنية" المزعومة، في كل عام.
وفي ظل تواصل الاعتداءات الأرمنية رغم التدابير المتخذة، قررت السلطات العثمانية، في 27 آيار/ مايو 1915، تهجير الأرمن القاطنين في مناطق الحرب، والمتواطئين مع جيش الاحتلال الروسي، ونقلهم إلى مناطق أخرى داخل أراضي الدولة العثمانية.
ومع أن الحكومة العثمانية، خططت لتوفير الاحتياجات الانسانية للمهجّرين، إلا أن عددًا كبيرًا من الأرمن فقد حياته خلال رحلة التهجير بسبب ظروف الحرب والقتال الداخلي والمجموعات المحلية الساعية للانتقام وقطاع الطرق والجوع والأوبئة.
وتؤكد الوثائق التاريخية، عدم تعمد الحكومة وقوع تلك الأحداث المأساوية، بل على العكس، لجأت إلى معاقبة المتورطين في انتهاكات ضد الأرمن أثناء تهجيرهم، وجرى محاكمة وإعدام المدانين بالضلوع في المأساة الإنسانية، رغم عدم وضع الحرب أوزارها.
وعقب انسحاب روسيا من الحرب جراء الثورة البلشفية عام 1917 تركت المنطقة للعصابات الأرمنية، التي حصلت على الأسلحة والعتاد الذي خلفه الجيش الروسي وراءه، واستخدمتها في احتلال العديد من التجمعات السكنية العثمانية.
وبموجب معاهدة "سيفر" التي اضطرت الدولة العثمانية لتوقيعها، تم فرض تأسيس دولة أرمنية شرقي الأناضول، إلا أن المعاهدة لم تدخل حيز التنفيذ، ما دفع الوحدات الأرمنية إلى إعادة احتلال شرقي الأناضول، وفي ديسمبر/كانون أول 1920 جرى دحر تلك الوحدات، ورُسمت الحدود الحالية بين تركيا وأرمينيا لاحقًا، بموجب معاهدة غومرو، إلا أنه تعذر تطبيق المعاهدة بسبب كون أرمينيا جزءً من روسيا في تلك الفترة، ومن ثم جرى قبول المواد الواردة في المعاهدة عام 1921، عبر معاهدة موسكو الموقعة مع روسيا، واتفاقية قارص الموقعة مع أذربيجان وأرمينيا وجورجيا، لكن أرمينيا أعلنت عدم اعترافها باتفاقية قارص، عقب استقلالها عن الاتحاد السوفييتي، عام 1991.
الحاجة إلى ذاكرة عادلة وتفهم متبادل
وتطالب أرمينيا واللوبيات الأرمنية في أنحاء العالم بشكل عام، تركيا بالاعتراف بما جرى خلال عملية التهجير على أنه "إبادة عرقية"، ودفع تعويضات.
وبحسب اتفاقية 1948، التي اعتمدتها الجمعية العامة للأمم المتحدة بخصوص منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها، فإن مصطلح "الإبادة الجماعية" (العرقية) يعني التدمير الكلي أو الجزئي لجماعة قومية أو إثنية أو عنصرية أو دينية.
وتؤكد تركيا عدم إمكانية اطلاق صفة "الإبادة العرقية" على أحداث 1915، بل تصفها بـ"المأساة" لكلا الطرفين، وتدعو إلى تناول الملف بعيدًا عن الصراعات السياسية، وحل القضية عبر منظور "الذاكرة العادلة" الذي يعني باختصار التخلي عن النظرة أحادية الجانب إلى التاريخ، وتفهم كل طرف ما عاشه الطرف الآخر، والاحترام المتبادل لذاكرة الماضي لدى كل طرف.
كما تقترح تركيا القيام بأبحاث حول أحداث 1915 في أرشيفات الدول الأخرى، إضافة إلى الأرشيفات التركية والأرمنية، وإنشاء لجنة تاريخية مشتركة تضم مؤرخين أتراك وأرمن، وخبراء دوليين.
يريفان لم تنتهز فرصة تطبيع العلاقات
شهد عام 2009 أهم تطور من أجل تطبيع العلاقات بين البلدين، حيث وقع الجانبان بروتوكولين من أجل إعادة تأسيس العلاقات الدبلوماسية، وتطوير العلاقات الثنائية، في أكتوبر/تشرين أول، بمدينة زيورخ السويسرية.
ويقضي البروتوكولان، بإجراء دراسة علمية محايدة للمراجع التاريخية والأرشيفات، من أجل بناء الثقة المتبادلة وحل المشاكل الراهنة، فضلًا عن الاعتراف المتبادل بحدود البلدين، وفتح الحدود المشتركة.
كما نصّ البروتوكولان على التعاون في مجالات السياحة والتجارة والاقتصاد والمواصلات والاتصالات والطاقة والبيئة والإقدام على خطوات من أجل تطبيع العلاقات انطلاقًا من المشاورات السياسية رفيعة المستوى وصولًا إلى برامج التبادل الطلابي.
وأرسلت الحكومة التركية، البروتوكلين إلى البرلمان مباشرة من أجل المصادقة عليهما، فيما أرسلت الحكومة الأرمنية، نصيهما إلى المحكمة الدستورية من أجل دراستهما، وحكمت المحكمة أن البروتوكلين لا يتماشيان مع نص الدستور وروحه.
وبررت المحكمة قرارها بأن الدستور يتضمن إشارة إلى إعلان الاستقلال الذي ينص على "مواصلة الجهود من أجل القبول بالإبادة العرقية في الساحة الدولية"، ويعتبر شرقي تركيا جزءً من الوطن الأرمني، تحت مسمى "أرمينيا الغربية".
وأعلنت أرمينيا تجميد عملية المصادقة على البروتوكلين، في يناير/كانون ثان عام 2010، وسحبتهما من أجندة البرلمان، في شباط/ فبراير 2015.
وكان رئيس الوزراء التركي السابق أحمد داود أوغلو، زار أرمينيا في ديسمبر/كانون أول 2013 بصفته وزيرًا للخارجية في تلك الفترة، وأكد في تصريح صحفي، عقب الزيارة، ضرورة حل القضية عبر تبني موقف عادل وإنساني، بعيدًا عن المقاربات أحادية الجانب، والتقييمات الظرفية، منوهًا أنه لا يمكن صياغة التاريخ إلا عبر ذاكرة عادلة.
بدوره أعرب الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، عن تعازيه لكافة مواطني الدولة العثمانية الذي فقدوا حياتهم إبان الحرب العالمية الأولى، وعلى رأسهم الأرمن، ووجه دعوة من أجل السلام والتصالح، في رسالة بتاريخ 23 أبريل/نيسان 2014، عندما كان رئيسًا للوزراء.
news_share_descriptionsubscription_contact
