أنقرة/ شعلة أوزقان/ الأناضول
أحمد ناوكي ماينو، عضو مجلس إدارة معهد مسجد طوكيو، للأناضول:
- التحركات الأخيرة ضد المسلمين في البلاد لا تعكس موقف المجتمع الياباني
- الحملات تستهدف التأثير على صورة اليابان وعلاقاتها المتنامية مع العالم الإسلامي
- المشاركون في بعض الاحتجاجات المناهضة للمسلمين غالبا لا ينتمون إلى المدن التي تشهد هذه التحركات
- المجتمع الياباني ينظر غالبا إلى الدين باعتباره مسألة شخصية داخلية، ما يجعل المظاهر الدينية العلنية تبدو غير مألوفة لدى البعض
تزامنا مع تنامي علاقاتها الاقتصادية والثقافية مع الدول الإسلامية، شهدت اليابان خلال الأشهر الماضية تحركات مناهضة للمسلمين أثارت نقاشا بشأن انعكاساتها المحتملة على صورتها الدولية.
وتؤكد شخصيات مسلمة يابانية أن هذه التحركات ضد المسلمين مؤخرا لا تمثل المجتمع الياباني، بل تعكس أجندات سياسية منظمة.
وبحسب تقارير إعلامية، برزت خلال الأشهر الأخيرة حملات يقودها مؤثرون مرتبطون بتيارات يمينية متطرفة في اليابان، تستهدف عرقلة بناء المساجد وتروج لخطابات مناهضة للمسلمين عبر منصات التواصل الاجتماعي، في وقت تشهد فيه البلاد زيادة في أعداد الأجانب والمسلمين.
وفي أبريل/ نيسان الماضي، شهدت مدينة فوجيساوا في محافظة كاناغاوا اليابانية خروج آلاف المتظاهرين في احتجاجات على مشروع لبناء أول مسجد في المدينة، في تحرك يُعد من بين أكبر التجمعات المناهضة للمسلمين في البلاد، وأثار نقاشا مجتمعيا واسعا حول تنامي هذا النوع من الاحتجاجات.
وتشير تقديرات إلى أن عدد المسلمين في اليابان يصل إلى نحو 300 ألف نسمة.
وبلغ عدد سكان البلاد نحو 123 مليون نسمة عام 2025، بحسب تصريحات صحفية للمتحدث الرسمي باسم الحكومة مينورو كيهارا، في مايو/أيار 2026.
وفي حديث للأناضول، قال أحمد ناوكي ماينو، عضو مجلس إدارة معهد مسجد طوكيو في العاصمة اليابانية، إن الأنشطة المعادية للمسلمين التي ظهرت مؤخرا في اليابان لا تمثل رد فعل طبيعيا من السكان المحليين.
ومسجد طوكيو، افتتح لأول مرة، عام 1938، عقب تشييده من قبل أتراك "القازان" (المسلمون التتار) الذين هاجروا من روسيا في أعقاب الاحتلال البلشفيّ عام 1917، ولجأوا إلى اليابان.
يشتهر المسجد بطراز معماري عثماني يشبه الجامع الأزرق أو جامع السلطان أحمد بمدينة إسطنبول التركية، وقد تحول إلى وجهة يقصدها الزوار للتعرف عن قرب على الإسلام.
ويشير عضو مجلس إدارة معهد مسجد طوكيو، في حديثه للأناضول، إلى أن المشاركين في بعض الاحتجاجات المناهضة للمسلمين غالبا لا ينتمون إلى المدن التي تشهد هذه التحركات.
هذه المعطيات تكشف وجود دوافع سياسية تقف وراء هذه الأنشطة، وفقا لماينو الذي كشف أنه نشأ في عائلة يابانية واعتنق الإسلام في سن الثامنة عشرة.
ويضيف: "معظم الأشخاص الذين يشاركون في الاحتجاجات ضد المسلمين يأتون من خارج تلك المدن، وهو ما يوضح أن الأمر يجري توجيهه وتنظيمه لأهداف تتجاوز المخاوف المحلية".
أكد ماينو أن وجود المسلمين في اليابان يعود إلى أكثر من 120 عامًا، وأن جذور العلاقات بين اليابان والعالم الإسلامي تعود إلى حادثة غرق الفرقاطة العثمانية أرطغرل عام 1890، والتي شكلت بداية الصداقة التاريخية بين تركيا واليابان.
جدير بالذكر أن الفرقاطة "أرطغرل" غرقت في 16 سبتمبر/ أيلول 1890، أثناء عودتها من رحلة، قدم خلالها طاقمها رسالة وهدايا من السلطان العثماني عبد الحميد الثاني (1842 ـ 1918) إلى إمبراطور اليابان، ردا على زيارة أجراها الأمير أكيهوتو كوماتسو، ابن أخ الإمبراطور، للسلطان.
وذكر ماينو، المقيم في مدينة إيتشيكاوا التابعة لمحافظة تشيبا اليابانية، أن العلاقة بين المجتمع الياباني والمسلمين اتسمت على مدى عقود بطابع إيجابي إلى حد كبير، رغم ظهور بعض الخطابات السلبية خلال الفترة الأخيرة.
في سياق متصل، دعا ماينو إلى التعامل بحذر مع الروايات المتداولة عبر وسائل التواصل الاجتماعي بشأن كون الإسلام "أسرع الأديان نموا" في اليابان.
وأوضح أن ارتفاع عدد المسلمين في البلاد يرتبط أساسًا بزيادة أعداد المقيمين الأجانب القادمين من خارج اليابان، وليس نتيجة اعتناق أعداد كبيرة من اليابانيين للإسلام.
وشدد على أن تحول المواطنين اليابانيين إلى الإسلام ما يزال يحدث بوتيرة بطيئة نسبيا.
ورأى ماينو أن تزايد عدد المسلمين في اليابان خلال السنوات الأخيرة أدى إلى ارتفاع عدد المصليات وزيادة التفاعل اليومي بين المسلمين والمجتمع المحلي.
لكنه أشار في المقابل إلى أن منتصف العام الماضي شهد للمرة الأولى ظهور تحركات ذات طابع عدائي تجاه المسلمين.
ولفت إلى أن وسائل التواصل الاجتماعي تضخم حجم هذه الظاهرة بشكل يفوق حجمها الحقيقي على الأرض.
وقال إن متابعة النقاشات عبر المنصات الرقمية قد تعطي انطباعا بوجود ظاهرة واسعة ومنتشرة، إلا أن الواقع اليومي داخل اليابان لا يعكس وجود حالة عامة من كراهية الأجانب أو الإسلاموفوبيا.
كما رفض ماينو التصورات التي تفترض وجود موقف سلبي متجذر لدى اليابانيين تجاه الأديان عموما، مستشهدا بسلوك السياح اليابانيين خلال زياراتهم الخارجية.
وأضاف أن آلاف السياح اليابانيين الذين يزورون تركيا يحرصون على زيارة مواقع دينية بارزة مثل مسجد السلطان أحمد، وجامع آياصوفيا، وهو ما يناقض الادعاءات التي تصور اليابانيين باعتبارهم رافضين للمظاهر الدينية.
وبشأن الاحتجاجات التي استهدفت بعض المساجد والتجمعات الإسلامية، أكد ماينو أن غالبية المشاركين فيها ليسوا من السكان المحليين في المدن التي شهدت تلك التحركات.
وأشار إلى أن ذلك يعزز فرضية وجود تنظيم خارجي يحرك هذه الأنشطة، مضيفًا أن عدد الأشخاص الذين يحاولون تكوين صورة سلبية عن المسلمين والأجانب داخل اليابان ما يزال محدودًا.
وذهب إلى أبعد من ذلك بالقول إنه يعتقد أن بعض هذه المجموعات قد تتلقى تمويلا من جهات صهيونية، لافتا إلى أن بعض الناشطين يرسلون رسائل قانونية عبر محامين إلى ممثلين عن الجاليات المسلمة بهدف عقد اجتماعات شكلية لا تهدف إلى حوار حقيقي، بل إلى الادعاء لاحقا بأنهم ناقشوا هذه القضايا مع المسلمين.
ووصف بعض الجماعات المعادية للمسلمين بأنها تقدم نفسها باعتبارها حركات وطنية تدافع عن اليابان، لكنه رفض هذا الوصف قائلا إن الوطنيين الحقيقيين كانوا دائما أصحاب علاقات جيدة مع الآخرين، بينما تمثل هذه الجماعات تيارات تحريضية لا أكثر.
وحذر ماينو من أن الخطابات المعادية للمسلمين والمهاجرين لا تستهدف الجاليات الإسلامية فحسب، بل يمكن أن تضر بالمصالح اليابانية ذاتها، خصوصًا في ظل تنامي العلاقات الاقتصادية بين اليابان والدول الإسلامية.
وأوضح أن اليابان شهدت خلال السنوات الأخيرة زيادة في أعداد السياح القادمين من الدول الإسلامية، إلى جانب توسع سوق المنتجات الحلال ونمو القطاعات المرتبطة بها.
وأضاف أن الترويج لصورة اليابان باعتبارها دولة معادية للمسلمين قد يؤدي مع الوقت إلى تراجع أعداد السياح المسلمين، وهو ما قد ينعكس سلبا على الاقتصاد الياباني وعلى صورة البلاد عالميا.
وأشار ماينو إلى أن السلطات المحلية سمحت طوال العقود الثلاثة الماضية للمسلمين باستخدام أحد المتنزهات العامة لإقامة صلاة عيد الفطر، إلا أن بعض التحركات التحريضية الأخيرة دفعت السلطات إلى تعديل هذه الآلية.
وبيّن أن أبرز التحديات المؤسسية التي تواجه المسلمين في اليابان تتمثل في توفير أراض لبناء مساجد جديدة، إلى جانب تأمين مساحات مخصصة للدفن بما يتناسب مع الاحتياجات الدينية للجالية المسلمة.
ورغم هذه التحديات، أكد أنه لا ينظر إلى المجتمع الياباني بتشاؤم، مشددًا على أن اليابان ما تزال تضم عددًا كبيرًا من الأشخاص الذين يتمتعون بالوعي والتفهم والانفتاح.
وعن تجربته الشخصية، أوضح ماينو أن رحلته نحو الإسلام بدأت عندما كان في الثالثة عشرة من عمره، حيث بدأ بطرح أسئلة وجودية حول معنى الحياة وأصل الإنسان ووجهته النهائية.
وقال إنه نشأ في عائلة يابانية تقليدية غير متدينة، وإن اهتمامه بالبحث الروحي دفعه في مرحلة ما إلى التفكير في أن يصبح راهبًا بوذيًا.، لكنه تراجع عن الفكرة بعدما رأى أن نمط الحياة الرهباني في البوذية لا ينسجم مع الطبيعة البشرية والحياة اليومية.
وأوضح أن نقطة التحول الأساسية جاءت خلال فترة دراسته التبادلية في مدينة ملبورن الأسترالية، حيث تعرف إلى عائلة مصرية ساهمت في تغيير نظرته تجاه الإسلام، قبل أن يعتنق الدين الإسلامي رسميًا عام 1994.
وأشار إلى أن المجتمع الياباني ينظر غالبا إلى الدين باعتباره مسألة شخصية داخلية، وهو ما يجعل المظاهر الدينية العلنية تبدو غير مألوفة لدى بعض الفئات.
وأكد أن المسلمين المقيمين في اليابان مطالبون أيضا بفهم الثقافة المحلية واحترام قواعد السلوك الاجتماعي.
ولفت إلى أن مسجد طوكيو، المشيد وفق الطراز المعماري العثماني، يشكل مركزا مهما للمسلمين والزوار اليابانيين على حد سواء.
وختم بالقول إن تركيا والأتراك لعبوا دورا تاريخيا محوريا في بناء الجسر الذي يربط اليابان بالعالم الإسلامي.
news_share_descriptionsubscription_contact
