إسطنبول/ مصطفى دالع/ الأناضول
يرى خبراء وسياسيون أن الناخبين الفرنسيين من أصول جزائرية لعبوا دورا حاسما في هزيمة الرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي، في رئاسيات 2012، أمام الرئيس الحالي فرنسوا أولاند، مما يدفع للتساؤل حول حجم هذه الكتلة الانتخابية، ومن هو المرشح الذي سيفوز بمعظم أصواتها.
ففي رئاسيات 2012، لم يخسر ساركوزي، إلا بفاريق ضئيل أمام منافسه أولاند، بنسبة لم تتجاوز حينها 3.28 نقطة مئوية، أو ما يعادل أقل من مليون و140 ألف صوت، مما جعل الأنظار تتجه إلى الناخبين من أصول جزائرية، والذين يتراوح عددهم ما بين مليون إلى مليوني ناخب، حسب أرقام غير رسمية.
ساركوزي يتهم بوتفليقة بالوقوف وراء هزيمته في الرئاسيات
وكشف الفرانكو-جزائري (فرنسي من أصل جزائري) عبد الله زكري، رئيس المرصد الفرنسي لمكافحة الإسلاموفوبيا، أن الرئيس الفرنسي السابق ساركوزي (2007-2012)، خلال حملته التمهيدية للترشح لرئاسيات 2017 عن حزب "الجمهوريين" اليميني، زار مسجد باريس الكبير (أكبر مؤسسة دينية فرنسية تابعة للنفوذ الجزائري) بدعوى من عميد المسجد دليل أبو بكر (من أصول جزائرية)، وعاتب الجزائريين لوقوفهم ضده في رئاسيات 2012، وقال لهم "كلكم انتخبتهم على أولاند، ولم تصوتوا لي".
وأضاف زكري، في حديث للأناضول، أن ساركوزي، اتهم الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة، بتوجيه مليون و200 ألف ناخب فرنسي من أصل جزائري ومقيمين في الجزائر، للتصويت ضده في مكاتب الاقتراع بالقنصليات الفرنسية في الجزائر.
وأوضح زكري أن "فئة من الجزائريين المستقرين في بلادهم، بقيت محتفظة بالجنسية الفرنسية حتى بعد استقلال الجزائر في 1962، بالإضافة إلى الجنسية الجزائرية".
يشار إلى أن فرنسا خلال الفترة الاستعمارية (1830-1962) كانت تعتبر الجزائر "جزء لا يتجزأ من ترابها ما وراء البحار"، وسكانها مواطنون فرنسيون من الدرجة الثانية (يحملون الجنسية الفرنسية)، ويلقبون بـ"الأهالي" أو"المسلمين"، لتمييزهم عن الفرنسيين المسيحيين.
ورد عليه الحاضرون، حسب زكري، الذي حضر مأدبة الغداء، بأن خطابه المعادي للمسلمين في فرنسا، كان السبب الرئيسي وراء تصويتهم ضده.
جزائريو فرنسا منقسمون بشأن التصويت لمرشحين
وأشار زكري، العضو السابق في مجلس الديانة الإسلامية بفرنسا (منتخب) إلى أن الجزائريين المقيمين في فرنسا يقدر عددهم بنحو مليوني شخص، منهم مليون ونصف يحملون الجنسية الفرنسية، بينهم أكثر من مليون لديهم حق التصويت.
وقال رئيس المرصد الفرنسي لمكافحة الإسلاموفوبيا، "تكلمنا مع جزائريين (حاملين للجنسية الفرنسية)، وأكدنا على ضرورة الانتخاب المفيد، من خلال توحيد أصواتنا للوقوف ضد اليمين المتطرف (الجبهة الوطنية بقيادة مارين لوبان المعادية للمهاجرين)".
وبالنسبة للمرشحين الأوفر حظا للفوز بأصوات "الفرانكو-جزائريين"، أوضح زكري، أن مرشح الحزب الاشتراكي (يسار) بنوا آمون، ومرشح حركة "إلى الأمام" إيمانويل ماكرون، وبدرجة أقل مرشح الحزب الشيوعي جون لوك ميلونشون، هم الأقرب للفوز بأكبر حصة من أصوات الفرانكو-جزائريين.
وتابع أن الجالية تنتظر اتضاح الصورة أكثر لتقرر من ستدعم في الانتخابات الفرنسية حتى لا تراهن على مرشح خاسر، خاصة أن المرشح آمون يواجه مشاكل مع رئيس الوزراء السابق مانويل فالس (في الحزب الاشتراكي)، أما مرشح حزب الجمهوريين (اليميني) فرنسوا فيون، فخطابه ضد المسلمين، كما أن لديه مشاكل مع العدالة.
ويشاطره في الرأي الدكتور عبد القادر حدوش، الرئيس السابق لاتحاد الجامعيين الجزائريين والفرانكو-جزائريين، بمدينة مارسيليا الفرنسية (جنوب)، الذي يرى أن وعاء الناخبين الجزائريين في فرنسا غير متجانس، وسينقسم على عدة مرشحين من بينهم "بنوا أمون" (اليسار)، وإيمانويل ماكرون (وسط)، فرانسوا فيون (يمين) وجون لوك ميلونشون (أقصى اليسار)، وبدرجة أقل مارين لوبان (اليمين المتطرف).
وأشار حدوش، إلى أن تقديرات الناخبين المزدوجي الجنسية (جزائرية – فرنسية) يقدر عددهم بأزيد من مليون ناخب، لكن إذا تمت إضافة الناخبين الجزائريين الذين يحملون الجنسية الفرنسية فقط (الحركى الذين وقفوا إلى جانب الجيش الفرنسي خلال حرب التحرير الجزائرية 1954-1962، بالإضافة إلى أبنائهم وأحفادهم) فسيرتفع عددهم إلى نحو مليون و800 ألف ناخب فرنسي من أصل جزائري.
واعتبر حدوش، بصفته ملاحظ للانتخابات الفرنسية، أن خطاب مرشح اليمين فرانسوا فيون، يتسم بنوع من الراديكالية تجاه المسلمين، في حين أن مرشح اليسار بنوا أمون، لديه خطاب إيجابي تجاه الإسلام والمسلمين، ويرى أن الأعراق الأخرى ومن بينهم المسلمون ليسوا عبئا على فرنسا وإنما إضافة يمكن المراهنة عليها في تحقيق إقلاع اقتصادي، بل أنه قال كلمة لفتت إعجاب الجزائريين ومسلمي فرنسا "لا يقلقني عندما يناديني أحدهم بلال".
كما نوه حدوش، بالمرشح الشاب ماركرون (39 سنة)، الذي قد يستقطب حسب رأيه ناخبين من اليمين واليسار على حد سواء.
أما مرشح أقصى اليسار ميلونشون، فيرى حدوش، أن لديه خطاب معتدل جدا تجاه الإسلام والمسلمين.
وقال حدوش، لن يأخذ مرشح واحد أصوات الناخبين من أصول جزائرية، بل ستتقسم على المرشحين الثلاثة، وبدرجة أقل على مرشحي اليمين واليمين المتطرف.
وأشار إلى أن معظم المنحدرين من أصول جزائرية كانوا يصوتون لصالح اليسار الفرنسي لكنهم اليوم وقع تحول نحو اليمين.
الجزائريون جالية كبيرة لا تنتخب
ويؤكد البروفسور كمال صنهاجي، الجزائري الحامل للجنسية الفرنسية، أن غالبية الشباب الفرانكو-جزائريين، لا يدلون بأصواتهم في الانتخابات، لأنهم لا يشعرون بالمواطنة تجاه فرنسا ولا يعتبرون بأنهم ينتمون إليها، وبالنسبة لهم الجنسية الفرنسية ليست سوى وثائق إقامة وسفر.
وأضاف أن عزوف الشباب الفرانكو جزائري عن التصويت في الانتخابات أصبح سلوك عام، نظرا لإحساسهم بأنهم مهمشين في فرنسا ومرفوضين من مجتمعها.
واعتبر صنهاجي، الذي منحه الرئيس الفرنسي الأسبق جاك شيراك في 2006، "وسام فارس"، نظرا لبحوثه المتقدمة في علاج مرض السيدا، أنه "من الخطأ العزوف عن التصويت في الانتخابات الفرنسية خاصة وأن هؤلاء الشباب يقولون إنهم مظلومون من طرف اليمين المتطرف".
وأشار البروفسور الفرانكو-جزائري، إلى أن فرنسا تشهد تحولا بالنسبة لاتجاه الناخبين الفرنسيين من أصول جزائرية والذين اعتادوا على التصويت لصالح اليسار الفرنسي لأنهم أكثر تعاطفا مع قضايا العرب والمسلمين، لكنهم بدؤوا يتوجهون نحو اليمين، نظرا لأن الأخير أكثر محافظة بالنسبة للقضايا المتعلقة بالأسرة من اليسار.
ولفت إلى أن مرشح الحزب الاشتراكي بنوا آمون، عاد إلى سياسات الحزب في زمن السبعينات والثمانينات عندما كان أكثر تعاطفا مع قضايا العرب والمسلمين، حيث أعرب آمون، عن احترامه لحرية ارتداء المسلمات للحجاب، لذلك يحظى بدعم فئة هامة من الناخبين ذوي الأصول الجزائرية لكنها أقل من النصف، أما النصف الآخر فيميل إلى دعم المرشح ماكرون، الذي زار الجزائر مؤخرا، ووصف الاستعمار الفرنسي لها (1830-1962) بأنه "جريمة ضد الإنسانية"، "وهذا التصريح له تأثيره على الشباب من أصول جزائرية"، حسب صنهاجي.
وأضاف "توجد نسبة أقل ستصوت لمرشح اليمين فيون، ومرشح أقصى اليسار ميلونشون"، هذا الأخير يرى صنهاجي، أن فئة ضئيلة جدا من الجزائريين ستصوت عليه، لأن الحزب الشيوعي الفرنسي ابتعد عنه الناخب الفرنسي منذ سنوات، بالإضافة إلى أن فئة قليلة جدا ستنتخب مارين لوبان، اليمينية المتطرفة، مشيرا إلى أنه "قبل 20 سنة لم يكن هناك جزائري واحد يمنح صوته للجبهة الوطنية، لكنه هذه العقدة بدأت تنزع شيئا فشيئا".
وتظهر استطلاعات الرأي حتى الآن تقدما واضحا لمرشحة اليمني المتطرف مارين لوبان، في الجولة الأولى من الانتخابات المقررة في 23 أبريل/نيسان المقبل، لكنها تشير إلى خسارتها الجولة الثانية الحاسمة في 7 مايو/أيار القادم، إما أمام ماكرون أو فيون.
وحسب استطلاع للرأي أجرته مؤسسة "إيفوب فيدوسيال" لصالح صحيفة "باري ماتش" الفرنسية، ونشر الإثنين الماضي، فإن لوبان، ستحصل على 26%، مقابل 24.5% لماكرون، أما فيون، مرشح "الجمهوريين" الذي هزم الرئيس السابق ساركوزي، فحل ثالثا في الاستطلاع بـ 20%.
news_share_descriptionsubscription_contact
