أولان باتور
في مكان تنذر فيه الزراعة إلى درجة العدم، وترتفع الجبال شامخةً محتضنة بين جنباتها سهوباً فسيحة، تقع القرى المنغولية كأعشاش صنعتها الخيم الدائرية المصنوعة من اللباد، والتي استطاع سكانها ترويض الصقور والنسور، لاستخدامهم في الصيد، الذي هو عماد النظام الاقتصادي في تلك البلاد الذي يغلب عليها المناخ القاري.
وتشكل منغوليا حضناً طبيعياً لإحدى أقدم المسلات والأوابد التاريخية، التي دون عليها تاريخ الأتراك الغابر، ونقشت على أعمدتها بالأحرف التركية الأورخونية، قصص ملوكهم وعاداتهم ومخزونهم الثقافي.
تغفوا تلك المسلات بالقرب من نهر "أورخون" الذي يسيل من بين جنبات سهوب تركستان التاريخية، محولة المكان إلى مزار حقيقي لعشاق التاريخ والأصالة.
تتراكض الخيول في سهوب منغوليا بكل حرية، وتعج بقطعان جواميس الياك والخراف، وأفاق رحبة تلتقي فيها زرقة السماء الصافية، مع خضرة السهوب المفعمة بالحياة.
تبلغ مساحة منغوليا ثلاثة أضعاف تركيا، بعدد سكان يربو عن الثلاثة ملايين نسمة، ليكون مجموع الكثافة السكانية ثلاثة كيلو مترات للفرد الواحد، في الوقت الذي يبلغ فيه نصيب الفرد من الخيول، 13 خيلاً لكل مواطن منغولي.
تستهوي منغوليا السياح الأجانب، بطبيعتها الوسط آسيوية المتنوعة، وبسهوبها الرحبة وبثقافة أهلها وطرق عيشهم، وشكلت المسلات والآوابد التاريخية التركية، الموجودة شمال غرب منغوليا على بعد 80 كم عن العاصمة "أولان باتور"، عاملاً مهماً من عوامل تفعيل السياحية المنغولية، والتعريف بالثقافة المحلية الأصيلة.
يذكر أن المسلات الأورخونية، التي نقش عليها تاريخ ملوك دولة الـ "كوك تورك"، تتكون من ثلاثة مسلات رئيسية الأولى مسلة "بيلكا خان" المولود عام 684، وهو ابن ملك الأتراك الكوك تورك، والذي يسمى "إيلتريش" أي جامع الدولة ومنظمها، ومسلة أخيه الأصغر "كول تكين"، الذي كان قائداً لجيوش الأمبراطورية التركية، ومسلة "طونيوقوق" الذي كان يشغل منصب كبير الوزراء. كتبت تلك المسلات بالأبجدية التركية الأورخونية، وهي أبجدية تركية محضة، تتكون من 38 حرفاً، دون الأتراك من خلالها تاريخ الأمبراطورية، وعلاقاتهم مع دول الجوار كالصين التي كانت بالنسبة لهم الجار اللدود آنذاك، إضافة إلى مخزون من عاداتهم وتقاليدهم وشرائعهم ومثيولوجياتهم التي كانت سائدة في ذلك العصر.