القدس/قيس أبو سمرة/الأناضول - بين أودية وسفوح جبال قحطة (شرق القدس) تتناثر بيوت من الصفيح في منطقة "الخان الأحمر"، يلهو أمامها أطفال بين الأغنام التي يرعونها، ويصنعون لعبتهم من بقايا أخشاب وقطع بلاستيكية، ببراءتهم يتراقصون ويمرحون ولا يعلمون ما يخبئ لهم القدر من محاولة تهجير لصالح بناء مستوطنات إسرائيلية.
وتسعى إسرائيل إلى ترحيل نحو 2000 فلسطيني يعيشون في بيوت متناثرة ويعتمدون على تربية الأغنام، من منطقة "الخان الأحمر" التي تقع إلى الشرق من القدس على طريق مدينة أريحا (شرق الضفة الغربية)، بحجة البناء بدون ترخيص لتوسيع مشاريع استيطانية.
وتقع منطقة الخان الأحمر في منتصف الطريق بين القدس ومنطقة مقام النبي موسى، وتعرف المنطقة باسم "مارافتيميوس" نسبة إلى قديس أسس في هذا المكان ديرا وكنيسة عام 428 م .
وتعرضت مساكن الفلسطينيين في "الخان الأحمر" عدة مرات للهدم، حيث يعيش السكان حياة بلا استقرار لا يعلمون متى سيرحلون ومتى ستهدم منازلهم، فمصيرهم معلق بيد قوات الاحتلال الإسرائيلية.
وفي بيت الضيافة البدوي، يجلس العجوز محمد العردي وإلى جانبه زوجة تحكي تجاعيد وجهها المعاناة التي عاشتها.
ويقول العردي لمراسل الأناضول للأنباء "نسكن هنا منذ العام 1948 بعد تم تهجرينا من بلدتنا عراد في النقب المحتل".
داوود له عشرة من الأبناء و45 حفيدا، وتمثل عائلته واحدة من عشرات العائلات الفلسطينية التي تسكن منطقة الخان الأحمر.
وعن مصدر دخله، يقول العردي " نعيش على تربية الأغنام، ليس لنا وطن غير هذه الخيمة وتلك المضارب التي ترعى فيها الأغنام".
ويخشى داوود على مصير أسرته من شبح الاستيطان الإسرائيلي الذي يهددها باستمرار، حيث تريد سلطات الاحتلال الإسرائيلية إزالة التجمعات السكنية لبناء مستوطنات إسرائيلية تربط بين مدينة القدس المحتلة ومستوطنة "معالية ادوميم".
وبنيت "معاليه أدوميم" عام 1976 على بعد 7 كيلومترات شرق مدينة القدس المحتلة، وبلغ عدد سكانها عام 2005 نحو 32 ألف مستوطن، وتعتبرها إسرائيل حاليا أحد ضواحي القدس. وأعلنت الحكومة الإسرائيلية عام 2010 خطة لتوسيع المستوطنة تشمل إقامة 466 مسكنا جديدا بها.
ويرفض العردي الرحيل من الخان الأحمر قائلا "إسرائيل هجرتنا من بلادنا في العام 1948 واحتلت باقي الأراضي الفلسطينية عام 1967 واليوم يريدوننا أن نرحل مرة أخرى"، قبل أن يتساءل قائلا "إلى أين سنذهب؟ سنموت هنا ولن نرحل."
ويتعرض الفلسطينيون في المنطقة بحسب داوود داوود، أحد سكان المنطقة، إلى أعمال تنكيل واقتحام لبيوتهم وتفتيشها واعتقالات بشكل تعسفي وإعمال هدم بحجة البناء بدون ترخيص.
ويضيف داوود "إسرائيل تخطر كافة السكان بالرحيل عن المنطقة من أجل بناء مستوطنات إسرائيلية".
ويصف داوود البالغ من العمر 24 عاما حياة السكان بالمعاناة اليومية قائلا " نُمنع من رعي الأغنام قرب المستوطنات الإسرائيلية، ونُعتقل إذا ما اقتربنا منها، لا يتوفر لنا الكهرباء ولا المدارس، حتى أن الجيش الإسرائيلي أغلق طريقا رئيسيا يوصل إلى المنطقة".
في فناء أحد منازل الخام الأحمر، يلهو أطفال أنهوا عامهم الدراسي حديثا، وتقول هديل " أنا في الصف الثالث الابتدائي، وأريد أن أكون معلمة"، بينما ترد شقيقتها بشائر "أنا أريد أن أكون طبيبة".
إلا أن حلم الطفلتين مهدد بالضياع رغم براءته، حيت تتوفر في المنطقة مدرسة واحدة شيدت حديثا يدرس فيها الطلبة حتى الصف السادس الأساسي.
ويقول داوود "أبناؤنا ينهون الصف السادس الدراسي ومن ثم ينتقلون إلى حياة العمل في رعي الأغنام والأعمال المنزلية".
وتعد المنطقة حسب الخبير الفلسطيني في شئون الاستيطان عبد الهادي حنتش ذات أطماع استيطانية مهمة، حيث تقع ضمن المشروع الاستيطان الإسرائيلي المسمى "إي 1" والذي يهدف لضم مناطق محيطة بالقدس الشرقية المحتلة إليها، وهو ما أثار غضب الجانب الفلسطيني، وهددت القيادة الفلسطينية باللجوء إلى مجلس الأمن الدولي والمؤسسات الدولية في حال تنفيذه.
ويقول حنتش لوكالة الأناضول إن "المشروع "إي 1" من شأنه أن يخلق تواصلا جغرافيا بين القدس المحتلة ومستوطنة معالية أدوميم الاسرائيلية ويفصل جنوب الضفة الغربية عن وسطها ويضيع حلم الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس الشرقية".
وعن آخر المشاريع الاستيطانية الإسرائيلية في المنطقة، قال حنتش "آخر تلك المشاريع كان طريق استيطاني يربط القدس بمعالية ادوميم، بالإضافة إلى الإعلان عن إنشاء بؤرة استيطانية لم تنفذ بعد تسمى "مفساريت" على مساحة 12400دونم (الدونم يساوي ألف متر مربع) لبناء 2500 وحدة استيطانية".
ولفت الخبير في حديث لمراسل الأناضول للأنباء إلى أن إسرائيل تسعى إلى خلق وقائع على الأرض وتفرضها على الجانب الفلسطيني في أي مفاوضات نهائية.
وكانت وسائل إعلام فلسطينية قد نقلت الأسبوع الماضي عن المحامي المكلف بالدفاع عن حق التجمعات البدوية في المحاكم الإسرائيلية "شلومو ليكر" قوله إنه خلال 60 يوما سيوقع وزير الدفاع الإسرائيلي موشيه يعلون على ترحيل السكان الفلسطينيين من منطقة الخان الأحمر.
وأبلغت السلطات الإسرائيلية مؤخرا المحكمة العليا في إسرائيل أنها بصدد إعداد مخطط هيكلي لتجميع البدو الفلسطينيين المنتشرين حول القدس وفي الأغوار (شرق الضفة الغربية).
وتصنف منطقة الخان الأحمر والأغوار باعتبارها منطقة (ج) بموجب اتفاقية أوسلو الموقعة بين منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل عام 1993.
وتقسم إسرائيل الضفة الغربية حسب اتفاق أوسلو إلى ثلاث مناطق الأولى (أ) تخضع لسيطرة فلسطينية كاملة، والثانية (ب) تخضع لسيطرة أمنية إسرائيلية وإدارية فلسطينية، والثالثة (ج) تخضع لسيطرة أمنية وإدارية إسرائيلية، وتشكل الأخيرة نسبة 61% من المساحة الكلية للضفة الغربية.