عادل الثابتي
تونس- الأناضول
لم تشهد تونس طيلة تاريخها كدولة مستقلة أية انتخابات رئاسية "ديمقراطية"، وكان إعلان الرئيس السابق زين العابدين بن علي عندما استولى على الحكم وأزاح الحبيب بورقيبة سنة 1987 انتهاء تولي الرئيس لمنصبه مدى الحياة مجرد شعار للاستهلاك سرعان ما
تراجع عنه.
وكانت آخر انتخابات رئاسية شهدتها تونس قبل ثورة 14 يناير/كانون الثاني 2011 هي تلك التي تمّ تنظيمها خلال شهر تشرين الأول / أكتوبر 2009 وفاز فيها بن علي مقابل ثلاثة مترشحين عن الأحزاب المسموح لها بالنشاط آنذاك.
ورغم انشغالات الساحة السياسية التونسية اليوم بحل المشاكل التي تعاني منها البلاد بالنسبة للترويكا الحاكمة ومحاولة كسب الميدان على حساب الائتلاف الحاكم من قبل كل التشكيلات السياسية المعارضة، فإن الأعناق ما فتئت تشرأب تجاه قصر قرطاج الرئاسي، خاصة أن ملامح النظام السياسي الذي تتجه البلاد لتركيزه سيكون شبه رئاسي أي يحظى فيه رئيس الدولة بصلاحيات تتجاوز تلك التي يتمتع بها الرئيس الحالي محمد المنصف المرزوقي.
ويبدو أن السباق نحو "قرطاج" سيكون محتدما وهو ما جعل بعض التحالفات السياسية تتعطل على خلفية ما يرشح من معلومات حول ترشيح هذا التيار أو ذاك لمرشح معين.
وكان الجدل قد احتدم داخل قبة المجلس الوطني التأسيسي في تونس حول طبيعة النظام السياسي، وبعد تمسك طويل بالنظام البرلماني يتجه حزب حركة "النهضة" أكبر الأحزاب التونسية شعبية إلى تبني نظام رئاسي معدل هو خليط من النظام البرلماني والنظام الرئاسي حيث يشترك الرئيس ورئيس الحكومة في كثير من الصلاحيات.
وربما تكون حركة "النهضة" عارضت النظام الرئاسي لما أصاب البلاد من نظام الرئيس المطلق الصلاحيات الذي تحول إلى نظام رئاسوي جمع فيه رئيس الدولة كل الصلاحيات وتحولت فيه المؤسسات التنفيذية الأخرى والمؤسسات التشريعية والقضائية إلى هياكل خاوية تنفذ تعليمات القصر مهما كانت، سيما إذا كان الرئيس تحت سيطرة حاشية تتناحر على الحكم مثلما حدث الأمر في عهد الرئيس بورقيبة أو تحت نفوذ عائلته أو عائلة أصهاره مثلما كان الأمر مع الرئيس بن علي؛ حيث تحولت كامل البلاد إلى ضيعة تتنافس على السيطرة عليها عائلتا بن علي وصهره الطرابلسي.
وترى أحزاب المعارضة وبعض شركاء النهضة في الحكم أن نظاما برلمانيا قد يدخل البلاد في مغامرة تفرد حزب من الأحزاب بالسلطة مما قد يعيد بناء دكتاتورية جديدة في تونس، وهذا الموقف ينبع أساسا من اعتراف ضمني لهذه الأحزاب بعدم إمكانية منافسة حركة النهضة في الانتخابات القادمة.
ومن خلال عدة مؤشرات ظهرت في الساحة السياسية فإن عدة مرشحين محتملين قد بدؤوا يبرزون في المشهد السياسي التونسي.
وكان حزب المؤتمر من أجل الجمهورية، حزب رئيس البلاد الحالي منصف المرزوقي، أول حزب يعلن مرشحه للرئاسيات القادمة إذ أعلن مؤتمر هذا الحزب المنعقد أواخر الصائفة الماضية أن الرئيس المرزوقي هو مرشح الحزب لهذه الانتخابات المنتظرة على الأرجح خلال صيف أو خريف 2013.
ورغم أن عمليات سبر الآراء لا تزال تضع الرئيس المرزوقي على رأس قائمة المحتمل فوزهم في الانتخابات القادمة فإنه يبدو أن الدعم الذي لقيه الرئيس من قبل حركة النهضة سابقا لم يعد معطى ثابتا.
وربما يكون المرزوقي نفسه قد حصل له هذا الانطباع وهو ما فسر به كثير من المتابعين الانتقادات التي ما فتئ يوجهها إلى حركة النهضة منذ مدة؛ الأمر الذي جعل قياديين بارزين في الحركة ينسحبون من جلسة افتتاح مؤتمر حزب المؤتمر خلال الصائفة الماضية أثناء كلمة كانت تلقى باسم المرزوقي في المؤتمرين.
ويبدو أن التطمينات التي قدّمها قياديون في حزب المؤتمر لقيادة النهضة لم تقدر على إعادة جسور الثقة بين الطرفين رغم ما صرح به إثر ذلك عبد الحميد الجلاصي نائب رئيس حركة النهضة من أن علاقات الحركة طيبة مع المرزوقي، فالإحساس عميق لدى كثير من قيادات وقواعد حركة النهضة أن المرزوقي يريد التفصّي من أي سلبيات
لممارسة الترويكا الحكم وتحميل وزر تلك السلبيات لحركة النهضة.
أما الشخصية الثانية في السباق نحو رئاسة تونس فهو رئيس المجلس الوطني التأسيسي الدكتور مصطفى بن جعفر الذي سلك معارضة هادئة زمن بن علي ولكنها كانت معارضة ثابتة ودائمة وجدية، ورفض بُعَيد الثورة الدخول في حكومة الغنوشي الأولى التي اعتبرها البعض مواصلة للنظام القديم رغم مشاركة المحامي أحمد نجيب الشابي أحد ابرز قادة المعارضة القانونية لنظام بن علي في تلك الحكومة.
وقد أصبح مصطفى بن جعفر يحظى بثقة واسعة لدى أوساط عديدة من الشعب التونسي بحكم تسييره الهادئ والمتزن لأعمال المجلس الوطني، التي تبث مباشرة على شاشة القناة الثانية للتلفزة التونسية، رغم حدة الخلافات بين ممثلي الترويكا الحاكمة وممثلي المعارضة والتي تصل أحيانا درجة الاشتباك والتشنج.
وبالنسبة لعبد الحميد الجلاصي نائب رئيس حركة النهضة، فإن الإسلاميين من خلال تجربة هيئة 18 أكتوبر/تشرين الأول للحقوق والحريات ( تجمع لأحزاب يسارية وإسلامية وقومية نشأ سنة 2005 إثر إضراب جوع شنه ثمانية من القادة السياسيين في تونس من 18 أكتوبر إلى 18 نوفمبر/تشرين الثاني 2005) اكتشفوا خصال الرجل وتدعمت هذه الثقة من خلال
تجربة الحكم ضمن الترويكا.
وربما يكون يأس الرئيس المرزوقي من دعم النهضة له في الانتخابات القادمة نابع أيضا من المكانة الكبيرة التي خظي بها الدكتور بن جعفر خلال جلسة افتتاح مؤتمر حركة النهضة المنعقد خلال شهر يوليو/ تموز الماضي حيث قدمه رئيس الجلسة
القيادي في حركة النهضة ورئيس لجنة إعداد ذلك المؤتمر رياض الشعيبي بالقول: "أهلا برئيسنا رئيس المجلس الوطني التأسيسي الدكنتور مصطفى بن جعفر"، وتمت مقاطعة كلمة بن جعفر في تلك الجلسة عديد المرات بالتصفيق المطول، ولعل ذلك يقيم الدليل على توجهات الثقة لدى حركة النهضة وقواعدها في الدكتور بن جعفر كما يؤكد ذلك عبد الحميد الجلاصي نائب رئيس الحركة.
إلا أن وجود هذين المرشحين البارزين من داخل الترويكا الحاكمة لاينفي إمكانية أن تقدم حركة النهضة مرشحا من صفوفها إذا ما تمّ اختيار النظام الرئاسي طريقا لتسيير شؤون البلاد، فثقة النهضة على ما يبدو ليست ثقة لا متناهية في شركائها الأمر الذي يجعلها تسلم كل شيء إلى هؤلاء الشركاء رغم تأكيد قادتها أن اختيار الائتلاف هو خيار استراتيجي لمستقبل الحكم في البلاد، لذلك يُنبّه كثير من قادة النهضة في تصريحاتهم إلى أن اختيار النظام الرئاسي قد يدفع الحركة إلى اختيار مرشح عنها.
ورغم ما نسب من تصريحات للشيخ راشد الغنوشي من أن عبد الفتاح مورو العائد للحركة بعد سنوات طويلة من انسلاخه منها قد يكون مرشح حركة النهضة للانتخابات الرئاسية القادمة، فإن عبد الحميد الجلاصي، نائب رئس الحركة، والماسك بجهازها التنظيمي يقول إن الحركة لم تتداول إلى حد الآن في إسم من أسماء قادتها كمرشح للانتخابات الرئاسية القادمة، ويقدم الجلاصي فرضية مرشح نهضوي في صورة أن الانتخابات ستدور على دورتين فيكون للحركة مرشح في الدور الأول ثم تدعم مرشحا عن الترويكا في الدور الثاني مؤكدا أن التوافق سيكون خيار حركة النهضة خلال مرحلة ما بعد الانتخابات القادمة.
من جهة أخرى، وحسب العديد من المتابعين، فإن المشهد السياسي التونسي يتجه في خصوص الانتخابات الرئاسية إلى محاكاة التجربة المصرية حيث كان هناك مرشح للنظام القديم.
ويعتبر هؤلاء المتابعون أن حزب "نداء تونس" هو التنظيم السياسي الذي يتجمّع فيه النظام القديم في القيادة وخاصة على المستوى المحلي فأغلب كوادره هم من قياديي التجمع الدستوري الديمقراطي المنحل بعهد الثورة على مستوى المحليات
والمحافظات.
ورغم أن الباجي قايد السبسي رئيس هذا الحزب قد اعتبر نفسه سابقا معنيا بالمنافسة على منصب الرئيس، فإن عدة معطيات واقعية أهمها عامل السن تجعله خارج اللعبة بل يعتبره البعض يلعب دور أرنب السباق الذي يمهد الطريق لعداّء خفي،
فالرجل تجاوز الخامسة والثمانين والدستور السابق يضع شرط 75 سنة كسن قصوى للترشح إلى الرهان الرئاسي فما بالك بالدستور الجديد وقد سميت الثورة التونسية بثورة الشباب، سيما أن أحد مبررات انقلاب بن علي على الرئيس بورقيبة هو خرف
الرئيس المتقدم في السن فاجبر على مغادرة الحكم وهو في سن 84.
ويكون أحمد نجيب الشابي المرشح المحتمل لحزب الجمهوري - الحزب الديمقراطي التقدمي سابقا - أكثر مرشح منكود الحظ في الانتخابات الرئاسية القادمة. وهو الذي اعتبر في تصريحات له مؤخرا لاحدى القنوات التلفزية التونسية أن قيام
اعتصام القصبة خلال فبراير/ شباط، ومارس/آذار 2011 الذي نادى بانتخاب مجلس وطني تأسيسي كان محاولة من خصومه لإفشال وصول محقق له إلى رئاسة لو أجريت انتخابات رئاسية في ذلك الوقت.
ويحاول الشابي عبثا تشكيل تحالف يضمن له الفوز في الانتخابات الرئاسية القادمة لكن كل الدلائل تشير إلى صعوبة ذلك، فالرجل تخلى عن حلفائه الإسلاميين زمن بن علي منذ أن أقدم على المشاركة في حكومة الغنوشي الأولى التي تشكلت بعيد الثورة ورفض دخول حكومة وحدة وطنية عرضتها عليه حركة النهضة بعد انتخابات 23 أكتوبر/تشرين الأول 2011 مخيرا معارضة لم يحقق منها أي انجار، خاصة وأن حزبه تعرض إلى انشقاق كبير جراء دخوله حكومة الغنوشي والتخلي عن قيادات تاريخية في المحافظات لقاء دخول بعض رجال الأعمال وبعض أعضاء حكومات ما قبل 23 أكتوبر/تشرين الأول 2011 إلى مراكز قيادية عليا في حزبه.
ورغم أن البعض يفسر النقاشات التي تسربت أخبارها بين الشابي وحركة النهضة بسعي إلى ضمان دعم ما في الانتخابات الرئاسية القادمة فإن حظوظ الشابي تبدو ضعيفة جدا في الرهان القادم حول الرئاسة.
من ناحية أخرى، يبدو أن محاولات أحزاب أقصى اليسار التي كان أغلب عناصرها ينشطون في الجامعة خلال السبعينات والثمانينات من القرن الماضي في تشكيل جبهة واحدة قد نجحت بعد أن تم الإعلان في تونس عن تشكيل "الجبهة الشعبية" ربما تيمنا بالجبهة الشبهة الشعبية اليسارية التي ربحت الانتخابات في فرنسا سنة 1936.
ولئن نفى الجيلاني الهمامي الناطق باسم حزب العمال التونسي - حزب العمال الشيوعي التونسي سابقا - أكبر أحزاب الجبهة الشعبية أن يكون الحزب قد تداول في إمكانية ترشيح حمة الهمامي، زعيم الحزب، إلى الانتخابات الرئاسية فإن أطراف في الجبهة أكدت في تصريحات سابقة عكس ذلك، وهو ما يبدو منطقيا إذ لا يمكن أن تُشكّل جبهة من حوالي 11 حزبا دون أن يكون لها مرشحها للانتخابات الرئاسية.
إذا ما اعتمدنا نتائج انتخابات 23 أكتوبر/تشرين الأول 2011 فإنه يصعب على أي مرشح مستقل أن يذهب بعيدا في الاستحقاق الرئاسي القادم في تونس مما سيجعل التنافس حول الرئاسة منحصرا بين الأحزاب الكبرى والتكتلات السياسية.
وإذا لم "يُضَحِّ" حزب المؤتمر من أجل الجمهورية برئيسه السابق فلن يكون بإمكان الترويكا الحاكمة إذا ما بقيت مقتصرة على الأحزاب الثلاثة التي تشكلها إلى حدود الانتخابات القادمة أن تقدم مرشحا واحدا.
والثابت أن أيّ مرشح لا يحظى بدعم حركة النهضة لن يتمكن من النجاح بسهولة في هذا الاستحقاق، فإلى حد الآن تعطي استطلاعات الرأي حوالي 36 % من الأصوات إلى هذه الحركة وكانت قد منحتها 20 % فقط من الأصوات قبل انتخابات 23 أكتوبر/تشرين الأول 2011 ولكنها فازت بأكثر من 40 %.
news_share_descriptionsubscription_contact
