ينتاب من يمر بحقول وبساتين ريف حلب هذه الأيام، شعور من الصعب وصفه. يمضي شبه مخدر من الهواء الطازج النظيف الذي يستنشقه، ومن اللون الأخضر الممتد على مدى الأفق، ومن الهدوء المخيم في كل مكان. تكاد الأحاديث تنقطع بين الرفاق بينما يندمج الجميع في متابعة هذا الجمال الممتد. إلا أن اللوحة الحية لا تلبث أن تختفي ما أن يمر الزائر بأية قرية أو مدينة.
في تلك القرى والمدن "المحررة" يمضي الموت والحياة جنبا إلى جنب، وينتقل الناس بينهما بسلاسة مدهشة، فمن اختار البقاء تحت خطر القصف، يعيش وهو مستعد للانتقال في أي لحظة إلى العالم الآخر، ويتذكر ذلك وهو يودع بشكل دائم الراحلين إلى هناك.
وصلنا "تل رفعت" بريف حلب، صبيحة سقوط صاروخ أرض أرض على حيها الشمالي، مسفرا عن سقوط 4 شهداء، ثلاثة أطفال وسيدة مسنة، و20 جريحا، وتهدم عدد من المنازل. رافقنا أعضاء المركز الإعلامي للمدينة إلى موضع سقوط الصاروخ، وحكى لنا "عبد المهيمن شيخ نايف"، أحد أعضاء المكتب، كيف هرع الجميع إلى المكان عندما سمعوا صوت سقوط الصاروخ، وبدؤوا بمساعدة فريق الدفاع المدني في انتشال من سقطوا تحت الأنقاض. وأشار إلى قلة عدد الضحايا مقارنة بالدمار الناجم عن الصاروخ، لأن الكثير من سكان المدينة تركوها هربا من القصف، فلم يبق في المدينة سوى حوالي 7 آلاف من 35 ألف نسمة كانوا يعيشون بها. فقد سقط حوالي 30 صاروخا على تل رفعت، منذ بدأ الأسد ضرب الشعب بصواريخ أرض أرض، إلا أن جميعها سقط خارج المدينة، ما عدا صاروخين كان هذا أحدهما.
"ما بيموت إلا اللي خالص عمره"
تجمع عدد من الأهالي حولنا وأخذوا يعلقون على ما حدث، متنقلين بين الغضب والتساؤل كيف يكون الأطفال إرهابيون يتم قتلهم بصواريخ سكود، وبين لوم المجتمع الدولي، الذي لا يفعل شيئا لوقف القتل في سوريا، وبين التسليم بقضاء الله والدعاء بأن يتمكنوا من تجاوز هذه المحنة، قائلين إنهم كفوا عن طلب العون من العالم، مكتفين بالتوجه لرب العالمين.
لاحظنا أن بعض المنازل المحيطة بمكان سقوط الصاروخ لا تزال آهلة بالسكان، ورأينا الأطفال يلعبون في فناء دار هدم الصارخ جداره. تسائلنا "ترى ما الذي يدفع هؤلاء للعيش قريبا من الموت لهذه الدرجة؟" جائتنا الإجابة على لسان "عبد المهيمن"، الذي قال بيقين "ما بيموت إلا اللي خالص عمره".
وتستمر قذائف جيش النظام وصواريخه في تنفيذ مهمتها، بتدمير جميع جوانب حياة البشر. مررنا في طريقنا بمستشفى "إعزاز الوطني"، أو بالأحرى بما تبقى منه. فهذا المشفى الذي استغرق بناؤه 17 عاما، دمرته القذائف في دقائق. أخبرنا مرافقنا "حازم العزيزي"، مدير مركز إعزاز الإعلامي، أن المشفى كان الأكبر بالمنطقة، وكان يضم الكثير من التخصصات، ومجهزًا بالإمكانات والأجهزة الطبية الحديثة، وكان يداوي عددا كبيرا من المرضى. وبعد اندلاع الثورة، تمركز جيش النظام بسلاحه ودباباته في المشفى، مستخدما إياه كقاعدة عسكرية، وعندما اضطر للخروج منه، وبدأ بعض النازحون في اللجوء إليه، قامت طائرات النظام، قبل شهرين، بضربه بالقنابل الفراغية، موقعة مزيدا من الإصابات بمن كانوا يعالجون في المشفى من إصابات سابقة، ومدمرة مباني المشفى وأجهزته، تاركة أهالي المنطقة بدون رعاية صحية.
الموت لا يكفي
في مدينة إعزاز كانت آثار القصف والصواريخ في كل مكان، في المباني المهدمة، في الشوارع المقفرة، في وجوه الأهالي والأطفال. عرفنا من حازم أن المدينة قُصفت مئات المرات، وتعرضت لعشرات الغارات الجوية، وسقط صاروخا سكود داخلها وآخران خارجها.
وكأن اضطرارهم للعيش جنبا إلى جنب مع الموت لا يكفي، يعاني من بقي في المدينة من أجل توفير احتياجاتهم الأساسية، فكما أخبرنا "حسن الشعبان" إمام أحد مساجد المدينة، بات معظم السكان بلا عمل بعد أن أغلقت الورشات والمصانع، ليس في إعزاز فقط، وإنما أيضا في المدن المجاورة، بسبب تدهور الأوضاع، وخاصة انقطاع الكهرباء. كما أن من يعمل في الزراعة لم يعد قادرا في كثير من الأحيان على زراعة أرضه، إذا كانت قريبة من أماكن الاشتباكات، وإذا نجح في زراعتها وحصادها، يضطر لبيع المحصول بثمن بخس. وبالإضافة لقلة أو انقطاع الدخل، وجد الأهالي أن عليهم أن يشتروا حتى ماء الشرب، الذي قطعه النظام عن صنابيرهم، فبات عليهم أن يشتروه، بالدين في الغالب، من الصهاريج، التي تأتي به من آبار خارج المدينة. وفي حين يكافح الأهالي للبقاء على قيد الحياة، يتجول الأطفال بلا هدف بعد أن توقفت الدراسة في مدارس المدينة.
جروح الروح أكثر عمقا
صادفنا في طريقنا صاروخا آخر، سقط على الحي الغربي لإعزاز، دون أن يخلف دمارا كبيرا لسقوطه في أرض خالية. إلا أنه تسبب في تحطيم نوافذ المنازل القريبة، والأهم في إرعاب السكان، خاصة الأطفال، الذين استيقظوا على صوته ووهج نيرانه، وهم يتوقعون أن يعبروا في أية لحظة عتبة الموت. قابلنا هناك ريم، ذات الخمس سنوات، أصابتها شظايا الصاروخ بجرح طفيف في الجبهة، لكن يبدو أن الجرح الذي أصاب روحها كان أعمق بكثير. لم تنبسط تعابير وجهها أبدا رغم محاولاتنا، ولم تنطق بكلمة ردا على أسئلتنا، اكتفت بالنظر إلى الأرض، وعلى وجهها تعبير عابس، يجمع بين الحزن والغضب والألم والحيرة.