عبد الرحمن فتحي ـ محمد عبد الله
القاهرة ـ الأناضول
وجه خبراء سياسيون مصريون انتقادات لحزب "الحرية والعدالة" الحاكم بـ"عدم التنسيق" مع مؤسسة الرئاسة على خلفية استمرار البرلمان في مناقشة مشروع قانون السلطة القضائية "المثير للجدل" رغم وعد الرئيس محمد مرسي لقيادات السلطة القضائية بتبني توصيات مؤتمر العدالة لإعداد مشاريع قوانين السلطة القضائية.
وقال سعيد صادق، أستاذ علم الاجتماع السياسي بالجامعة الأمريكية، في حديث لمراسل الأناضول إنه "رغم أن المرحلة من الطبيعي أن تكون مضطربة إلا أنه كان من الضروري أن تكون مواقف حزب الحرية والعدالة أكثر اتساقا مع ما يصدر عن الرئيس محمد مرسي ولا تشكل ضغطا عليه".
ورأى صادق أن استمرار مناقشة مشروع القانون في مجلس الشوري (الغرفة الثانية للبرلمان المصري والمنوط به التشريع مؤقتا) الذي يتمتع فيه الحزب الحاكم بالأغلبية "لا يعكس توزيع أدوار مع الرئيس محمد مرسي وإنما هو ضعف التنسيق بين مؤسسة الرئاسة ومجلس الشورى".
واعتبر صادق أداء الحرية والعدالة في هذه القضية يدعم موقف منظمو حملة "تمرد" المعارضة التي ستجد في ما وصفه "ضعف الرئيس أمام مواقف جماعة الإخوان المسلمين (التي ينتمي إليها الرئيس المصري وانبثق عنها حزب الحرية والعدالة)" محفزا قويا للمشاركة الشعبية في دعم هذه الحملة.
ويعود تدشين حملة "تمرد" إلى نحو أسبوعين، وتهدف لجمع 15 مليون توقيع؛ لسحب الثقة من الرئيس المصري في ذكرى مرور عام على توليه منصب رئاسة البلاد في 30 يونيو/ حزيران المقبل.
من جانبه، شدد "عبد الخبير عطا"، أستاذ العلوم السياسية بجامعة أسيوط جنوب مصر على ضرورة "التوافق بين السلطات الثلاثة (التنفيذية والتشريعية والقضائية) على ما سيتضمنه القوانين المتعلقة بالقضاء".
واعتبر أنه "رغم الحق الدستوري للسلطة التشريعية في إصدار القوانين، إلا أنه لا يمكن تجاهل موقف القضاة في هذا الأمر".
وعادت أزمة القضاة مع الرئاسة والبرلمان في مصر إلى الظهور بقوة أمس بعد أن قرر مجلس القضاء الأعلى (المنوط به إدارة شؤون القضاة) تعليق الأعمال التحضيرية لمؤتمر العدالة الثاني الذي دعا إليه قبل عدة أيام بموافقة رئيس الجمهورية محمد مرسي، وإعلان نادي القضاة مقاطعته في حال عقده.
ويأتي ذلك احتجاجا على استمرار مجلس الشوري في مناقشة مشروع قانون السلطة القضائية الذي يرفضه قطاع كبير من القضاة.
وكان مجلس الشورى قد قرر أول أمس مناقشة تعديلات قانون السلطة القضائية يوم 25 من الشهر الجاري رغم وعد الرئيس المصري لقيادات السلطة القضائية خلال اجتماع معهم في 28 إبريل/نيسان الماضي بتبني توصيات مؤتمر العدالة الذي سينظمه القضاة بدعوة من الرئاسة (لم يتحدد موعده) لإعداد مشاريع قوانين السلطة القضائية .
في المقابل، استنكر سعد عمارة، وكيل لجنة الدفاع والأمن القومي بمجلس الشورى وعضو الهيئة العليا لحزب الحرية والعدالة اتهام حزبه بإحراج الرئيس محمد مرسي والعمل على إضعاف مواقفه.
وبرر عمارة في حديثه لمراسل الأناضول إصرار مجلس الشورى على طرح مشروع قانون السلطة القضائية للمناقشة "بأن ذلك حق دستوري للمجلس ويدعم استقلال السلطات"، مشددا على أن ذلك "لا يعني إصدار القانون ولا تهميش مشاركة القضاة فيه".
وتابع عمارة: "ليس صحيحا أن مواقف حزب الحرية والعدالة تشكل ضغطا أو إحراجا للرئيس محمد مرسي وإنما هي تؤصل لمبدأ الفصل بين السلطات وأن تقوم كل سلطة بما هو مخول لها من أدوار ونسعى دائما أن تكون مواقفنا متجانسة مع الآخرين".
في ذات السياق، قالت مصادر برلمانية بمصر، إن موقف نواب حزبي الحرية والعدالة والوسط جاء بسبب الخوف من حل المحكمة الدستورية العليا لمجلس الشورى في جلستها المقرر عقدها 2 يونيو/حزيران، لإصدار حكم بشأن استمرار المجلس، والجمعية التأسيسية للدستور.
وأضافت المصادر - التي فضلت عدم الكشف عن اسمها - إنه لم يتم مناقشة الأمر مع كافة القوي السياسية الأخرى، مشيرة إلى أن ممثلي الأحزاب المدنية، وحزب النور السلفي، كانوا رافضين بشدة لهذا الاستعجال.
وقال أحمد فهمي، رئيس مجلس الشورى، في بيان له اليوم أن المجلس وافق على إدراج تقرير لجنة الاقتراحات والشكاوى بشأن قانون السلطة القضائية على جدول المجلس، وقبل أن تتم المناقشة في اللجنة التشريعية، سيرسل مشروع القانون إلى جميع الهيئات القضائية لأبداء رأيها فيه أو تقديم مشروعات قوانين إضافة إلى ما سيسفر عنه المقترح بقانون للسلطة القضائية من قبل مؤتمر العدالة الذى سيقدم من خلال رئيس الجمهورية.
في ذات السياق، قال عمرو فاروق المتحدث باسم الهيئة البرلمانية لحزب الوسط أن الهدف الرئيسي من التعجيل بمناقشة قانون السلطة القضائية، هو "الضغط على السلطة القضائية لسرعة عقد مؤتمرهم للعدالة، وعدم المماطلة في الخروج بتصورهم لمشروع القانون، لإنجاز تعديلات القانون في أقرب وقت".
وأشاد فاروق، في تصريحات لمراسل الأناضول بموقف حزب الحرية والعدالة لحسمهم عبر الأغلبية تحديد جلسة قريبة لمناقشة القانون، مشيرا إلى أن تحديد الجلسة كان عملا إجرائيا، وضروريا؛ حتى تتحول الاقتراحات المقدمة من أحزاب الوسط والحرية والعدالة والبناء والتنمية (إسلامي) إلى مشاريع قوانين.
وتصاعدت حدة الأزمة بين النظام الحاكم والقضاة عقب إصدار مرسي إعلانا دستوريًّا في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، والذي حصَّن فيه قراراته من الطعن أمام القضاة لفترة مؤقتة، وعزل فيه النائب العام وعين نائب عام جديد دون الرجوع إلى القضاة.
وأخذت الأزمة منحنى أشد بعد مشروع السلطة القضائية الذي تقدم به حزب الوسط القريب من النظام الحاكم إلى مجلس الشورى، وأيده حزب الحرية والعدالة الحاكم.
ويرفض قطاع كبير من القضاة مشروع قانون السلطة القضائية دون الرجوع إلى القضاة واستشارتهم في تلك التعديلات.
ومن بين ما ينص عليه المشروع، الذي يعارضه قطاع كبير من القضاة، تخفيض سن التقاعد إلى 60 عاما بدلا من 70 عاما، وهو ما يعني - حال إقراره - إنهاء عمل نحو 4000 قاض، وفق تقديرات محمد عبده صالح عضو مجلس إدارة "نادي قضاة مصر" في تصريحات سابقة للأناضول.
وشهد الأزمة انفراجة بعد وعد الرئيس المصري بعد المساس بالقضاء، وبأنه لن يصدر قانون السلطة القضائية إلا بعد استطلاع آراء القضاء وأخذ موافقتهم، لكن قرار مجلس الشورى مناقشة مشروع القانون في جلسة 25 مايو/آيار الجاري، أثار غضب قطاع من القضاة مجددا.