إيمان عبد المنعم
إعلان مدفوع الأجر في مجلة مصرية يصف الرئيس محمد مرسي بأنه "قائد نصر أكتوبر العظيم" رغم عدم مشاركته من قريب أو بعيد في الحرب العربية الإسرائيلية التي جرت عام 1973.. مقالات صحفية غير كتابها الدفة من مديح الرئيس السابق حسني مبارك إلى الحالي.. وبين هذا وذاك تقف مجموعة من المادحين المهللين للرئيس على طول الخط.
هذه الظاهرة دفعت محللين إلى التحذير مما يسمى بـ"تأخون الدولة" أي التزلف لجماعة الإخوان المسلمين التي ينتمي إليها الرئيس محمد مرسي، حيث اعتبروا هذا "التأخون" أخطر على الرئيس والدولة المصرية مما تصفه التيارات الليبرالية بسعي جماعة الإخوان إلى "أخونة" الدولة، أي السيطرة على أجهزتها.
قبل أيام، واحتفالاً بذكرى حرب أكتوبر/ تشرين أول 1973 التي تمكن خلالها الجيش المصري من عبور قناة السويس وتحريرها من الاحتلال الإسرائيلي، نشرت مجلة "العمل" التابعة لوزارة القوى العاملة إعلانًا يحمل شعار نقابة العاملين بالبترول وصفت فيه مرسي بأنه "قائد نصر أكتوبر العظيم".
ونشر الشيخ صالح أبو خليل، شيخ الطريقة الخليلية الصوفية، إعلانًا على صفحة كاملة في الجريدة الرسمية لحزب "الحرية والعدالة" - الذي أسسته جماعة الإخوان عقب ثورة يناير/ كانون ثان 2011 - معلنًا من خلاله دعمه للرئيس محمد مرسي، على الرغم من خلافات تقليدية بين الإخوان والصوفيين في مصر.
وسبق ذلك نشر العشرات من الإعلانات في الصحف لتقديم التهنئة للرئيس على توليه رئاسة البلاد عقب فوزه في أول انتخابات رئاسية بعد الثورة أوائل يونيو/ حزيران الماضي، وذلك في صحف طالما وصفت جماعة الإخوان بالجماعة "المحظورة" قانونًا.
وبالتوازي مع تلك الإعلانات، فإن هناك عددًا من الكتاب الصحفيين المعروفين بولائهم للنظام السابق، وكانوا ممن يهاجمون جماعة الإخوان بشدة، تحولوا للنقيض، ومن بين هؤلاء رئيس تحرير سابق لإحدى الصحف القومية والمعروف بمدحه الشديد لمبارك في عدة مقالات ومنها مقال: "ليه بنحبك يا ريس؟ (مبارك)، وكان من أبرز من انتقد الثورة المصرية في بدايتها.
وبعد توقفه عن الكتابة بعد ثورة 25 يناير، عاد قبل أسابيع للكتابة واختار أن يكون أول مقال له في مدح الرئيس محمد مرسي والثاني في مدح رئيس مجلس الشعب المنتمي لحزب الحرية والعدالة محمد سعد الكتاتني.
حيث قال في مقاله "جاء قرار اختيار الفريق أول عبد الفتاح السيسي قائدًا عامًا ووزيرًا للدفاع، ليؤكد أننا نتعامل مع رئيس جمهورية يتمتع بذكاء وفطنة شديدين بالإضافة إلى دماثة خلق والعديد من اللفتات الإنسانية التي تجلت في قراره".
بينما كتب عن الكتاتني قائلاً: "ليس من المبالغة أن أقول إن الدكتور الكتاتني قدم نموذجاً نتمنى تكراره في أسلوب الأداء لرئيس البرلمان ومدى قدرته على الجمع بين الصرامة والحسم وأيضًا اللين واللطف مع بعض تجاوزات أو هفوات وأخطاء أعضاء البرلمان".
وتتحدث تقارير نشرت في الصحف المحلية المصرية عن مظهر آخر من مظاهر "تأخون الدولة" يتمثل في إطلاق عدد من المسؤولين للحاهم على غرار الرئيس مرسي.
وفي تصريح خاص لمراسلة وكالة الأناضول للأنباء، يرى أيمن الصياد، الكاتب الصحفي ورئيس تحرير مجلة "وجهات نظر" وأول من أطلق مصطلح "تأخون الدولة" أنه "في الفترة الأخيرة كثر الكلام عن أخونة الدولة ويبدو لي أن الجميع غاب عنه ما هو أخطر من ذلك، فإذا كان المقصود بأخونة الدولة هو أن يصل الإخوان لمواقع المسئولية بصفتهم الحزب الأكبر، فهذا طبيعي وهذا من الديمقراطية، ولا جديد في أن يدخل الحزب مقاعد المسئولية في الدولة".
ويستطرد قائلاً: "لكن الأخطر في الأمر أن يبادر مجموعة من الأفراد والمؤسسات بارتداء عباءة الإخوان وهم لم يكونوا يومًا منهم، فترى كتابًا كانوا ضد الإخوان طيلة العهد السابق، ولكنهم الآن بدأوا في دبج مقالات المديح في قيادات الإخوان، ونجد من ينشر إعلانات على صفحات كاملة مديحًا في الرئيس أو جماعته".
ويحذر الصياد من أن "المشكلة الأخطر تكمن في أن يصل هذا الداء إلى مؤسسات الدولة والتي من المفترض أن تعمل للدولة ولكن أخشى أن نفاجأ أنها تعمل لصالح النظام وجماعته كما كان يحدث في النظام السابق، خاصة من قبل الأجهزة الأمنية، فمن المعروف أن هذه الأجهزة كانت تعمل لصالح الرئيس السابق وحزبه وليس لصالح الدولة وأخشى أن يتكرر ذلك".
ويمضي في تحذيره بالقول: "أكثر من سيدفع الثمن إذا حدث ذلك هو الإخوان أنفسهم لأن هذا السلوك الذي أسقط مبارك كفيل بإسقاط أي نظام آخر".
ويتابع الصياد: "المسألة لا تحتاج إلى شواهد واضحة ولكن أشتم روائح غير طبيعية في إطار التأخون في الكثير من المجالات سواء التلفزيون الرسمي أو الأجهزة الإدارية وكل المحافظات والإدارات المحلية".
ويلفت الصياد إلى أن "هذه ثقافة متوارثة وهي من تصنع الفرعون كما أنها القادرة على إسقاطه"، موضحًا أن "مهمة أصحاب الرأي داخل مؤسسة الرئاسة أن تقاوم هذه الثقافة وأنا أول من نبه لهذا الخطر داخل المؤسسة".
من جانبه، قال محمد نجيب، أستاذ علم النفس السياسي بجامعة عين شمس بالقاهرة، إن "هناك موروثًا لدى فئة معينة من الشعب يتمثل في التزلف للحاكم".
وحذر نجيب في حديثه لمراسل الأناضول من تمادي تلك الفئة قائلاً: "المضي في هذا الأسلوب يصنع فرعونًا جديدًا وهناك بعض المنتفعين من السلطة يتبعون أسلوب النفاق لتحقيق مزيد من المنفعة، خاصة أن هذا الأسلوب كان مجديًا في الفترة الماضية".
واعتبر نجيب أن "أخونة الدولة "تعني سيطرة الإخوان على مفاصل الدولة وهو ما قد يكون أمرًا مقبولاً سياسيًا لفصيل استطاع أن يصل للحكم، ولكن تأخون الدولة يعني انتشار مظاهر النفاق وهو أمر خطير لابد من التصدي له حتى لا تتكرر صناعة الفرعون".