هاجر الدسوقي
القاهرة - الأناضول
أجمع خبراء سياسيون ونفسيون أن خطابات الرئيس المصري محمد مرسي على مدار الشهور الأربعة الماضية والتي بلغت نحو 56 خطابًا "كانت في أغلبها لترضية المصريين، وخلت من رؤية محددة وبرنامج واضح المعالم".
ولفت بعضهم إلى التشابه بين مرسي والرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر من حيث "التواصل كثيرًا مع الجماهير والتحدث إليهم وقتا طويلا بشكل مرتجل"، مضيفين أن "الأداء الخطابي للرئيس جيد من حيث الأسلوب خاصة أن لديه قبولاً عند المصريين وأنه متمرس كخطيب لكن ينقصه المضمون والرؤية المستقبلية لحل المشاكل".
وفي إطار تحليل خطابات الرئيس المصري خلال أول 4 أشهر من حكمه، قال عماد شاهين، أستاذ العلوم السياسية بالجامعة الأمريكية في القاهرة: "بالرغم أن مرسي ألقى 56 خطابًا حتى نهاية أكتوبر الماضي لكنه لم يخاطب المصريين الخطاب السياسي الذين كانوا ومازالوا ينتظرونه".
وبحسب إحصائية أعدتها وكالة "الأناضول" للأنباء استنادًا لمعطيات إعلامية ومعلومات رسمية، ألقى الرئيس المصري منذ إعلان فوزه في 24 يونيو/حزيران وحتى 30 أكتوبر/تشرين الأول الماضي، 16 حديثًا في مناسبات دينية ومساجد، و10 خطابات خارج مصر، و10 في مناسبات عسكرية، و6 أخرى في مناسبات متعددة، و5 أحاديث عامة موجّهة للشعب المصري، و5 في لقاءات مع القوى السياسية المصرية و4 أحاديث صحفية، بمتوسط يقترب من كلمة كل يومين.
وأوضح شاهين، في تصريح خاص لمراسلة الأناضول، أن هذا الخطاب المنتظر هو "خطاب كشف حساب بالتركة التي استلمها من الرئيس السابق حسني مبارك، يسرد فيه بالأرقام عجز الميزانية وموارد الدولة وما هو الوضع البشري للمصريين من حيث القضايا الرئيسة كغذاء وتعليم وصحة ووضع إقليمي وأمني، ويوضح مبادراته وآلياته للتعامل معها ويطلب من المصريين مساعدته".
ووصف شاهين خطابات أول رئيس مصري بعد ثورة 25 يناير 2011 بأنها "فاقدة للرؤية والبوصلة وإن كانت توحي للمصريين بنوع من التفاؤل، لكنها بالنسبة للساسة والخبراء لا تحمل رؤية أو خطة مستقبلية"، مؤكدًا أن "مؤسسة الرئاسة لم تمارس الخطاب السياسي حتى الآن".
"بالرغم من عدم تحقيق خطابات مرسي لأهداف واضحة -بحسب شاهين- لكن الأداء الخطابي للرئيس جيد من حيث الأسلوب، خاصة أن لديه قبولاً عند المصريين وأنه متمرس كخطيب لكن ينقصه المضمون، وأن تكون الخطابات ذات رؤية واستراتيجية بجانب تحديد الأولويات".
وألقى مرسي 5 أحاديث عامة موجّهة للشعب المصري خلال الشهور الأربعة الماضية، كان أولها يوم إعلان نتيجة انتخابات الرئاسة رسميًا في 24 يونيو/حزيران، أعقبه خلال فترة قصيرة حديث أثناء احتفال قيادات الجيش بتنصيبه، وكذلك 3 أحاديث بمناسبة تأديته للقسم في ميدان التحرير ثم أمام المحكمة الدستورية وفي جامعة القاهرة.
أما خارجيًا، فاعتبر شاهين أن "خطابات مرسي كانت تهدف لاستعادة دور مصر الإقليمي وهو ما حدث فعليًّا في مبادرة مصر لإنهاء الأزمة السورية"، واستدرك "لكن لاتزال السياسة الخارجية غير واضحة خاصة أنها انعكاس لقوة الجبهة الداخلية، التي مازالت تنتظر من مرسي أفعالا أكثر من خطابات".
محمد المهدي، أستاذ الطب النفسي بجامعة الأزهر، قال إن الرئيس المصري "يحاول أن يقترب من الجماهير بخطاب ودي توافقي استرضائي، لذا يفعل ما كان يفعله عبد الناصر من حيث الخروج للناس كثيرًا وقضاء وقت طويل في التحدث إليهم لكن ذلك أكثر مما يحتمل العصر والوقت".
وأرجع السبب في عدم وجود خطاب سياسي واضح لمرسي إلى "حداثة منصبه التي جعلته يتحسس خطواته ولا يريد أن يعلن شيئا واضحا حتى لا يرتبك، فقرر أن يحتمي في الخطاب الودي التوافقي الاسترضائي، لحين تتضح له كافة المعلومات بشكل كامل".
وأوضح المهدي أن "خطابات مرسي لاتزال لا تحمل صفة رجل الدولة بنسبة 100%، فهي مزيج من الخطاب الدعوي والرئاسي، وهو أمر مفهوم بسبب الخلفية الدينية لرئيس كان عضوًا في جماعة الإخوان المسلمين".
وألقى مرسي 16 حديثًا وخطابًا في مناسبات دينية ومساجد، 3 منهم في مناسبات عامة، بينما 13 خطبة كانت داخل المساجد، وأغلبها عقب صلاة الجمعة في مساجد بأنحاء متفرقة من مصر.
وبشأن محتوى الخطاب الرئاسي، قال المهدي إن خطابات مرسي المتعلقة بالشأن الداخلي "تتضمن كلمات ليست من أدبيات الخطاب السياسي، مثل قوله (دم الشهداء في رقبتي)، وإنما هي مفردات خطاب عائلي"، مضيفًا "فدماء الشهداء ليست لها ضمانات شخصية لدى الرئيس، وإنما ضمانات قانونية وسياسية بحكم منصبه".
وأردف المهدي أن "مثل هذه العبارات توضح إلى ضعف المضمون السياسي في خطابات الرئيس مرسي".
وفيما يتعلق بخطابات مرسي للخارج، اعتبر المهدي أنه "مازال غير واضح وغير مؤثر حيث جاءت الكلمات أغلبها عمومية ومرسلة ولم تحدد ملامح سياسية واضحة اتجاه دول بعينها مثل أمريكا وإسرائيل وإيران أو بقية الدول العربية".
وأشار إلى أن "انضباط خطابات مرسي سياسيًا في الفترة القادمة يتوقف على اشتباكه مع المشاكل الفعلية للمصريين، وتركيزه على العمل فعليا على أرض الواقع مع التقليل من الخطابات والوعود وكذلك المواكب الرئاسية".
من جانبه، قال طارق فهمي، أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة، إن "خطابات الرئيس مرسي اتبعت سياسة أنصاف الحلول، دون الخروج بقرارات حاسمة في قضايا مثل التمويل والائتمان والقروض والاستثمارات، كذلك لم توضح آليات برنامج الحكومة لمعالجة القضايا الحياتية للمواطن المصري".
وعن الخطاب الشهير للرئيس المصري الذي ألقاه في استاد القاهرة، بمناسبة ذكرى حرب 6 أكتوبر/تشرين الأول 1973 بين مصر وإسرائيل وقدم فيه كشف حساب عن المائة يوم الأولى من حكمه، اعتبر فهمي أن "حديث الرئيس كان كلامًا مُرسلاً أكثر من كونه يستند إلى وقائع".
ونوّه إلى أن "افتقاد الخطابات للشفافية في أحاديثه يرجع إلى 3 أسباب رئيسية، قلة الخبرة وعدم قدرة الرئيس على الحسم في اتخاذ القرارات، ووجود مؤسسات داخل الدولة لا تستطيع العمل على مبادرات الرئيس".
ورأى فهمي أن "أهم ثلاث خطب ألقاها الرئيس يمكن أن تحدد سياسته الدولية كان خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة بنيويورك في سبتمبر/أيلول الماضي، وخطابه أمام القمة الأفريقية في إثيوبيا في يوليو/تموز، وخطابه في مؤتمر منظمة التعاون الإسلامي بمكة المكرمة في أغسطس/آب".
وأضاف أن "من المبكر أن نقول بأن مرسي أحدث تغييرًا جوهريًا في مجرى السياسية الخارجية، خصوصًا أنه ليس صاحب القرار في تحديد السياسة المصرية تجاه دول العالم، مع وجود مؤسسات داخل الدولة مازالت تدار بسياسات النظام القديم"، متوقعًا أن "مرسي لن يقوم بالتغيير المنتظر خلال أول 24 شهرًا من حكمه".
وتابع "خطابه بالأمم المتحدة كان بمثابة الكلمة الأولى التي جعلت الإدارة الأمريكية تتأكد من أن سياسة الرئيس المصري الجديد، توافقية بالدرجة الأولى وأنه لن يسعى إلى التصادم بل سوف يستمر عزفه على أنصاف الخيارات".
وعن الصورة الذهنية للرئيس المصري خلال أحاديثه، قال فهمي إن "مرسي يحمل سمات الرجل ذي النسق الأيديولوجي الديني، ولديه رؤية راديكالية"، مضيفًا أنه "يشبه في السياق العام الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر، لكنه لا يستطيع أن يقترب من مساحته خصوصا أنه لم يقم بإجراءات تمس العدالة الاجتماعية بعد".
من جهتها، اعتبرت مارينا أوتاواي، كبيرة الباحثين في برنامج الشرق الأوسط بمؤسسة كارينجي الأمريكية للسلام الدولي، أن "خطاب مرسي بالأمم المتحدة هو الخطاب الذي عكس سياسته الخارجية، والولايات المتحدة استقبلت الخطاب بأكبر قدر من الاهتمام، لأنه ابتعد عن الأفكار الراديكالية"، لافتة إلى أنه "عكس استمرار مرسي في اتباع نفس سياسات النظام القديم".
وأضافت أوتاواي لمراسلة وكالة الأناضول أن "خطاب مرسي تضمن إشارة صريحة لأفكار جمال عبد الناصر، خصوصا عندما ذكر أن مصر جزء من العالم العربي والأفريقي والإسلامي".
ورأت أوتاواي أن "مرسي أخطأ خطأً فادحًا في سياسته الخارجية عندما لم يقم بحشد قوات الأمن لمنع اقتحام السفارة الأمريكية بالقاهرة، على خلفية المظاهرات التي أعقبت الفيلم المسيء لخاتم الأنبياء، لكن في الوقت نفسه كان لرده لاحقًا استقبال إيجابي من جانب الحكومة الأمريكية".
news_share_descriptionsubscription_contact
