حازم بدر
القاهرة – الأناضول
مثل العشرات الذين يتوافدون يوميًا على مقر الرئاسة المصرية بالقاهرة لتقديم شكواهم، ذهب عبد العزيز عبد الفتاح، الذي يعاني من إعاقة بقدمه، رافعًا شكواه للرئيس محمد مرسي، طالبًا تخصيص "كشك" (منفذ بيع صغير) يعينه على تحمل أعباء الحياة.
وبمجرد أن عاد عبد الفتاح إلى منزله في نفس اليوم الذي قصد فيه القصر الجمهوري، جاءته فكرة أن يمارس مهنته ككاتب عمومي للشكاوى والمحاضر أو ما يعرف بـ"العرضحالجي" أمام القصر لكثرة أعداد المترددين عليه يوميًا، بحسب حديثه لمراسل وكالة الأناضول للأنباء.
ويعمل عبد الفتاح بهذه المهنة التي تشتهر بلقب "مهنة وجع القلب" منذ 32 عامًا أمام المحاكم والوزارات، ورغم أنها اندثرت بعض الشيء، إلا أنه لا يزال حريصًا على ممارستها، رافعًا شعار: "سأحيا وأموت عرضحالجي".
ونشأت هذه المهنة في الماضي بسبب قلة أعداد المتعلمين القادرين على توصيل شكواهم مكتوبة للمسؤولين، فظهرت الحاجة إلى شخص يقوم بعرض حالة الناس للمسؤولين، ومن هنا جاءت تسميته بــ"العرضحالجي"، وهي كلمة ذات أصل تركي.
ورغم كثرة أعداد المتعلمين في هذا العصر فإنهم لجأوا لعبد الفتاح لأنه يعرف أكثر من معظم الشاكين كيفية صياغة الشكوى.
ولا يعلم عبد الفتاح أي معلومات عن أصل هذه المهنة التي كانت محل اهتمام العديد من الأعمال الدرامية والسينمائية في مصر، لكنه في نفس الوقت يعلم أصولها ويحرص على تنفيذها حرفيًا.
ومن أبرز أصولها ألا يكتب "العرضحالجي" شكوى غير مكتملة، وكذلك غير قانونية، ويقول: "أنا مثلا لا أكتب شكوى دون أن يكون صاحبها معه بطاقته الشخصية للتأكد من هويته، كما أنني لا أكتب شكوى أشعر أن صاحبها يريد أن يأخذ ما ليس بحقه".
ولا يضع عبد الفتاح "تسعيرة" مقابل خدماته، تاركا الأمر لتقدير صاحب الشكوى، وهناك شكاوى قد يكتبها مجانًا، ويضيف: "لازم يكون في قلوبنا رحمة، يعني لو واحد جاء يطالب بحق ابنه الشهيد أو أرملة إمكانياتها على قدها (محدودة) أحرج أن أطلب مقابلاً للشكوى".
وعن أبرز الشكاوى التي كتبها للرئاسة، يقول عبد الفتاح بعد أن فتح دفتر أمامه: "لن أنسى حالة محمد السيد سليمان من البدرشين (جنوب القاهرة)، والذي جاء يشكو من اغتصاب بعض الخارجين عن القانون لأرضه وعجزه عن استردادها".
ويحتفظ عبد الفتاح بمعلومات تفصيلية عن هذه الحالة وغيرها من الحالات مثل العنوان ورقم الهاتف، وبسؤاله عن أسباب ذلك، قال والابتسامة تملأ وجهه: "أنا بشتغل هذه المهنة بحب، يعني أنا أسعد عندما يحصل المواطنون على حقوقهم، ولابد أن أطمن على شكواهم ومدى الاستجابة لها من حين لآخر، لذلك أحرص على سؤالهم عن هذه المعلومات".
ويستطرد مضيفًا: "على فكرة هذه أيضا من أصول المهنة، لكن لا يلتزم بها الكثيرون".
ورغم أن المكاسب المادية التي يحصل عليها تعتمد على كثرة عدد الشاكين، إلا أنه يرى أن بعض من يتردد على القصر الجمهوري ليس لديه حق في مطالبه.
ويقول وقد ارتفعت نبرة صوته قليلا: "صبر الرئيس مرسي طمّع الناس، وأصبح من له حق ومن ليس لديه حق يأتي إلى هنا".
ويصمت للحظات قبل أن يضيف: "يا ناس اجعلوا في قلوبكم رحمة، سيبوا (اتركوا) الرئيس يشتغل".
والمفارقة أنه رغم ما يبدو من حب عبد الفتاح للرئيس مرسي، إلا أنه قال عندما سأله مراسل "الأناضول" هل أعطاه صوته في الانتخابات الرئاسية قال: "انتخبت منافسه أحمد شفيق، لكني اليوم نادم على اختياري".
ويشير إلى الجموع التي جاءت رافعة شكواها، وقال: "بعد ما عرفناه عن شفيق، كان هيمشي (يسير) على نفس نهج مبارك، يعني لم يكن أحد من هؤلاء المصريين يستطيع أن يقف أمام القصر"، ثم أشار إلى نفسه، وأضاف: "ولا العبد لله كان يقدر يشتغل أمام القصر".
وكان الرئيس محمد مرسي أمر في يوليو/تموز الماضي بفتح ديوان مظالم لتلقي شكاوى المواطنين في كل من القصرين الجمهوريين بعابدين وروكسي في العاصمة القاهرة للعمل على حل شكاوى المواطنين، في خطوة رحّبت بها قوى سياسية واعتبرتها خطوة تجاه تقريب مؤسسة الرئاسة من المواطن العادي، واعتبرها آخرون خطوة "خارج العصر"، مؤكدين أن مؤسسات الدولة والوزارات هي المخولة بدراسة مشاكل المواطنين وحلها.
وبمجرد فتح ديوان المظالم أبوابه، انهمر سيل المظالم على الديوان من مختلف المحافظات، ووقف الشاكون يحملون مظالم متنوعة تراوحت ما بين رغبتهم فى الحصول على مسكن وفرص للعمل وتنفيذ الأحكام القضائية من رجال نظام حسني مبارك السابق والمفصولين من شركاتهم. ومع تصاعد المطالب أصبح القصر الرئاسي محاصرًا دائما بالمظاهرات الفئوية ووصل الأمر إلى اتخاذه مقرًا لاعتصامات متكررة.