تميم عليان
القاهرة - الأناضول
لم يحصل عمال مصنع سمنود للوبريات (شمال القاهرة) على مرتباتهم منذ ثلاثة شهور بسبب توقف مصنعهم لعدم توافر القطن، أما في مدينة المحلة (دلتا النيل) بالقرب منهم فيعمل أكبر مصنع للمنسوجات في مصر "غزل المحلة" بـ30% من طاقته فقط لعدم توافر المواد الخام ما يهدد بتسريح العمال.
هذه الأوضاع ومثيلاتها تنذر بعواقب وخيمة أو "انفجار عمالي" كما يقول سيد حبيب، القيادي العمالي بشركة غزل المحلة، فالعمال طرقوا كل الأبواب لحل المشكلة حتى أنهم عرضوا المساهمة من مرتباتهم إلا أن الشركة القابضة لم تتحرك ووعود وزير الاستثمار أسامة صالح بضخ أمول للمصانع لم تنفذ.
يقول حبيب، و هو أحد المشاركين في الإضرابات الكبرى في المحلة قبل الثورة عام 2008 و بعد الثورة عام 2012 إن "الأوضاع الآن أصبحت سيئة جدا وسياسة الحكم تسير على نفس النمط وهنالك حراك عمالي غاضب ربما ينقلب إلى مظاهرات و إضرابات إذا لم يتم الاستجابة للمطالب المشروعة".
ويطالب العمال المصريون من قبل ثورة 25 يناير/كانون الثاني 2011 بتحسين أوضاعهم الاقتصادية والاجتماعية وتطبيق حد أدنى وأقصى للأجور وإقرار قانون الحريات النقابية للسماح لهم بتنظيمات أكثر قوة تعزز من قدرتهم على التفاوض مع اصحاب الأعمال و الدولة.
إلا أنه وفي العيد الثالث للعمال بعد الثورة، اليوم الأربعاء، فإن عمالا مصريين يجدون أنفسهم مضطرين للتظاهر في ميدان التحرير، مهد الثورة على الرئيس السابق حسني مبارك، ضد تدهور أوضاعهم في ظل أزمة اقتصادية سببها الاضطراب السياسي المستمر منذ عامين، ويقول الكثيرون منهم إنه لا يوجد سبب للاحتفال ويتهمون الرئيس المصري الحالي محمد مرسي وحكومته باتباع نفس سياسات النظام السابق.
وتحذر نادين عبد الله، باحثة زائرة متخصصة في الحركات الاجتماعية بالمركز الألماني الدولي للدراسات في القاهرة، من أن استمرار الأوضاع يهدد الاستقرار في مصر، موضحة أن قوة أي نظام هي في إحداث أكبر قدر من التوافق بين القوى السياسية والاجتماعية، وأن من مصلحة النظام الحالي التوافق مع القوى العمالية خاصة أن البلاد مقبلة على فترة صعبة ستشهد ارتفاعا في الأسعار.
وتلفت عبد الله إلى أن "الدولة قد تكون في حالة لا تسمح لها بالاستجابة لمطالب العمال، إلا انها لم تعمل حتى على تلبية المطلب التنظيمي للعمال بإصدار قانون الحريات النقابية الذي سيؤدي إلى استقرار في سوق العمل".
مخاوف العمال تؤكدها الأرقام، فبحسب اتحاد العمال الرسمي فقد وصل عدد العمال المفصولين بعد الثورة إلى 35,000 عامل كما تم غلق أكثر من 4,500 في نفس الفترة.
انعكست هذه الأرقام في معدلات الاحتجاج حيث تشير إحصائيات مؤشر الديموقراطية التابع للمركز التنموي الدولي بمصر إلى تضاعف متوسط الاحتجاجات خلال 2013 إلى 4 أضعاف المتوسط عام 2010.
ويقول كمال أبو عيطة، رئيس الاتحاد المصري للنقابات المستقلة،إن "العمال جزء أساسي من الدولة ولكن أحوالهم تتراجع أكثر وأكثر الى الخلف ومسلسل فصل النقابيين بسبب نشاطهم مستمر أكتر من أيام مبارك وكذلك تسريح العمالة ورفض الدولة استرداد مصانع منهوبة، وحرياتنا النقابية في تراجع مستمر".
ويضيف أبو عيطة أن تزايد الاحتجاجات ليس له هدف سياسي و لكنه يعكس تراجع الحقوق وهو مستمر ويعني مزيدا من الاضرابات وتزايد احتمالات "ثورة الجوع"، موضحا أنه لن يحتاج العمال إلى الاحتجاج إذا كان هنالك نقابة توحد جهودهم وتسعى وراء حقوقهم من خلال المفاوضة الجماعية مع الإدارة، فالإضراب يحدث لفتح قناة اتصال فقط.
وينتقد العمال قانون النقابات الحالي الذي لا يسمح، للعمال في صناعة ما، إلا بالحق في تكوين نقابة عامة واحدة على مستوى الجمهورية، و"النقابات تكون الاتحاد العام لنقابات عمال مصر، ويصدر قرار من السلطة التنفيذية بإجراء انتخاباتها التي عادة ما كانت تشهد تزويرا في عهد الرئيس السابق مبارك، وكانت لا تتدخل في حل مشاكلهم، كما أن هذا النظام الذي يخضع الاتحاد العام للنقابات لسيطرة السلطة التنفيذية يسمح للحاكم بالسيطرة على الحركة النقابية العمالية"، بحسب قيادات عمالية.
ويخوض العمال مناقشات مع وزير القوى العاملة خالد الأزهري، المنتمي للإخوان المسلمين، حول قانون نقابات جديد من المقرر إصداره قريبا، بخلاف القانون الذي أعده الوزير السابق، أحمد البرعي، إلا أن نادين عبد الله تقول إن "القانون الذي تدعمه جماعة الإخوان يعطى سلطة مركزية أكبر للاتحاد الرسمي".
وتشير عبد الله إلى أن أكثر من 65% من القوة العاملة في مصر، التي تبلغ أكثر من 23 مليون نسمة، غير منضم لأي تنظيمات نقابية، وعلى الرغم من التطور التي تشهده الحركة النقابية إلا أن إدماج هؤلاء يجب أن يحظى بأهمية شديدة.
وتغيرت قيادة الاتحاد الرسمي مرتين منذ ثورة 25 يناير/كانون الثاني 2011، حيث تمت الإطاحة برئيس الاتحاد الأسبق حسين مجاور، عضو الحزب الوطني (الحاكم سابقا)، وتم تعيين لجنة لإدارة الاتحاد، قبل أن يعدل الرئيس المصري محمد مرسي قانون النقابات لمنع من هم فوق سن الستين من العمل النقابي، لتأتي إدارة جديدة في نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي.
ويتفق جبالي المراغي، رئيس الاتحاد الحالي، مع القول إن الوضع "سيء"، ولكنه يقول إن "العمال أذكياء ويعلمون أن الاتحاد بجانبهم، حيث أجريت أكتر من 2800 مفاوضة جماعية من النقابات العامة التابعة للاتحاد، مضيفا أنه "منذ تولي (المراغي) الإدارة الجديدة في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، أصبح رئيس النقابة العامة ملزما بالتواجد مع العمال في الإضراب".
ويرفض المراغي أن تكون هناك أكثر من نقابة عمالية حيث "ستتشتت جهود العمال في التفاوض مع الإدارة".
ويقول إن "الاتحاد ليس تابعا تبعية كاملة للجهة الإدارية وإنما هي تصدر قرارات الانتخابات فقط"، متهما المطالبين بالتعددية النقابية بالفشل في دخول الاتحاد عن طريق الانتخابات و يسعون "للأضواء و الشهرة"، على حد قوله.
وانتقد المراغي قانون العمل الحالي الذي وصفه بـ"المجحف" حيث يتيح لصاحب العمل فصل العامل تعسفيا، وفي حالة اللجوء للقضاء لا ينفذ الحكم مقابل غرامة مائة جنيه فقط (15 دولارا)، مشيرا إلى أنهم (الاتحاد العام) طالبوا رئيس الوزراء هذا الأسبوع بتعديل قانون التأمين الصحي وقانون العمل وأن يشارك الاتحاد في صياغة التشريعات الخاصة بالعمال وتم مقابلة طلباتهم بـ"جدية"، كما يرى.