حلب/ الأناضول/ خديجة الزغيمي
وسط الهدوء المخيم على مدينة إعزاز بريف حلب، التي هجرها معظم سكانها، وبين ركام المنازل المدمرة، ومحاولة ما تبقى من السكان تدبير أمور معيشتهم، تحول المسجد إلى نقطة جذب لأطفال المدينة، الذين ابتعدوا لفترة طويلة عن مقاعد الدراسة.
تتردد في جنبات أحد مساجد إعزاز، الأصوات الندية للفتيات صباحا، وللفتية مساءً، وهم يتعلمون كتاب الله، والأحاديث النبوية، وسيرة النبي، صلى الله عليه وسلم، ويلعب أطفال آخرون أمام المسجد، ليصبح المكان لوحة تحدٍ للواقع، وإصرارٍ على الاستمرار.
يشرف على دورات القرآن الكريم، إمام وخطيب المسجد "حسن الشعبان"، الذي أخبر الأناضول، أن دورات القرآن بدأت في المسجد في شهر أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، ولاقت إقبالا كبيرا بسبب إغلاق المدارس، إلا أن عدد الطلاب يتأثر بأحوال المدينة، ففي بعض الفترات تجاوز العدد الخمسمائة طالب وطالبة، ثم عاد للانخفاض بسبب نزوح الأهالي.
ويعمل المدرسون والمدرسات في المسجد بشكل تطوعي، وكانوا يتلقون مساعدات إغاثية أو مكافآت مالية من بعض الهيئات الإغاثية، بشكل غير منتظم، إلا أن هذا الدعم توقف أيضا.
افتقار للكتب
يهدف الشعبان لتطوير الدورات التي يقدمها المسجد، لتشمل أيضا تعليم اللغة العربية وأمورا أخرى، لكنه يفتقر للمنهاج والكتب. ويعدد الشعبان احتياجات المسجد التي يأتي على رأسها المصاحف، وأجزاء القرآن الكريم، ومن ثم القرطاسية، وهدايا للأطفال، لتشجيعهم على الاستمرار في تعلم القرآن الكريم.
كما يتمنى الشعبان أن يحصل المدرسون على نوع من الدعم المنتظم، فرغم أن عملهم لوجه الله، إلا أنهم بحاجة للدعم بسبب انقطاع مصادر الدخل، وصعوبة توفير الاحتياجات الأساسية.
من جهتها، تشرف "بشرى سامي" على تحفيظ البنات، وتعمل معها 25 معلمة ، إلا أن عددهن يقل عندما تتعرض المدينة والمناطق المحيطة للقصف.
تبدو بشرى فخورة جدا بطالباتها، تحكي عن الطالبات اللواتي حفظن خمسة أجزاء في أقل من عام، والطالبة "نبيهة" التي حفظت المنظومة الجزرية في أسبوع واحد، وتأسف لأنها لم تتمكن، بسبب غياب الدعم، من مكافأة تلك الطالبات سوى بهدايا رمزية بسيطة.
اجتهاد رغم الظروف
الطلبة والطالبات ينالهم أيضا نصيب من معاناة المدينة، فبيت نبيهة أصيب في قصف تعرضت له المدينة، جرح فيه أخيها وزوجة عمها، ما اضطر العائلة بأكملها للنزوح عن إعزاز، قبل أن يعودوا ثانية، وتعبر بشرى عن سعادتها لعدم نسيان نبيهة للمنظومة الجزرية، وللأجزاء الثلاثة التي حفظتها، وتتحدث بإعجاب عن محاولات الطالبة الحثيثة للحاق بزميلاتها، وحفظ الجزئين الذين حفظنهن في غيابها.
وفي فصل الشتاء الماضي اضطر طلبة وطالبات المسجد، الدراسة في البرد لعدم القدرة على تدفئة المسجد، ويحضر بعض الطلبة والطالبات بملابس قديمة ليس لديهم سواها، وتحكي بشرى بأسى عن عدد من أسر طالباتها، التي بالكاد تتمكن من توفير ما يسد جوع أطفالهم، فيما تضطرأسر أخرى لشراء الماء بالدين.
ويظهر الحنين في صوت المعلمة بشرى وهي تتذكر إحدى طالباتها النجيبات، التي تبلغ من العمر تسع سنوات، والتي حفظت ثلاثة أجزاء، إضافة للمنظومة الجزرية، ولكنها لجأت مع أهلها إلى تركيا. فلا شيء يبقى على حاله هنا، الأماكن والأشخاص، كل شيء يتغير، أو يرحل، وليت كل الرحيل يكون رحيلا إلى تركيا، أو لأي مكان على ظهر هذه الأرض، لا تحتها.