شمال عقراوي
أربيل (العراق)- الأناضول
يرى المفكر والأكاديمي العراقي، عبد الحسين شعبان، أن القائمين على الدولة العراقية، ورغم مرور عشر سنوات على الإطاحة بالرئيس الراحل صدام حسين، "لا مشروع لهم"، في حين أن "هناك مشاريع لدول الجوار حيال العراق".
وفي مقابلة مع مراسل وكالة الأناضول للأنباء، قال شعبان إن الشعب العراقي "لا يزال يرزح تحت تأثير غولين، النظام الاستبدادي الدكتاتوري السابق، والاحتلال الذي ترك بصماته وتأثيراته السلبية الخطيرة والعميقة على مستقبل الشعب".
وأوضح أن العراق "في حاجة إلى استعادة صورته العربية، التي كانت مؤثرة ومهمة في الثقافة والفكر والحضارة الاسلامية، مع ضرورة احترام حقوق الأكراد والتركمان وكافة القوميات والأديان في البلاد".
ويعد عبد الحسين شعبان أحد أبرز المتخصصين في القانون الدولي بالعراق، وخبير في مجال حقوق الإنسان، وهو استشاري في عدد من المنظمات والدوريات الثقافية والإعلامية العربية، وعضو في عدد من المنظمات العربية والدولية. وألف نحو 50 كتابا في حقول القانون والسياسة والإسلام والثقافة والأدب والقضايا الفكرية.
وفيما يلي نص الحوار:
*هل تحقق ما كان يتطلع إليه الشعب العراقي قبل الغزو الأمريكي في مارس/ آذار 2003؟
** لا أظن ذلك، فالشعب العراقي وقع بين غولين، غول النظام الاستبدادي الدكتاتوري السابق وغول الاحتلال الذي ترك بصماته وتأثيراته السلبية الخطيرة والعميقة على مستقبل العراقيين. وما تحقق حتى الآن شيء قليل، فلا يزال الإرهاب يضرب في الصميم، ولا تزال الطائفية متفشية، وما زالت الميلشيات قائمة معلنة أو مستترة، وما زال الفساد المالي والاداري متغلغل في مفاصل الدولة.
العراقيون كانوا يطمحون إلى تحقيق 3 أحلام رئيسية: كانوا يتطلعون للحرية، ولم تتحقق حتى الآن، حتى وإن كان هناك هوامش لحرية التعبير وهو أمر ايجابي. وكانوا يريدون الأمان لأنفسهم وأسرهم وممتلكاتهم، وهو لم يتحقق أيضا، كذلك كانوا يأملون أن تسير البلاد باتجاه الديمقراطية والتنمية، لكن لم يروا منها شيئا.
*وهل ترى التغيير مرتبط بتحقيق الديمقراطية بالضرورة؟
** التغيير لا يولد في يوم واحد مع الديمقراطية، فالديمقراطية عملية طويلة الأمد، قد يحل التغيير- خصوصا التغيير الأول- بإزاحة النظام بكل فساده وجرائمه، ولكن تحقيق الديمقراطية يتطلب مسارا طويلا. ما زلنا نتعثر في بدايات الطريق، ما يتطلب من جميع الفرقاء التحلي بالصبر والعقلانية وطول النفس، والابتعاد عن لغة التهديد والوعيد والسلاح؛ فهذا سيلحق ضررا بالجميع وبالتجربة.
*وإلى أين يسير العراق الآن في رأيك؟
**للأسف الشديد المتصدرين للدولة العراقية لا مشروع لهم، أعلم أن لدى إيران مشروع – قد اتفق أو اختلف معه - لكن أحترم ذلك وأقدره؛ لأنه قائم على أسس. وأعرف أن تركيا لديها مشروع قد أختلف أو أتفق معه هذا شيء آخر. لكن أين المشروع العراقي؟. لا وجود له، يجري الحديث عن مكونات، يجري الحديث عن شيعة وسنة وأكراد، فالعرب يشكلون 80% من سكان العراق، ولا أحد يتحدث عنهم حاليا، وكأن العرب غابوا، أو هم صورة صدام حسين وصورة علي حسن المجيد (ابن عم صدام، ويعرف بكونه أحد الوجوه القاسية للنظام السابق).
*وكيف يمكن تغيير تلك الصورة؟
**صورة العراق العربي مؤثرة ومهمة في الثقافة والفكر، فهو امتداد للحضارة العربية الإسلامية، وهذه الصورة ينبغي أن نستحضرها من جديد، وأن نستحضر معها احترام حقوق الأكراد والتركمان، واحترام حقوق الأديان. المسلمون أغلبية في العراق، لكن هناك أديان أخرى ينبغي احترامها بنفس القدر وبروح المواطنة الكاملة التامة، ودون ذلك سنصل الى دولة فاشلة وقاصرة.. دولة مكونات لا دولة مواطنة أو دولة قانون. فدولة القانون تتطلب أن يلقى فيها الجميع معاملة وفق الاعتبار الانساني وقواعد الكفاءة والأهلية. أما تصنيف المواطنين بأن هذا شيعي وذاك سني، فمن شأنه إحداث تقسيم وتفكيك طويل الأمد داخل المجتمع العراقي، ولا أظن ان مجتمعا سيتقدم بهذه الطريقة.
** يجري دوما الحديث عن خاسرين ورابحين في العراق.. فمن تظنهم الرابحين ومن الخاسرين؟
** كنت قد درست التجربة التشيلية وسافرت إلى هذا البلد بأمريكا اللاتينية. وقد عانت تشيلي صراعا بين عامي 1973 و1988، وتوصل طرفا الصراع في النهاية إلى أنه يتعين الجلوس إلى طاولة مفاوضات، وقد تحاورت مع مثقفين وأكاديميين ونشطاء مجتمع مدني حول هذا الأمر.
فطاولة المفاوضات، كما أبلغتني إحدى الأكاديميات، المفروض أنها تعكس شجاعة الفائزين من خلال اشراك الخاسرين، وشجاعة الخاسرين عبر الإقرار بخسارتهم، وعند ذلك يمكن بناء نمط دولة جديدة لا تقوم على الكراهية، فالكراهية لا تصنع دولة، بل تخلق ردود فعل فيها كراهية. إذا كان النظام السابق قد اعتمد على الكراهية وقواعد الثأر والكيدية، فلا ينبغي أن نقاربه بالاعتماد على ذات النمط.
إن ما يجري الآن في المنطقة الغربية من العراق (الاعتصامات ضد حكومة نوري المالكي) هو رد فعل طبيعي لحقوق مشروعة، حتى وإن جرى استغلالها من هذا الطرف أو ذاك، علما بأن تنظيم القاعدة وجد أرضية مناسبة للتحرك، وهي فرصة ذهبية للانتقال الآن من سوريا الى العراق، ومن العراق الى بلدان أخرى. العراق أصبح بلدا جاذبا للإرهاب، بل وصدر الإرهاب الى كل مكان، فبعدما جاء الأمريكان بالإرهابيين إلى بلدنا بهدف محاصرته، فإذا بهم يخرجون ويتركون الإرهاب لنا.. وهذه واحدة من مفارقات الوضع السياسي في البلاد، لم يجر التنبه اليها، وفي ظل هذا الوضع لا يمكن الوصول الى النتائج المرجوة، وسنعود الى المربع الأول، وعندها ستكون الكارثة الكبرى الحقيقية.. وحينها لن يبق العراق عراقا.